تجري المفاوضات الأمريكية–الإيرانية اليوم فوق أرضٍ رخوة لا تكاد تحتمل خطى المتفاوضين، إذ يقوم المشهد برمّته على انعدام ثقةٍ متجذّر بين طرفين يتبادلان الرسائل بقدر ما يتبادلان الشكوك، حتى لتبدو كل جولةٍ أقرب إلى اختبار قدرة الخصم على التحمّل منها إلى محاولة جسر الهوّة، فيما يأتي التصعيد الأخير في لبنان والتوتر المتصاعد حول مضيق هرمز ليضعا أمام أي اختراقٍ محتمل عقباتٍ لا تُتجاوز بالنوايا وحدها، فطهران لا تقصد الطاولة بحثاً عن تسويةٍ سريعة، بل تستحضر عقيدتها التفاوضية المعهودة القائمة على «النفس الطويل» وعلى إغراق خصمها في تفاصيل فنيةٍ لا تنتهي، حتى تنكشف المهلة المحدّدة بستين يوماً عن إطارٍ زمنيٍّ أضيق من أن يتّسع لمنطق الاستنزاف الذي تتقنه؛ لأن الزمن في الحسابات الإيرانية ليس عدوّاً يُخشى، بل ورقةٌ تُدار بصبرٍ بارد، وفق رؤيةٍ ترى في الاتفاق مساراً يُدار لا غايةً يُسارَع إليها. وفي قلب هذه المعادلة يبرز مضيق هرمز بوصفه أمضى أدوات الضغط التي لن تفرّط بها إيران ما دام الاتفاق الدائم غائباً، رغم إدراكها أن التلويح بإغلاقه يقذف بها إلى مواجهةٍ مفتوحة مع المجتمع الدولي ومع دول الإقليم التي تتقاسم معها هذا الممر الحيوي، وهي مواجهةٌ قد تدفع على المدى الأبعد نحو ابتكار مساراتٍ بديلة لتصدير الطاقة عبر أنابيب وموانئ تلتفّ على المضيق وتقلّص تدريجياً من قيمته بوصفه رهينةً بيد طهران. ولا ينفصل الملف اللبناني عن هذا الاشتباك بل يشكّل واحدةً من أعقد عقده، إذ تجد إيران في ربط جبهتها بالجبهة اللبنانية مكسباً استراتيجياً يمنحها عمقاً تفاوضياً وأوراق مساومةٍ إضافية، بينما تستنفد إسرائيل وسعها للفصل بين الساحتين كي تحرم طهران من هذا الامتداد، ويبقى وجود القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان معضلةً حقيقية تثقل المسار وتتحوّل إلى عقدةٍ يصعب حلّها دون أن ترتدّ تداعياتها على المشهد الإقليمي بأسره، حتى صار الجنوب اللبناني مقياساً تُقاس عليه جدّية أي تهدئةٍ موعودة. وفي خضمّ ذلك يستوقف الدورُ الذي يضطلع به نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس الأنظارَ؛ لأنه يتجاوز حدود ما درج عليه نوّاب الرؤساء من قبله، فالجانب الإيراني يقرأه شخصيةً أكثر عقلانيةً ومرونة يمكن التعاطي معها بعيداً عن نهج المفاوضين المقرّبين من إسرائيل الذي طبع المراحل السابقة، غير أن هذا الدور لا يُفهم في سياقه الخارجي وحده بل يتنزّل ضمن ترتيباتٍ داخلية للحزب الجمهوري تستشرف المستقبل وتعيد توزيع مراكز الثقل تحضيراً لما هو آتٍ، وهو ما تتلقّفه طهران بوصفه نافذةً قد تتّسع إن نضجت الظروف، أو تُغلق سريعاً إن تبدّلت موازين الداخل الأمريكي. ويبقى التوتر الأعمق كامناً في الاصطدام بين عقيدتين متنافرتين: عقيدةٍ أمنيةٍ إسرائيلية ترى في إدامة حالة الحرب شرطاً لبقائها وضماناً لردعها، ورغبة أمريكية متنامية في «تبريد» الجبهات لاعتباراتٍ اقتصاديةٍ وسياسية تتصدّرها استحقاقات الانتخابات النصفية التي تُلزم واشنطن بخفض كلفة انخراطها في صراعات المنطقة؛ وبين هذا الإصرار الإسرائيلي على إبقاء الميدان مشتعلاً وذلك السعي الأمريكي إلى احتواء النيران، تتقدّم المفاوضات متعثّرةً محمّلةً بأكثر مما تطيق، عاجزةً عن أن تَعِد بأكثر من هدنةٍ هشّة قابلةٍ للانهيار عند أول اختبارٍ جدّي. وهكذا تبقى التسوية المنشودة أسيرةَ توازنٍ دقيقٍ بين إرادتين لا تلتقيان إلا عند حافة الكلفة، فيما يظل الإقليم برمّته رهينةَ نتيجةٍ لم تتبلور بعد.