انفجر التفاهم الأمريكي - الإيراني مبكراً وقبل أن يكمل مهلة الستين يوماً التي قيل إنها قد تشهد ولادة اتفاق نهائي. الأوهام تبددت سريعاً، والمشهد اليوم بات معلقاً بين خيارين لا ثالث لهما: إما البقاء في دوامة استنزافية تحت سقف «لا حرب ولا سلم» عبر ضربات موضعية ومفاوضات متقطعة، أو التدحرج نحو حرب شاملة ومفتوحة تبدأ من النقطة التي توقفت عندها معارك أبريل الماضي.
الخلاف الحقيقي الذي فجّر الموقف هو مضيق هرمز وطريقة إدارته. واشنطن ترى المضيق ممراً دولياً يخضع لمبدأ حرية الملاحة، وتعتبر أن الاتفاق الأخير يعني إنهاء أي مضايقات للسفن بشكل كامل. في المقابل تستند طهران إلى تفسيرها الخاص لمذكرة التفاهم، معتبرة أن تنظيم المرور الآمن يقع تحت سيادتها المطلقة. هذا الخلاف لم يبقَ حبراً على ورق، بل ترجمته إيران ميدانياً بفرض عبور السفن من المسار الشمالي المحاذي لسواحلها واستهداف أي سفينة تختار المسار الجنوبي التابع لسلطنة عُمان. إيران تريد تثبيت دورها كـ «شرطي» واستخدام المضيق كورقة مساومة وابتزاز مستمرة.
داخلياً، انتهت في إيران لعبة التوازنات بين «محافظ ومعتدل»، إذ جاءت جنازة المرشد علي خامنئي لتذيب الفوارق، وبدأ النظام يتصرف وكأنه استعاد تماسكه بتفويض شعبي لتصبح الدفة بالكامل بيد الحرس الثوري الذي يتصرف بنشوة المنتصر ويرفض تقديم أي تنازلات. لكن هذا التماسك الداخلي قابله تشدد دولي، فالمضيق لم يعد مشكلة أمريكية بل قضية دولية، وقمة الأطلسي في أنقرة شرعنت بوضوح استخدام القوة العسكرية لحماية الملاحة.
تصعيد إيران وتغير لهجة ترمب
بعد التصعيد الإيراني في هرمز واستهداف ثلاث سفن، دفع إلى
الانقلاب في لهجة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونبرته العنيفة تجاه إيران، وهو الذي أمضى الأسابيع الماضية يمدح «واقعية» القادة الجدد في طهران ويراهن على براغماتيتهم، استشاط فجأة غيظاً وانهال عليهم بقصف كلامي عنيف ألغى مفاعيل الدبلوماسية. هذا التحول جاء نتيجة التقاط ترمب لـ«مظلة دعم دولي» غير مسبوقة حسمت تردده، وتحكمه ثلاثة دوافع رئيسية:
الغطاء الدولي في قمة أنقرة وتجاوز الخطوط الحمر: للمرة الأولى، لم يجد ترمب نفسه وحيداً في مواجهة إيران. فالإجماع الذي تبلور في قمة الناتو بأنقرة حوّل أزمة هرمز إلى قضية أمن عالمية وشرعن استخدام القوة. هذا الزخم الدولي منح ترمب الضوء الأخضر الذي كان يحتاجه، وجعل قصف ناقلات النفط وإغلاق المضيق بمثابة ضربة مباشرة لعصب الاقتصاد العالمي لا يمكن لواشنطن التغاضي عنها بعد أن حُسم الموقف الدولي لصالحها.
أزمة الثقة الشخصية: شعر ترمب بالخديعة السياسية وبأن الإيرانيين يمارسون الكذب والمماطلة فقط لشراء الوقت وتطوير برنامجهم النووي. هذا الأمر قاده إلى قناعة قطعية بأن الاتفاق قد انتهى وأن أي تفاوض مستقبلي معهم هو مضيعة للوقت لأنهم لن يلتزموا به.
الضغط الإسرائيلي المباشر: استغل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذا الغضب الأمريكي المدعوم دولياً ليعزز سرديته القديمة. وخلال مناقشاته الأخيرة مع ترمب، أوصل رسالة واضحة مفادها: «لقد قلنا لكم إنه لا يمكن الوثوق بهم». وتدفع إسرائيل الآن بكل ثقلها مستغلة التدهور الحالي لإنهاء ملف مخزون اليورانيوم المخصب.
الصورة بعد سقوط التفاهم تبدو واضحة: ترمب يرفض الحروب الكبرى ويبحث عن مخرج ليرفع أسعار النفط، وإذا تُرجم هذا الانسداد عسكرياً، فلن نرى جولة غارات تقليدية، بل عمليات خاطفة قد تستهدف عمق الشريان النفطي الإيراني، كجزيرة «خارك»، لفرض الاستسلام بالقوة. خطورة هذا السيناريو أنه لن يقف عند حدود معينة، فانفجار جبهة هرمز يعني تلقائياً تفعيل «وحدة الساحات»، ليتحول لبنان فوراً إلى منصة الرد الأولى، في توقيت يبحث فيه نتنياهو عن أي ذريعة لخلط الأوراق وتوسيع رقعة النار.