أصدرت وزارة الرياضة قرارًا عن محاسبة أي شخص يمارس نشاطًا إعلاميًا رياضيًا من إثارة الكراهية والعنصرية والتعصب الرياضي، حيث لم يعد التعصب الرياضي مجرد انفعال عابر بعد مباراة أو رد فعل لحظي على قرار تحكيمي، بل تحوّل في بعض الأحيان إلى خطاب يومي يأكل ويشرب معنا في المنصات الإعلامية، وللأسف هذا الخطاب يجد من يضخّمه ويمنحه شرعية تحت ستار «الإثارة» أو «رفع نسب المشاهدة»، لذلك، فإن قرار منع أي شخص يمارس نشاطًا إعلاميًا رياضيًا من إثارة الكراهية والعنصرية والتعصب الرياضي، لا يمكن النظر إليه باعتباره تقييدًا للرأي، بل خطوة ضرورية لحماية الرياضة من التشوه الذي أصاب رسالتها الأساسية.
الرياضة في جوهرها مساحة للتنافس الشريف، وبناء الجسور بين الناس، وتعزيز قيم الانتماء والعمل الجماعي والاحترام المتبادل. لكنها تفقد كثيرًا من جمالها عندما تتحوّل بعض المنابر الإعلامية إلى ساحات لتصفية الحسابات وتأجيج المشاعر وإعادة إنتاج الانقسام بين الجماهير. وحين يصدر خطاب التعصب من شخص يمتلك منبرًا إعلاميًا وتأثيرًا واسعًا، فإن أثره يتجاوز حدود رأيه الشخصي؛ لأنه يسهم في تشكيل الوعي العام وتوجيه المزاج الجماهيري، خصوصًا عند الفئات الجماهيرية الأصغر سنًا.
ولعل الشواهد القريبة تؤكد أن أخطر ما يواجه الوسط الرياضي ليس الخسارة داخل الملعب، بل الخسارة الأخلاقية خارجه، فكثير من حالات الاحتقان بين الجماهير بدأت من عبارة مستفزة، أو من توصيف يحمل ازدراءً، أو من اتهام غير مسؤول أطلقه إعلامي أو صانع محتوى، ثم تحوّلت إلى موجات من الإساءة والتنمر والكراهية عبر المنصات الرقمية. وفي المقابل، أثبتت التجارب أن الخطاب المهني المتزن قادر على امتصاص التوتر، وتهدئة المشهد، وتقديم نموذج راقٍ للاختلاف.
الإعلام الرياضي ليس مهمته صناعة الخصومات، بل تفسير الأحداث، وتقديم النقد المهني، وطرح الأسئلة المشروعة، ومحاسبة الأداء بمعايير عادلة. هناك فارق كبير بين النقد والتجريح، وبين التحليل والتحريض، وبين الدفاع عن نادٍ تحبه والتحوّل إلى خصم لكل من يخالفك الانتماء. حرية الرأي لا تعني منح الضوء الأخضر لخطاب يزرع الكراهية ويغذي التعصب والعنصرية، بل تزداد قيمتها حين تقترن بالمسؤولية.
ومن المهم أيضًا أن ندرك أن هذا القرار لا يستهدف قتل «الشغف» الرياضي وتاريخه الجماهيري العريق أو صناعة إعلام باهت بلا روح، بل يسعى إلى إعادة ضبط البوصلة المهنية، فالإثارة الحقيقية تأتي من جودة الطرح وعمق التحليل والسبق المهني، لا من رفع سقف الإساءة أو المتاجرة بمشاعر الجماهير.
لقد حقّقت الرياضة السعودية خلال السنوات الأخيرة قفزات نوعية وحضورًا عالميًا لافتًا، وأصبحت جزءًا من صورة المملكة الحديثة وطموحاتها الكبيرة. ومن الطبيعي أن يواكب هذا الحضور إعلام رياضي أكثر نضجًا ومسؤولية، يعكس قيم المجتمع، ويعزّز التنافس الشريف، ويحترم التنوع في الانتماءات الرياضية دون أن يحولها إلى معارك مفتوحة.
فالانتصار الحقيقي لا يتحقّق فقط بحصد البطولات، بل أيضًا بالقدرة على تقديم نموذج حضاري في الاختلاف، وإثبات أن الشغف بالرياضة يمكن أن يجتمع مع الاحترام، وأن المنافسة مهما اشتدت لا ينبغي أن تفقد قيمتها الأخلاقية.
ختامًا.. للرياضة تاريخها الشعبي والثقافي العريق، وجماهيرها المتنوعة التي نجحت عبر السنوات في صناعة حياة اجتماعية وثقافية خاصة بها، ومختلفة عن غيرها من المجالات. لذلك، يبقى من الضروري ضبط الممارسات غير الأخلاقية حتى لا تفقد الرياضة قيمتها الحضارية، ولا يطغى التعصب على ما تحمله من معانٍ جميلة في التنافس والشغف والانتماء.