يتأطر نص «عيادة الأشقاء» للكاتب ظافر الجبيري، المنشور في ملحق صحيفة «عكاظ» الثقافي، بالرمزي بالغ الكثافة، ولغة أدبية مغرية وجاذبة. عدا أنه يبين حالة من الظلال السادية والظلمات المتشكلة في العالم اليوم، خدمه توظيف الألوان بشكل جيد لقوتين متقابلتين ومتنافستين، تنتميان إلى العنف، وكأن العنف صار مؤسسة عالمية.
الفكرة المطروحة في النص تُظهر براعة الكاتب وظافرته في تصوير عالم عبثي محكوم بالفوضى التي تُغلفها ظلال اللونين: البرتقالي والأزرق. اختيار هذين اللونين يحمل دلالات رمزية عميقة، حيث يُمثل كل لون عالماً أو قوة متناقضة، لكنها في الوقت ذاته متوافقة في إحداث الدمار. الربط بين الرمزية والأحداث يعكس فكراً ناضجاً وذكاءً أدبيّاً لافتاً.
في جوهر القصة، هناك انتقاد صارخ لطبيعة اللعبة القاتلة التي غالباً ما تنتهي إلى دائرة مغلقة من العنف والعنف المضاد، حيث لا يُميز بين الجاني والضحية، إذ يتحول الجميع إلى أدواتٍ في لعبة صنع الدمار وإعادة تشكيل «الأنطولوجيا» الإنسانية إلى صورة صراع دائم..
هنا، تتجلى عبثية العالم المعاصر: بُنى الدول الكبرى والقوانين العالمية المنظمة غالباً ما تساهم، بشكل أو بآخر، في استمرار النزاعات. الطبيب لم يكن مسالماً أو مبادراً للإصلاح، بل كان أداة أخرى في دائرة العنف. وقد لاحت فكرة العدمية: النظام العالمي لا يبحث عن العدالة أو الغاية أو حتى التبرير العقلاني، وإنما ينزلق نحو صراع هدام مستمر، حيث تتساوى «الجرائم» مع «الانتصارات».
النص رسالة وجودية تدعو القارئ إلى التفكير في طبيعة النظام العالمي، وكيف نُعيد إنتاج الصراعات. من خلال هذه الشخصيات الرمزية، فيسأل الكاتب:
- إلى أي مدى نحن، كجزء من النظام، مسؤولون عن استمرارية آلة العنف؟
- هل العنف الحتمي بين الأطراف الكبرى سيؤدي، في نهاية المطاف، إلى دمار يُصيب الجميع بلا استثناء؟
هناك إبداع في تقديم نص ذي أبعاد فلسفية وسياسية من خلال بناء مَشهد أدبي يتسم بالسخرية السوداء، وهو نوع من الأدب الذي نادراً ما نراه بهذه القوة والثراء. تمتاز فكرته بالجرأة، فهي تغوص في مناطق «اللا مفكر فيه»، مُخترقة أسوار الطرح التقليدي لتبرز الجوانب المظلمة للحضارة الإنسانية وللأنظمة التي تدعي التنظيم والرقي، بينما جذورها ممتدة في الفوضى والسادية.
ما يجعل النص جديراً بالاحتفاء هو أسلوب الصياغة الأدبية، حيث وظف الكاتب أسلوباً يوازن بين الرمزية الفنية والواقع السياسي القاتم بطريقة مُبهرة. من خلال الحوار الداخلي والخارجي للشخصيات، أظهر هذا الانقسام الساخر بين الخطاب الواقع تحت أقنعة الزيف، وحقيقة الجريمة العارية. إلى جانب تصوير الطبيب كمستمتع، والممرض كمتآمر بالصمت، يقدم تصويراً نفسياً دقيقاً للأدوار المتعددة التي يلعبها البشر في لعبة الصراع الكبرى.
يأتي الأسلوب بلمسة تجمع بين التهكم الحاد والدراما الرمزية، مما يجعل النص قريباً من أدب كُتّاب مثل جورج أورويل وفرانز كافكا، من حيث كشف تناقضات السلوك البشري وتحويل القوة إلى لعبة يائسة. في الوقت ذاته، تذكرنا اللغة المُكثفة بالبلاغة اللاذعة تأخذ القارئ إلى أعمق نقطة في الفهم دون أن يفقد جذور التسلية السوداء.
النص لا يُقدم إجابة، ولكنه يُجبر القارئ على مواجهة الحالة العبثية للعالم. فالنهاية المفتوحة، بانفجار القنبلة في وجه الجميع، تمثّل الدائرة المغلقة للعنف.
أما الفكرة بحد ذاتها عبقرية، ولكن التنفيذ جعلها عملاً فنيّاً بديعاً. شكراً لجمال هذا النص الذي بدا أشبه بصرخة ضد العدمية والعنف المؤسسي، ضد تحويل الكائن البشري إلى آلة للدمار.
فقد استطاع النص خلق عوالم متداخلة، موادها الأساسية هي الفوضى، الدم، والابتسامة التي تسخر من كل شيء!