استوعبت المملكة جيداً محورية موقعها وأهميته إقليمياً ودولياً، وقبل ذلك استوعبت ضرورة ربط أجزائها المترامية بشبكة طرق حديثة، حدث ذلك منذ بداية الطفرة الأولى واستمر الاهتمام إلى أن أصبح لدينا أحدث شبكة طرق على مستوى العالم العربي والشرق الأوسط. هذه ليست مبالغة بل حقيقة، لا توجد قرية نائية في الصحراء أو فوق قمة جبل إلا وهناك طريق معبّد يصلها، وهذا ما جعل برامج التنمية تصل إلى كل مكان، وقد اكتشفنا أهمية هذه الشرايين الحيوية في الظروف الاستثنائية كما حدث خلال جائحة كورونا عندما تعطلت حركة الطيران لكن حركة النقل البري لم تتعطل. وأيضاً خلال ذروة الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية/ الإيرانية، عندما استطاعت شبكة الطرق لدينا إمداد دول الجوار الخليجية بكل احتياجاتها بعد تعطّل حركة الملاحة في الخليج العربي.

كما كشفت لنا الأزمة جاهزية المملكة لرفع كفاءة تشغيل موانئها على البحر الأحمر التي تم تجهيزها وتطويرها خلال العقود الماضية. هذه الموانئ أصبحت الشريان الرئيسي الذي يزود العالم بالنفط، ولولاها لشهدنا أزمة عالمية خانقة في إمدادات الطاقة، وبالتالي فنحن نتحدث عن رؤية استباقية مبكرة وحسابات ذكية للأزمات والظروف الطارئة.

الجانب الذي تأخرنا فيه هو السكك الحديدية، إذ لم يكن يوجد سوى خط واحد قديم يربط المنطقة الشرقية بالرياض، لكننا انتبهنا إلى هذا الجانب الحيوي وإن كان متأخراً، حيث بدأ ربط بعض المناطق الوسطى بالشمالية، وبدأ الاستعداد لتنفيذ خط بين الرياض وجدة كما سمعنا، لكننا نطمح أن يتم ربط جميع المناطق بشبكة متكاملة للقطارات السريعة، فذلك جانب مهم من جوانب الأمن الإستراتيجي.

وعندما نقول كل ما سبق فإنه يأتي على هامش الخبر الجميل الذي سمعناه قبل يومين عن توقيع مذكرة تفاهم سعودية تركية للربط السككي بين البلدين عبر خط يعبر سورية والأردن وصولاً الى المملكة ثم عمان. هنا نحن نتحدث عن مشروع إستراتيجي عالمي يجعل المملكة نقطة وصل بين شرق العالم وغربه وشماله وجنوبه، لا تتأثر كثيراً بتعطل الملاحة البحرية أو الجوية، وعند تنفيذ هذا المشروع سيكون أحد أهم خطوط الربط العالمية إن لم يكن أهمها.

لقد جاء التفكير في تنفيذ هذا الخط خلال الأزمة الراهنة، ليثبت أن المملكة قادرة على خلق الفرص الثمينة من رحِم الأزمات، وأن حيوية التفكير المستقبلي هي عنوان التخطيط الذي تنتهجه في رؤيتها. إنها حقاً ضربة معلّم.