في قلب العالم وعلى أرض اختصّها الله بشرف عظيم، تقف بلادنا المباركة المملكة العربية السعودية بوصفها وطن الرسالة ومهبط الوحي، وحاضنة أقدس البقاع، ووجهة أفئدة المسلمين من كل أنحاء العالم، في هذه البلاد المباركة، حيث يتجلى مفهوم الدولة التي تحمل على عاتقها رسالة إنسانية ودينية وحضارية تمتد إلى العالم الإسلامي بأسره، فمنذ تأسيسها، وهي تبني مشروعها على ركيزة راسخة خدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن، وتسهيل رحلة الإيمان بكل ما تملكه من قدرات وإمكانيات جعلت من التنظيم، والتقنية، وإدارة الحشود، والاقتصاد الموسمي، أدوات لخدمة الإنسان قبل كل شيء، إنه اختبار عالمي لإمكانات التنظيم البشري حين يبلغ أعلى درجات التعقيد ومع ذلك، فإن ما يحدث على أرض الواقع يقدم نموذجاً مختلفاً تماماً تعقيد يُدار ببساطة، وكثافة تُضبط بانسيابية، وتدفق بشري هائل يتحوّل إلى حركة منظمة وهنا أتحدث عن ملايين البشر يتحركون في وقت واحد، في مساحات محدودة، وبمسارات متقاطعة، وتفاوت لغوي وثقافي هائل.
ومع ذلك، فإن النظام التشغيلي القائم نجح في تحويل هذا التعقيد إلى تدفق منظم يعتمد على إدارة مسارات الحركة بدقة هندسية بتوزيع الكثافات البشرية بشكل ديناميكية واستخدام البيانات اللحظية في التوجيه والتكامل بين الجهات التشغيلية والأمنية والصحية وإدارة المخاطر قبل وقوعها، وتتجلى قيمة التجربة السعودية في إدارة الحج كأحد أهم النماذج العالمية في إدارة الحشود الكبرى بمنظومة متكاملة تشمل التخطيط طويل المدى للبنية التحتية وتطوير الأنظمة التقنية الذكية وإدارة البيانات الحية للحركة البشرية والتكامل بين الأمن والصحة والخدمات مع بناء ثقافة ووعي لدى الحاج نفسه كجزء من النظام...
نعم وبكل فخر واعتزاز، نقف نحن السعوديون أمام هذا الشرف العظيم الذي خصّ الله به بلادنا المباركة، حيث جعلها مهوى أفئدة المسلمين، ومقصد ضيوف الرحمن من كل فج عميق، تقبل الله من الحجاج صالح الأعمال، وكتب لهم الأجر والرضوان، وجعل أيامهم عامرة بالقبول والسكينة والبركة
ويأتي العيد بعد الحج محمّلاً بمعنى مختلف فهو عيدٌ يكتسب قدسيته من قربه من موسم عظيم، ويأخذ بُعده الاجتماعي من امتداد أثر الحج في النفوس، حيث تعود الأسر إلى بيوتها وهي أكثر صفاءً وأكثر امتناناً وأكثر قرباً من الله ومن بعضهم البعض، فبعد أيام الحج وكامتداد لفرح إيماني عميق، لكنه في السياق الوطني يتحوّل إلى لوحة من البهجة العامة التي تشمل المدن والقرى، وتلتقي فيها القلوب على المحبة والصفاء، ترى الشوارع تتزيّن، والمجالس تعود إلى دفئها، والأسر تفتح أبوابها للتهاني والزيارات، وكأن الوطن كله يدخل في حالة من التآلف الإنساني الذي يعكس قوة المجتمع السعودي وتماسكه ولله الحمد والشكر.
فهي فرحة وطن يعتز بقيمه، ويحتفي بهويته، ويجعل من المناسبات الدينية مساحة لتعزيز الوحدة والتراحم في البيوت، في الأحياء، في الساحات العامة، وفي الفعاليات التي تنتشر في مختلف المناطق، تتجلى صورة مجتمع يعرف كيف يفرح دون أن ينسى جذوره، وكيف يحتفل دون أن يغفل عن قيمه، كما أن العيد يعكس جانباً حضارياً مهماً، حيث تتحوّل الفعاليات والأنشطة إلى منصات للترفيه المنظم، الذي يراعي الأسرة ويخاطب جميع الفئات، في مزيج يوازن بين الفرح والمسؤولية، وبين الترفيه والهوية، وهذا ما يجعل العيد في السعودية ليس فقط مناسبة اجتماعية، بل تجربة وطنية متكاملة تعكس تطور المجتمع ووعيه.
كل عام وقيادتنا الرشيدة بخير وصحة وعافية، حفظ الله خادم الحرمين الشريفين وأدام عليه لباس العز والتمكين، ووفق سمو ولي العهد وسدد خطاه لما فيه خير الوطن ورفعة شأنه، وكل عام وشعب المملكة العربية السعودية في أمن وأمان وازدهار، وطن يزداد رفعة واستقراراً، ويواصل مسيرته المباركة بثبات وطموح يليق بمكانته بين الأمم.
حفظ الله بلادنا، وأدام عليها نعمة الأمن والإيمان، وجعل أيامها أعياداً متجدّدة بالخير والبركة.