في ظل تصاعد «حروب السرديات» الإقليمية والدولية وتحديداً مع تداخل خيوط الصراع المعقد بين أمريكا وإسرائيل وإيران، برز دور وزارة الإعلام السعودية كركيزة صلبة لحماية الوعي الوطني، ولم تكن الرسالة الإعلامية مجرد تغطية إخبارية بل صمام أمان منح المجتمع الطمأنينة والاستقرار وسط فيض المعلومات المضللة.
لقد تغيّر الإنسان المعاصر أكثر مما تغيّر الإعلام. فالإنسان المعاصر يعيش وسط فيض هائل من الرسائل والمعلومات والبيانات، ولم يعد يملك الوقت ليفحص كل معلومة. ولذلك أصبح يعتمد على الاختصارات الذهنية، وعلى الأشخاص الموثوقين الذين يشرحون ويقرّبون له المعنى، وعلى القصص التي تقرّب المعنى وتمنحه تفسيراً سريعاً للعالم. وهنا دور السردية ومكمن قوتها.
كثيراً ما تنتصر السردية أو الرواية في تقديم الحقيقة من زاويتها لأنها أكثر قدرة على مخاطبة الإنسان من موقعه وكما هو، لا كما يفترضه أو يخطط له الخبراء. فهي تخاطب المشاعر قبل الأرقام، والهوية قبل المنطق، والانتماء قبل التحليل، والرمز قبل الوثيقة، فالحقيقة لا تتحدث دائماً عن نفسها، ولا تدافع عن معناها، ولا تنتشر تلقائياً. إنما تحتاج الحقيقة إلى من يرويها، ويشرح دلالاتها، ويقدّمها بلغة يفهمها الناس ويثقون به. فعندما تغيب هذه المهمة، تتقدّم السردية أو السرديات المنافسة لتملأ الفراغ، سواء كانت صادقة أو مضللة.
لقد تحوّل العالم من عصر «حروب المعلومات» إلى عصر يمكن تسميته بـ«حروب السرديات». ففي الماضي كان السؤال: من يمتلك المعلومة؟ أما اليوم فأصبح السؤال: من يمتلك القصة والرواية التي تمنح تلك المعلومة معناها والدلالة؟ وأزمة مضيق هرمز أوضح صورة لهذا الموضوع.
لكن السردية ليست مجرد رواية خيالية للأحداث، بل هي الإطار الذي يحدد كيف يفهم الناس تلك الأحداث، ومن هو الضحية، ومن هو البطل، وما الذي يجب أن يصدّق، وما الذي ينبغي أن يرفض. من هنا فالسردية قادرة على إعادة ترتيب الحقائق داخل عقل المتلقي، دون المساس بالحقيقة.
أبلغ الأخطاء التي تقع فيها بعض المؤسسات هو الاعتقاد بأن نشر البيانات الرسمية أو عقد المؤتمرات الصحفية يكفي لكسب الرأي العام وكفيل بإيضاح الصورة. لكن البيان الصحفي ليس سردية، والإحصائية والأرقام ليست قصة، والمؤتمر الصحفي ليس بالضرورة عملاً مقنعاً.
ولعل أخطر وأصعب المعطيات الرقمية أن خوارزميات المنصات الرقمية لا تكافئ الحقيقة، بل تكافئ التفاعل بأعداد المتابعين. فهي تمنح الانتشار لما يثير الانتباه، ويستفز المشاعر، ويحفّز المشاركة، بصرف النظر عن مستوى دقته ومصداقيته. وبهذا تصبح الحقيقة، إن قُدّمت بطريقة جامدة، أقل قدرة على الوصول من رواية مثيرة، حتى لو كانت مشوّهة أو مجتزأة.
وهنا تبدأ حروب السرديات، وهي صراع على تفسير الواقع أكثر من كونها صراعاً على الواقع نفسه. فالأطراف المختلفة لا تتنافس فقط على نقل ما حدث، بل على تحديد ماذا يعني ما حدث، وكيف يجب أن يتذكره الناس، وما القرارات التي ينبغي أن يبنوا عليها مواقفهم.
ولهذا أصبحت السردية أصلاً من الأصول الإستراتيجية التي لا تقل أهمية عن الأصول الاقتصاد أو التقنية أو القوة العسكرية. فالدولة التي تفقد القدرة على تفسير أفعالها للداخل والخارج، قد تجد أن الآخرين يتولون كتابة قصتها نيابة عنها. ومن يكتب القصة، يمتلك في كثير من الأحيان القدرة على تشكيل الانطباعات، وتوجيه الرأي العام، وصناعة الشرعية أو نزعها.
لكن يجب التمييز بوضوح بين بناء السردية وصناعة الوهم. فالسردية المهنية لا تعني تجميل الواقع أو إخفاء الحقائق أو التلاعب بالجمهور، وإنما تعني تنظيم الحقائق داخل إطار واضح ومفهوم ومقنع، يحفظ الدقة ويُحسن التواصل. أما الدعاية، فتعتمد على الانتقائية والتضليل والتشويه، حتى وإن نجحت مؤقتاً.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى سردية؟ بل لماذا لا نبني السردية في أوقات الاستقرار، ثم ما هي السردية الصلبة التي يمكن البناء عليها، ولماذا لا يستثمر في القدرات البشرية الخبيرة والضالعة في بناء تلك السرديات؟
إن المؤسسات الناجحة لم تعد تكتفي بإدارة الإعلام، بل أصبحت تعرف كيف يفكر جمهورها، وما الذي يقلق هذا الجمهور، وما اللغة التي يتفاعل معها، ثم تبني رسائلها بما يحافظ على الحقيقة ويجعلها قابلة للفهم والتبني من موقع هذا الجمهور.
كما أن السردية الناجحة لا تُصنع وقت الأزمات فقط، بل تُبنى في أوقات الاستقرار. فالثقة التي تُراكمها الدول أو المؤسسات خلال سنوات، تصبح رأس مالها الحقيقي عندما تواجه أزمة أو شائعة أو حملة تضليل. أما من يتذكر التواصل فقط عند وقوع الأزمة، فإنه يبدأ من نقطة الصفر بينما تكون السرديات المنافسة قد قطعت شوطاً بعيداً.
ولعل المرحلة المقبلة ستشهد انتقال المنافسة بين الدول من سباق الموارد إلى سباق القدرة على تفسير الذات. فالقوة لن تُقاس بما تملكه الدول من إمكانات فحسب، بل أيضاً بقدرتها على تحويل إنجازاتها إلى قصة يفهمها مواطنوها، ويقتنع بها العالم. وهذا كله ضمن أربعة عناصر متلازمة: حقيقة راسخة، وسردية ذكية، وتوقيت مناسب، وثقة متراكمة. ولا ننسى أبداً أن حماية الحقيقة لا تبدأ بجمع الأدلة فقط، بل تبدأ أيضاً بإتقان فن روايتها.
أخيراً، ليس من التهويل القول بأن السردية الوطنية تعد جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني والذي يتطلب إعادة تعريف دور ومنطلقات وزارة الإعلام وإدارات الإعلام من خلال إيجاد بنك للسرديات الوطنية وقاعدة معرفية تحتوي على القصص الوطنية والإنجازات والشخصيات والرموز والأزمات السابقة والدروس المستفادة. كما يتطلب رصداً لحروب السرديات وقد يدخل فيها رصد الشائعات والحملات المنظمة والاتجاهات الرقمية والتحوّلات في الرأي العام والسرديات الخارجية في المنصات الاجتماعية ومحركات البحث وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والموسوعات الرقمية والمحتويات متعددة اللغات.