قبل أكثر من أربعة عقود، لم يكن المفكر ألفين توفلر يتحدث عن الذكاء الاصطناعي، ولا عن الاقتصاد الرقمي، ولا عن المنصات العالمية التي تعيد تشكيل عالمنا اليوم، لكنه كان منشغلاً بسؤال أكثر عمقاً: ماذا يحدث للمجتمعات عندما تتسارع وتيرة التغيير إلى درجة تتجاوز قدرة الإنسان على التكيف معها؟ وفي الفترة نفسها تقريباً، كان عدد من المفكرين في العالم يرون أن المعرفة ستصبح المورد الاقتصادي الأهم في القرن الحادي والعشرين وأننا نغرق في المعلومات بينما نعطش إلى المعرفة.
بعد عقود من تلك الرؤى، يبدو أن العالم لم يعد يقف عند سؤال المعلومات، ولا حتى عند سؤال المعرفة، بل وصل إلى سؤال أكثر عمقاً: ما الإنسان الذي تحتاجه الدول لمستقبلها؟
هذا السؤال لم يعد سؤالاً تعليمياً فقط، ولا ترفاً فلسفياً، بل أصبح سؤالاً إستراتيجياً تتعامل معه الدول بوصفه جزءاً من أمنها الاقتصادي، وقدرتها التنافسية، واستدامة نموها، وصلابة مجتمعها في مواجهة التحولات الكبرى.
ولأجل هذا لم يعد النقاش العالمي حول التعليم، فمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية
(OECD) على سبيل المثال، في مشروعها تعليم 2030، لم تبدأ بالمقررات، بل بما أسمته «الكفاءات التحويلية»، أي القدرات التي تمكّن الإنسان من صناعة قيمة جديدة، والتعامل مع التعقيدات المهنية، وتحمل المسؤولية تجاه نفسه ومجتمعه ومستقبله.
واللافت أن كثيراً من المؤسسات، على اختلاف توجهاتها، انطلقت من سؤال واحد: من هو الإنسان الذي يحتاجه المستقبل؟
وفي تقديري، فإن هذا السؤال يستحق أن يُطرح لدينا بالوضوح نفسه، وربما بإلحاح أكبر.
فخلال السنوات العشر الماضية، نجحت المملكة في تحقيق واحدة من أكبر عمليات التحول الوطني في تاريخها الحديث. لقد حددت بوضوح الاقتصاد الذي تريده، والقطاعات التي تراهن عليها، والمدن التي تبنيها، والمشاريع الكبرى التي تستثمر فيها، والمستهدفات الوطنية التي تقيس بها تقدمها، بل إن كثيراً مما كان يبدو طموحاً عند إطلاق رؤية المملكة 2030 أصبح اليوم واقعاً ملموساً في السياسات، والبرامج، والمشاريع، والمؤشرات.
لكن وسط هذا الوضوح الإستراتيجي يبرز سؤال مختلف:
هل حددنا بالوضوح نفسه سمات الشخصية السعودية التي نريدها في عام 2040؟
وأنا هنا لا أقصد السمات العامة التي اعتدنا الحديث عنها، على الرغم من أهميتها، بل أقصد نموذج الإنسان القادر على قيادة مرحلة وطنية قادمة أكثر تعقيداً، وإدارة مؤسسات أكثر تنافسية، والتعامل مع عالم تتغير قواعده بسرعة غير مسبوقة.
نحن لا نتحدث عن خريج يجتاز اختباراً، بل عن إنسان يحمل تحولاً وطنياً، لا نتحدث عن مهارة منعزلة، بل عن شخصية قادرة على العمل والإنتاج والمبادرة والتعلم المستمر، لا نتحدث عن تعليم يؤدي إلى وظيفة فقط، بل عن تعليم يكوّن إنساناً قادراً على صناعة قيمة في عالم لا يكافئ من ينتظر، بل من يبادر.
من هنا، أعتقد أننا أمام فجوة فكرية تستحق التوقف، لقد انشغل التعليم بأسئلة كثيرة: ماذا نُعلّم؟ كم سنة يدرس الطالب؟ ما المناهج المناسبة؟ كيف نرفع نتائج الاختبارات؟
كيف نحسن ترتيب الجامعات؟ كيف نطور هياكلنا الإدارية والتنظيمية؟ هذه أسئلة مهمة، لكنها ليست السؤال الأول. فالسؤال الذي يسبقها جميعاً هو: ما الإنسان الذي نريد أن نبنيه؟
لا يمكن لأي نظام تعليمي أن يكون ناجحاً إذا لم يعرف مسبقاً صورة الإنسان الذي يسعى إلى بنائه. ولا يمكن لأي جامعة أن تؤدي دورها الكامل إذا لم تكن تعرف نوع الخريج الذي يحتاجه مستقبل الدولة. ولهذا فإن جزءاً من الحوار التعليمي الذي شهدناه خلال العقود الماضية لم يكن ناتجاً عن اختلاف حول الوسائل فقط، بل عن غياب الاتفاق العميق حول الغاية. لقد اختلفنا حول المناهج لأننا لم نتفق بما يكفي على الإنسان الذي نريد، واختلفنا حول المهارات لأننا لم نحسم الشخصية التي نريد بناءها، واختلفنا حول أولويات التعليم لأننا لم نحدد بعد أولويات الإنسان الذي نريد أن يصل إلى منتصف هذا القرن.
من هنا، فإن إصلاح التعليم لا يبدأ من الكتاب المدرسي، ولا من الخطة الدراسية، ولا من الاختبار، ولا من خطة إستراتيجية طموحة، بل يبدأ من تعريف الإنسان المستهدف أولاً.
ما الشخصية السعودية التي تحتاجها المملكة في عام 2040؟ هل نريد شخصية قادرة على المبادرة أم على الامتثال؟ هل نريد شخصية قادرة على التعامل مع عدم اليقين أم تنتظر التعليمات؟ هل نريد شخصية تستهلك المعرفة أم تنتجها؟ هل نريد شخصية تتكيف مع المستقبل أم تشارك في صناعته؟
هذه الأسئلة ليست بلاغية. إنها أسئلة سياسات عامة. لأنها تحدد المدرسة التي نحتاجها، والمعلم الذي نعدّه، والجامعة التي نبنيها، والمهارات التي نستثمر فيها، ونوع سوق العمل الذي نصممه، وحتى النماذج الاجتماعية التي نحتفي بها.
وفي تقديري، فإن الشخصية السعودية في 2040 ينبغي أن تقوم على خمسة ملامح رئيسية.
أولاً، شخصية مبادرة وقدرتها على التنفيذ عالية، فالاقتصاد الحالي وبشكل أكبر المستقبلي يكافئ الإنسان الذي يرى المشكلة قبل أن تتحول إلى أزمة، ويقترح الحل قبل أن يُطلب منه ويبدأ التنفيذ، ويملك شجاعة التنفيذ في بيئة غير مكتملة.
ثانياً، شخصية منتجة للمعرفة لا مستهلكة لها، لم يعد كافياً أن نستخدم التقنية أو نستورد الحلول، أو نتعاقد مع شركات استشارية عالمية. الدولة التي تريد موقعاً متقدماً في المستقبل تحتاج إلى إنسان يقرأ، ويحلل، ويبحث، ويبتكر، وينتج معرفة قابلة للتحول إلى قيمة.
ثالثاً، شخصية قادرة على التعامل مع الغموض، فالجيل القادم لن يعيش في عالم مستقر، بل سيتعامل مع وظائف تختفي، ومهن تظهر، وتقنيات تتغير. لذلك لن يكفي أن نعلّمه الإجابات الصحيحة، بل يجب أن نعلمه كيف يفكر عندما لا توجد إجابات واضحة.
رابعاً، شخصية تجمع بين الهوية والانفتاح، فالسعودي في 2040 سيكون أكثر اتصالاً بالعالم، وأكثر حضوراً في مؤسساته، وأسواقه، وجامعاته. وهذا يتطلب إنساناً واثقاً من هويته معتزاً بلغته، منفتحاً على العالم، قادراً على مخاطبته بلغته، والتنافس داخله، دون أن يفقد بوصلته الثقافية والقيمية.
خامساً، شخصية تتبنى التعلم والتجدد المستمر، فالمعرفة لم تعد ترافق الإنسان طوال حياته المهنية كما كان الحال في الماضي، بل أصبحت تتغير بوتيرة متسارعة. ولذلك فإن الشخصية السعودية في 2040 ينبغي أن تكون قادرة على التعلم المستمر، وتطوير مهاراتها، وإعادة بناء قدراتها المهنية والفكرية كلما تطلب المستقبل ذلك.
تمثل هذه السمات رؤيةً أولية تستند إلى قراءة للتجارب الوطنية والدولية وإلى خبرة مهنية في قضايا التعليم والتنمية، إلا أن أهميتها تستدعي أن تتحول إلى مشروع وطني تشاركي من خلال ورشة عمل كبرى تضم خبراء التعليم والتنمية والاقتصاد وسوق العمل والقطاعات المستقبلية؛ بهدف التوافق على السمات المستهدفة للشخصية السعودية في عام 2040.
وعقب اعتماد هذه السمات من صاحب القرار، ينبغي أن تصبح مرجعاً وطنياً حاكماً تستند إليها الإستراتيجيات والسياسات والبرامج في مختلف قطاعات الدولة.
إذا اتضحت هذه الملامح، فإن نقاش التعليم سيتغير جذرياً، وسيتحول التعليم من قطاع خدمي إلى مشروع وطني لتشكيل الإنسان. هذا المشروع لا يخص وزارة التعليم وحدها، فالشخصية السعودية في 2040 لن تصنعها المدرسة وحدها، بل سيصنعها نظام وطني كامل: الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والإعلام، وسوق العمل، والثقافة السائدة، والنماذج التي نحتفي بها.
وعندما تتضح صورة هذا الإنسان، ستصبح بقية الأسئلة أكثر سهولة وعمقاً في الوقت نفسه.
عندها سنعرف المدرسة التي نحتاجها، وسنعرف المعلم الذي نريده، وسنعرف الجامعة التي نطمح إليها، وسنعرف المهارات التي تستحق الأولوية، وسنعرف نوع السياسات التي ينبغي أن تدعم هذا التحول. إن التعليم، في جوهره، لا يبدأ من المنهج، ولا من الاختبار، ولا من المبنى المدرسي، بل يبدأ من الإجابة عن سؤال واحد:
من هو السعودي الذي نريد أن يصل إلى عام 2040؟