يشهد النظام الدولي اليوم لحظةً فارقةً لا تقلّ دلالةً عمّا أحدثه انهيار جدار برلين قبل أكثر من ثلاثة عقود، إذ تكتشف أوروبا فجأةً أنّها باتت وحيدةً في مواجهة أعبائها الأمنية بعدما اعتادت طوال عقودٍ أن تستظلّ بالمظلّة الأمريكية وتدفع ثمنها السياسي أكثر من ثمنها المالي؛ فالموقف الأمريكي من حلف الأطلسي تحوّل من ضمانةٍ راسخةٍ إلى مصدرِ قلقٍ دائم، بعدما لم يكتفِ الرئيس الأمريكي بانتقاد الحلفاء وتذمّره المتكرّر من تقاعسهم عن تحمّل أكلاف الدفاع، بل بدأ يلوّح بتخفيف الوجود العسكري في القارّة ويعيد النظر في فلسفة الالتزام التي قامت عليها المنظومة الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فوجدت العواصم الأوروبية نفسها أمام فراغٍ إستراتيجيٍّ مفاجئٍ دفعها إلى البحث عن بدائل ذاتيةٍ كانت إلى الأمس القريب من المحرّمات. وفي هذا السياق يأتي القرار الفرنسي بمدّ مظلّتها النووية لتشمل شركاء القارّة عبر ما سمّاه الرئيس ماكرون «الردع المتقدّم»، وهي عقيدةٌ أعلنها في مارس الماضي وتقضي بزيادة الترسانة النووية الفرنسية وبإمكان نشر قواتها الجوية الإستراتيجية مؤقتاً على أراضي الحلفاء، لتصبح النرويج تاسع دولةٍ تنضمّ إلى هذه المنظومة بعد بلجيكا والدنمارك وألمانيا واليونان وهولندا وبولندا والسويد والمملكة المتحدة، موقّعةً في باريس اتفاق دفاعٍ مع فرنسا. ولم يكن هذا التحرّك معزولاً، بل رافقته خطواتٌ عسكريةٌ متسارعةٌ أبرزها رفع الإنفاق الدفاعي في عددٍ من الدول، وفي مقدّمتها القرار الألماني التاريخي بفكّ القيود الدستورية على الإنفاق وضخّ موازناتٍ ضخمةٍ في التسلّح، وهو ما يعكس قناعةً راسخةً بأنّ روسيا ما تزال يُنظر إليها بوصفها الخصم الأوّل الذي يستوجب أخذ كلّ الاحتياطات الأمنية في مواجهته. وقد جاء الردّ الروسي حادّاً وسريعاً، إذ حذّرت السفارة الروسية في أوسلو من أنّ التعاون النروجي-الفرنسي في مجال الردع وتبادل المعلومات يمثّل تهديداً مباشراً للأمن القومي الروسي ولن يبقى دون ردٍّ عسكريٍّ تقنيٍّ مناسب، خصوصاً مع نيّة النرويج نشر منظوماتٍ صاروخيةٍ في شمالها تطال شبه جزيرة كولا. غير أنّ المفارقة التي تختزل جوهر هذه المرحلة تكمن في أنّ المظلّة النووية لا تنقل الحماية وحدها، بل تنقل الخطر أيضاً؛ فالنرويج التي أكّدت أنّها لن تسمح بتمركز أسلحةٍ نوويةٍ على أراضيها في زمن السلم تبقى في منطقةٍ رماديةٍ من حيث الاستهداف، بينما تتركّز الترسانة الفعلية ومنصّات القرار في فرنسا وحدها، الأمر الذي يجعل باريس، لا أوسلو، هي الطرف الأكثر انكشافاً في أيّ معادلة تصعيدٍ نوويٍّ مقبلة، ويعيد إلى الأذهان منطق الحرب الباردة حين كانت الدولة المالكة للسلاح هي العنوان الأوّل لأيّ ردٍّ مضاد. إنّ ما يجري ليس مجرّد إعادة ترتيبٍ لتحالفاتٍ قائمة، بل هو إيذانٌ بأفول حقبةٍ كاملةٍ قامت على الضمانة الأمريكية وميلادِ لحظةٍ أوروبيةٍ مختلفة، تسعى فيها القارّة العجوز إلى استعادة سيادتها الإستراتيجية وبناء ردعٍ ذاتيٍّ لم تعتد عليه، في عالمٍ تتراجع فيه القواعد التي حكمت العلاقات الدولية طوال ثمانية عقود، لتدخل أوروبا مرحلةً يختلط فيها القلق بالطموح، ويغدو فيها امتلاك القرار السيادي في الأمن والدفاع شرطاً للبقاء لا ترفاً سياسياً.