مع توقف العمليات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط وانحسار دخان المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، تتجه الأنظار مجدداً إلى طاولة المفاوضات؛ بوصفها المسار الأقل كلفة والأكثر قابلية للاستمرار، في هذا المشهد الضبابي والمتناقض يتداول الإعلام يوماً بعد يوم أخباراً تتغير على مدار الساعة، تبرز فيها رغبة الولايات المتحدة تارة في إبرام اتفاق جديد مع إيران لا يقتصر على تهدئة مؤقتة، بينما يركز تارة أخرى على رغبة إيران في التوصل لحل يقيها خطر ضربات جديدة ويكسر حدة الحصار الشديد المفروض عليها، وفي كل مرة تتداول فيها وسائل الإعلام قضية المفاوضات العسيرة تصعد على السطح العديد من الملفات الشائكة التي طالما جسدت مصدر توتر في المنطقة؛ وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتدفق النفط والتجارة العالمية.

وحتى هذه اللحظة، فإن المفاوضات بين الطرفين لا تزال تتسم بالتعقيد، إذ تشهد حالة مستمرة من الشد والجذب حول تفاصيل البنود النهائية، فالولايات المتحدة تدفع باتجاه اتفاق يتضمن قيوداً صارمة وآليات رقابة دقيقة تحول دون تطوير إيران لقدرات نووية ذات طابع عسكري، بينما تسعى طهران إلى الحفاظ على مساحة من المرونة، تتيح لها الاستمرار في برامجها العسكرية.

التجارب السابقة تلقي بظلال ثقيلة على أي تفاؤل، فمنذ عقود دأبت طهران على استخدام الاتفاقات كأدوات مرحلية لإعادة ترتيب أوراقها، دون أن تعني بالضرورة التزاماً طويل الأمد منها بمضامينها بشكل حقيقي، وفي كل مرة كانت تُقدم فيها على تقديم تنازلات ظاهرية، كانت تُبقي على أدواتها الأساسية للمناورة والتلاعب والمرواغة، سواء من خلال تمسكها ببرنامجها النووي أو من خلال أذرعها الإقليمية التي تمثِّل امتداداً لنفوذها خارج حدودها.

الاتفاق الذي ترغب الولايات المتحدة في عقده مع إيران يعاني من صعوبات بسبب مراوغة الجانب الإيراني، ويبدو كما لو أنه يعكس رغبة مشتركة في تجنُّب مواجهة مباشرة ذات تكلفة باهظة من كلا الطرفين، فالولايات المتحدة تعاني من وطأة ضغوط داخلية متعددة، ربما ترى في هذا الاتفاق فرصة لاحتواء التصعيد دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، أما إيران التي تواجه ضغوطات اقتصادية وعسكرية متزايدة وعلى كافة الأصعدة، قد تجد في التهدئة المؤقتة متنفساً لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب أولوياتها الداخلية والخارجية.

لكن جوهر الإشكالية لا يكمن في دوافع التوقيع بالتأكيد، بل في ضمانات التنفيذ الفعلية ومدى فعاليتها، فمن يضمن أن تلتزم إيران ببنود الاتفاق؟ وهل توجد آليات رقابة صارمة قادرة على كشف أي خرق لها في مراحله المبكرة؟ من الواضح أن التجارب السابقة في الاتفاقات التي تم عقدها مع إيران تشير إلى أن غياب آليات حازمة وشفافة في كشف أي خروقات في بداياتها غالباً ما يفتح الباب أمام التفسيرات «المرنة» التي تتقنها طهران إلى حد بعيد.

لعله من الواضح أن إيران لا تبدو مستعدة للتخلي بسهولة عن أوراقها الرابحة، فشبكة الحلفاء والوكلاء في المنطقة تمثل ركيزة أساسية في سياستها الخارجية، والتخلي عنها أو تقليص دورها بشكل جذري يتطلب تحولاً عميقاً في العقيدة السياسية الإيرانية، وهو أمر لم تظهر له أي مؤشرات ملموسة بوضوح حتى اللحظة الراهنة.

من هنا، يبرز احتمال أن يكون الاتفاق أقرب إلى تكتيك الانحناء للعاصفة منه إلى تحول استراتيجي حقيقي سواء على مستوى العقيدة أو التطبيق، فحين تتزايد الضغوط قد تلجأ بعض الدول إلى تقديم تنازلات مؤقتة لامتصاص الصدمة والغضب، غير أنها سرعان ما تعود لاحقاً إلى تكرار وممارسة سياساتها السابقة بمجرد تغيّر موازين القوى أو تراجع مستوى الضغوط، وهذا لا يعني بالضرورة أن الاتفاق الحالي بين الولايات المتحدة وإيران محكوم عليه بالفشل منذ البداية، غير أن كافة الحيثيات تدل على أنه يمر بمرحلة اختبار حقيقي وصعب، فنجاحه يتوقف على مدى جدية الأطراف في الالتزام ببنوده وتحمّل عقباتها، كما يعتمد على توفر إرادة دولية حقيقية لتفعيل تلك البنود وتحقيق الأهداف ومحاسبة أي طرف يخل بها، كما يتطلب شفافية أكبر في توضيح آليات التنفيذ وطرق تنفيذها، بحيث لا تظل البنود عرضة للتأويل أو التسويف أو المماطلة والتلاعب.

في النهاية، يبقى الاتفاق، في نظر بعض المراقبين، معلقاً بين احتمالين: إما أن يكون خطوة أولى نحو تهدئة مستدامة تعيد تشكيل معادلات المنطقة، أو أن ينضم إلى قائمة طويلة من الاتفاقات التي بقيت مجرد حبر على ورق، وما بين هذين الاحتمالين، سيحدد سلوك إيران على أرض الواقع بعيداً عن التصريحات الدبلوماسية الإجابة الحقيقية على التساؤل الذي يشغل بال العالم بأجمعه.