تساءلت عبر مجموعة من الأسئلة انهالت فوق رأسي مباشرة عقب إعلان رئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم المستقيل، الأستاذ ياسر المسحل، استقالته في وقت متأخر من الليل؛ الساعة الثانية وأربعون دقيقة من صباح يوم الاثنين الماضي. لماذا اختار هذا التوقيت المتأخر، وأغلبية الناس إما في سبات النوم أو مشغولون بمتابعة مباريات بطولة كأس العالم؟ ولماذا اختار منصة «إكس» مكاناً يراه «مناسباً» للإعلان عن تلك الاستقالة؟ وما الذي جعله يتأخر من يوم السبت عقب خروج منتخبنا من المونديال، ويستغرق كل هذا الوقت من التفكير لاتخاذ قرار طال انتظاره؟
-كل هذه الأسئلة تساقطت فوق دماغي دفعة واحدة بحثًا عن إجابات لها، وأحسب أن الرئيس المستقيل، والناس نيام، خير من يجيب عنها. على أنني لا أملك إجابة مؤكدة، لكنها مجرد قراءة لتوقيت القرار ومكان الإعلان عنه لعلي أجد تفسيراً مسبباً لوداعية الساعة الثانية صباحاً.
-غصت في عالم «الاحتمالات»، وهو علم يُدرس، حيث راودتني فرضية حالة فقدان الصبر التي أصابت أبو سليمان، عقب ردود الأفعال القاسية جداً بعد الخروج المؤلم للأخضر، سواءً في وسائل التواصل الاجتماعي أو في بعض البرامج الرياضية، والتي كان مجملها يطالبه بالاستقالة. فلم يستطع «تحملها» أكثر، فنفد صبره، ومن شدة تأثيرها عليه قدّم استقالته عبر منصة «إكس» مباشرة، بما يعطي انطباعاً أنه لم يقم بإشعار أعضاء مجلس إدارته أو يستشر أحداً من المقربين إليه، أو حتى أهم شخصية رياضية وقفت معه ودعمته وساندته؛ سمو وزير الرياضة الأمير عبدالعزيز بن تركي..
-توقفت عند مسألة عدم إشعار وزير الرياضة أو استشارته ولعلني أجد له عذراً مقنعاً، فطاف بي الزميل بتال القوس في أجواء سؤال طرحه بقناة العربية على ضيوفه حول مسؤولية وزير الرياضة وتحمله فشل هذا الاتحاد ورئيسه. فقلت محدثًا نفسي: ربما شعر المسحل «بتأنيب ضمير» تجاه الموقف الذي وضع فيه الوزير، والاتهام الذي هو بريء منه، ولم يعد هناك مجال خوفاً لو طلب موافقته أن يمنعه من تقديم استقالته، أو أن يطلب منه «التريث» لعدة أيام حتى يكون القرار بعد دراسة ومناقشة معه ومع أعضاء مجلس الاتحاد، فما كان منه إلا تلك الاستقالة «الإكسية» التويترية، إن صح التعبير.
-كما وضعت من بين الاحتمالات علمه المسبق بردة فعل الشارع الرياضي لو قدمها في وقت مبكر من مساء يوم الأحد، وحجم حالات "السخط" التي ستأتي معقبة على استقالته. فلم يكن أمامه خيار أفضل من أن يعلنها والناس نيام، ثم ينام هو قرير العين، وبالتالي يرتاح من منصب سبب له قلقاً وأتعب أعصابه، وأثر على سمعته، ويفرح كثيراً من طالبوه بالاستقالة، ويتخلص من لقب "الفشل" المزعج الذي بات يطارده.
-أما الاحتمال الأخير الذي ورد في ذهني لهذا التأخير، فهو استفادة المسحل من عدة أخطاء وقع فيها؛ من بينها ترشيح نفسه لفترة انتخابية ثانية، رغم أن كل المؤشرات كانت تشير إلى أن التوفيق لن يكون حليفه. وكذلك إصراره و"تعنته" على البقاء والاستمرار عقب فشل المدرب الإيطالي مانشيني في مهمته مع المنتخب، وهو يتحمل مسؤولية خطأ اختياره لتدريب الأخضر. وزاد عناداً وإصراراً على موقعه بعد إعادة المدرب رينارد، وهو القرار الذي كان بمثابة إعلان إفلاسه، وبالتالي تلك كانت القشة التي قصمت ظهر البعير.
ناهيك عن أنه وضع الإعلام الرياضي في رأسه، وهو من كان الداعم الأول له، ليصبح لاحقاً خصمه اللدود.
-كل هذه "المعطيات"، على قول زميلنا محمد الشيخ، دارت في رأسه صباح يوم الاثنين، فقرر على ضوئها الرحيل. وربما سمع صوت الفنان الراحل يردد ويزن زناً مزعجاً في أذنيه "وطريقك مسدود.. مسدود.. مسدود يا ولدي".
-حينها لم يبق أمامه إلا قرار لم يعد هناك مجال لتأخيره أكثر، سوف يسعد كل السعوديين إن أقدم عليه..أما السؤال الأهم فإن الإجابة ستكتبها الأيام، لا الساعة ولا الثانية.