كان لي صديق سوداني من الصحفيين القدامى، يحدثني دائماً أن سخريته في المقالات ليس كتابة ساخرة، بل سلوك مهنة تتطلب شجاعة الجرّاح ودقته.
فالساخر الحقيقي برأيه أكثر الناس جدّية لا يطلق النكات، وإنما يضع إصبعه على موضع الألم، ثم يغلّفه بابتسامة حتى يستطيع المتلقي ابتلاعه.
لهذا كانت زاويته اليومية «تحت القبعة» واحدة من أكثر الزوايا حضوراً وإثارة.
لم تكن تستهدف أشخاصاً بقدر ما كانت تلاحق السلوكيات التي تستفزه: البيروقراطية، تسلّط زوجته، حظه العاثر، الغرور، عنجهية المشاهير، والخوف المزمن الذي يصيب بعض المسؤولين من الموظف المتميّز.
كان يكتب عن الظاهرة والموقف، لكن كان يعاني من الذين حوله ويظنون أنهم المقصودون.
وهنا تكمن المفارقة في المقال الساخر؛ أنه كلما كان عاماً، فضح الخاص. وكلما ابتعد عن الأسماء، اقترب من الوجوه.
ذات يوم كتب عن المدير الذي يقلقه نجاح مرؤوسيه أكثر مما تقلقه أخطاؤهم.
لم يسمِّ أو يقصد أحداً بعينه، ولم يشر إلى مؤسسة أو قطاع، ولم يترك دليلاً يقود إلى شخص بعينه.
ومع ذلك، شعر مديره المباشر آنذاك أن المقال كُتب عنه!
لم يناقش الفكرة، ولم يفندها، ولم يكتب رداً، بل مارس سلطته بالطريقة الأسهل، أوقف عموده الذي كان اسمه «تحت القبعة»، وكان القرار في ظاهره جزءاً من التطوير التحريري، أما في باطنه فلم يكن سوى خصومة شخصية اشتعلت بسبب سوء ظن.
وهنا يظهر الفارق بين من يكتب ليملأ مساحة، ومن يكتب لأنه يؤمن أن المقال موقف.
لم يقبل الزميل أن يُدفن مقاله تحت قرار إداري، دافع عن زاويته، وجادل، وناقش، وتمسّك بحق النص في أن يُقرأ لا بحق الكاتب في أن ينتصر.
وصل الأمر إلى رئيس التحرير حينها، الذي أدرك أن الأزمة لم تكن في المقال، بل في طريقة قراءته، فأعاد «تحت القبعة» إلى مكانها، إنصافاً للكاتب وإعجاباً بحرفيته الساخرة، مع شرط واحد: ألا يهمز ولا يلمز.
لكن إدمان صديقي الكاتب الساخر لنمط السخرية في كتاباته لم يمنعه عنها، ولذلك عاد في أول عدد بعد الإيقاف بعنوان يُدرّس في فن الرد «من خلع قبعتي؟».
لم يكن العنوان احتجاجاً، ولم يكن انتقاماً، بل كان ابتسامة ساخرة تقول كل شيء دون أن تقول شيئاً.
كشف الواقعة، وحفظ كرامة المهنة، وترك للقارئ أن يملأ الفراغات بنفسه.
هذه هي الحذاقة المهنية التي نفتقدها اليوم، وجمال الأسلوب الناقد، وفن كتابة المقال الساخر، بعدما شاعت في منصات التواصل منشورات الشتم والحدّة، وأفقد الحضور الرقمي رصانة الكثيرين وفضح مستوى آخرين..
ولعل أخطر ما يواجه المقال الساخر اليوم ليست سذاجة وفوضى منصات التواصل، بل القارئ الذي يقرأ بعقده الشخصية.
فمن يخاف من الحقيقة يرى نفسه في كل مرآة، ومن يرتاب من النقد يظن أن كل استعارة سهم موجه إلى صدره.
لهذا بقيت «تحت القبعة» درساً يتجاوز اسم زاوية صحفية إلى درس في أن المقال الجيد قد يُوقف، لكنه لا يُهزم، وأن الكلمة التي تُدافع عن نفسها بالحجة تعود دائماً، وربما تعود أكثر لمعاناً حتى لو كان عنوانها: «من خلع قبعتي».