يبرز سؤال مهم في المملكة العربية السعودية: هل آن الأوان للانتقال من مرحلة بناء الاقتصاد إلى مرحلة بناء إستراتيجية استثمارية وطنية متخصصة تمتد للعقد المقبل؟ حققت رؤية السعودية 2030 إنجازات استثنائية خلال السنوات العشر الماضية. فقد تغيّرت البيئة الاستثمارية بصورة جذرية، تطورت الأنظمة، ارتفعت مساهمة القطاع الخاص وأصبحت المملكة وجهة رئيسية للاستثمار في المنطقة. كما لعب صندوق الاستثمارات العامة دوراً محورياً في خلق أسواق جديدة، فيما فتحت المشاريع العملاقة آفاقاً غير مسبوقة أمام المستثمرين المحليين والدوليين. لكن نجاح المرحلة الأولى يفرض سؤالاً مختلفاً: كيف نضاعف تدفقات الاستثمار خلال العقد القادم بطريقة تحقق نمواً متوازناً بين جميع مناطق المملكة؟ قد تكون الإجابة في إطلاق رؤية استثمارية وطنية تتبناها الدولة وتشرف عليها وزارة الاستثمار، بحيث تصبح المرجع الموحد لكل ما يتعلق بجذب الاستثمار المحلي والأجنبي، مع أهداف كمية واضحة لكل قطاع ولكل منطقة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس حتى عام 2040. المملكة تمتلك ميزات نسبية متنوعة لا تقتصر على المدن الكبرى. فلكل منطقة مواردها الطبيعية، موقعها الجغرافي، قاعدتها البشرية وفرصها الاقتصادية. ومن هنا، فإن منح كل منطقة مجلساً استثمارياً بصلاحيات تحفيزية تتناسب مع طبيعتها الاقتصادية قد يكون خطوة نوعية نحو توزيع أكثر عدالة للاستثمارات. ولا يعني ذلك توحيد السياسات، بل تصميمها بما يتلاءم مع احتياجات كل منطقة. فقد تحتاج منطقة إلى حوافز ضريبية، بينما تستفيد أخرى من تسهيلات تمويلية أو بنية تحتية متخصصة أو إجراءات تنظيمية أكثر مرونة. ويجب أن ترتبط هذه الحوافز بمؤشرات واضحة، مثل معدلات البطالة، وعدد السكان، والميزة التنافسية، ومستوى مساهمة القطاع الخاص. مثل هذا النهج سيحقق هدفين في الوقت نفسه: رفع تنافسية المملكة عالمياً، وتحقيق تنمية أكثر توازناً داخلياً. فعندما تتقارب فرص العمل والاستثمار بين المناطق، ستتراجع الحاجة إلى الهجرة الداخلية نحو المدن الكبرى، وستنشأ مراكز نمو اقتصادية متعددة تدعم استدامة الاقتصاد الوطني. كما أن المستثمر العالمي لم يعد يبحث فقط عن الحوافز المالية، بل عن وضوح الرؤية واستقرار السياسات وقابلية التنبؤ. وعندما تكون للمملكة خريطة استثمارية تمتد حتى عام 2040، تتضمن أولويات قطاعية، وأهدافاً رقمية، وأدواراً واضحة للقطاعين العام والخاص، فإنها ترسل رسالة قوية للأسواق العالمية وقبلها المحلية بأن بيئة الأعمال فيها لا تُدار بردود الأفعال، بل وفق إستراتيجية طويلة الأمد. لقد أثبتت رؤية 2030، أن المملكة قادرة على تنفيذ التحولات الكبرى. أما المرحلة القادمة، فقد تكون فرصة للانتقال من نجاح الإصلاح الاقتصادي إلى قيادة إقليمية في التخطيط الاستثماري طويل الأجل. وإذا كانت رؤية 2030 قد أسست لاقتصاد أكثر تنوعاً، فإن رؤية استثمارية وطنية حتى عام 2040 يمكن أن تجعل المملكة واحدة من أكثر الوجهات الاستثمارية تنافسية واستقراراً في العالم.