- الدكتور محمد باجبير، مدير مستشفى الملك فهد بجدة، والذي كُرِّم مؤخراً من قبل العاملين بالمستشفى بممر شرفي بعد تقاعده، كان حديث مواقع التواصل الاجتماعي. وهذا التكريم لم يأتِ من فراغ، بل جاء نابعاً من محبة وتقدير وعطاء هذا الرجل الذي خدم وطنه بكل تفانٍ وإخلاص؛ ويبقى الأثر الطيب هو العنوان الرئيسي بعد الرحيل. ماذا وماذا وماذا أنجز؟ وكيف كانت أخلاقه وسلوكه وتعامله مع الجميع؟


- محبة الناس وتقديرهم لا تأتي من خلال المناصب والمال، بل تأتي مما عَمِل ومما قدّم للجميع. ففي نهاية المشوار تتكشف الأمور؛ لأن الجميع يبدي رأيه بصراحة، وتصطدم بواقع مختلف ومغاير عما قبل عندما كنت على كرسي الإدارة، وتنكشف كل الملامح عن مسيرتك خلال عملك. وهنا قد يندم المرء طوال العمر ويقول: «ليتني فعلت وأنجزت، وكنت متسامحاً مع الجميع وليس متسلطاً»، لأن الإدارة لا يجيدها إلا من يمتلك المهنية والاحترافية والأخلاق قبل ذلك، فهي عوامل تكاملية.


- أعود للرجل محمد باجبير؛ أنا لا أعرف الرجل ولم ألتقِ به، لكن شدّنا منظر الوداع المؤثر له كما شدّ الجميع. وفي طيات هذا المقطع الجميل كثير من المعاني السامية التي تؤكد عمق العلاقة بين المدير والموظفين والمراجعين، فالناس شهود الله في أرضه، ما أجمل وأنقى هذا الوفاء الذي خرج به هذا الرجل من الأبواب الأمامية وليس من الأبواب الخلفية!


- في المقابل، هناك مديرون غادروا كراسيهم بدون أي وداع وبدون كلمة شكر وتقدير؛ لأنهم لم يحسنوا إدارة التعامل مع موظفيهم. إن تطبيق الأنظمة مطلوب، ولكن كيف يتم تطبيقها؟ هنا يكمن الذكاء الإداري وكسب الموظفين وجعل بيئة العمل جاذبة. فهناك من يذهب لعمله مرغماً وينتظر نهاية ساعات الدوام بسبب مدير جائر، وهناك من يعمل خارج الدوام تقديراً لتعامل مدير راقٍ.


- فن الإدارة هو موهبة، وهناك مواصفات وكاريزما للقائد لا يجيدها كل شخص. والإنسان ليس كاملاً، ولكن هناك من يعمل ويُحسّن أداءه ويتجنب الأخطاء التي وقع فيها، وهناك من يستمر عليها وتنتهي علاقته مع زملائه بعد التقاعد بشكل نهائي لأنه لم يجد كيفية التعامل معهم.


- وهناك مديرون ناجحون بشكل كبير، مشكلتهم الوحيدة أنهم كانوا يبحثون عن نجاح العمل دون الاكتراث بظروف الموظفين الإنسانية، وهناك قادة ناجحون جمعوا بين فن القيادة وبين التعامل مع موظفيهم بشكل إنساني، وهذا من أرفع النجاحات، وفي المقابل، هناك مديرون فاشلون لم يحققوا النجاحات في العمل ولا تقدير الموظفين العاملين معهم، ويتوارون تماماً بعد التقاعد ويخرجون من الأبواب الخلفية.


- كما أن هناك مديرين تقاعدوا فرحب بهم المجتمع كثيراً، واندمجوا مع وضعهم الجديد بل وأصبحوا مستشارين، وكونوا علاقات ومجتمعاً جديداً، بل زادت علاقاتهم وارتباطهم بالآخرين بعد انتهاء الرسميات التي كانت حاجزاً في بعض الأوقات.


- كثير من المديرين لا يستعدون لليوم الأخير في منصبهم، ويتوقعون الاستمرارية، ونسوا أنه (لو دامت لغيرك ما دامت لك)، فيحاول أحدهم البحث عن التمديد خوفاً من نهاية صعبة لأنه يدرك أنه لم يحسن التعامل مع البيئة التي تحيط به. إن خدمة الناس هي المحرك الرئيسي للكثيرين، وإجماع الناس بالخير هو شهادة النجاح الحقيقية بعد سنوات من العطاء.


- محمد باجبير نموذج للمديرين الناجحين الذين تركوا خلفهم بصمة تستحق هذا التكريم. وفقك الله في حياتك الجميلة القادمة؛ مرحلة وانتهت وحصدت ثمارها، وتنتظرك حياة أجمل بعد التقاعد.


- ومضة:


العميد متقاعد الشاعر عبدالله بن محمد بن شريف الجبرتي يقول بعد التقاعد:


وقُلْتُ الحمدُ للهِ في سِرِّي وإعْلاني * والشُّكْرُ للهِ في أعْماقِ وِجْداني


قالوا تَقاعَدْتَ قُلْتُ الخَيْرُ وأهْلاً بِهِ * تَوَّهْ ابْتَدَأ في حَياتي عُمْري الثَّاني


وهذا حالُ مَنْ قَبْلي ومَنْ بَعْدي * واحِدْ مِنْ اثْنَيْنِ أمَّا جِئْتُ لَهُ أوْ جاني


والحمدُ للهِ ما قَصَّرْتُ في واجِبْ * أرْوحُ مِرْتاحْ لا مَجْنِي ولا جاني


ما زِلْتُ في خَيْرْ وعُيوني تُبَصِّرُني * وما زِلْتُ في خَيْرْ وأنا حافِظْ إيماني


رَقَيْتُ رُوسَ المَعاني مِنْ صِغَرِ سِنِّي * طَلَبْتُ رَبِّي مِنَ الخَيْرِ وأعْطاني