نحن أمام عالم يتغيّر بسرعة، وتتغيّر على إثر سرعته المتوقدة، كثير من المفاهيم التي اعتدنا عليها طوال سنوات وسنوات. لقد أضحت القوة الناعمة، التي تتحرك خلف السُتُر، نموذجاً لا يقل تأثيره عن تأثير القوة الصلبة، السافرة بأسلحتها وعتادها وجيوشها المتحفزة.
واليوم تُعد الدبلوماسية الاقتصادية أهم صور القوة الناعمة وأحد أهم أدوات التأثير في العلاقات بين الدول، إذ لم تعد القوة السياسية أو العسكرية وحدها معيار النفوذ العالمي، بل أصبحت الشركات الكبرى والاستثمارات والثقافة والسياحة والإعلام عناصر فاعلة في صناعة الصورة الذهنية للدول. فالدول التي تمتلك اقتصاداً قوياً وشركات قادرة على الانتشار عالمياً تستطيع بناء حضور مؤثر يتجاوز الحدود التقليدية للدبلوماسية، وهو ما يُعرف بالقوة الناعمة.
كما نعرف فإن القوة الناعمة هي قدرة الدولة على التأثير والإقناع من خلال الجاذبية الثقافية والفكرية والقيم الإنسانية، بدلاً من الإكراه أو الضغوط المباشرة. وتُعد الثقافة من أبرز مصادر هذه القوة؛ فالفنون والأفلام والموسيقى والأدب قادرة على نقل صورة إيجابية عن الشعوب وتعزيز حضورها عالمياً. وقد نجحت دول عديدة في توظيف الأدب أداةَ تأثيرٍ ناعم، مثل روسيا التي ارتبط حضورها الثقافي العالمي بأعمال دوستويفسكي وتولستوي، وكذلك بريطانيا التي عزّزت مكانتها الثقافية عبر أدب شكسبير واللغة الإنجليزية.
لكن القوة الناعمة قد تتحوّل إلى عبء عندما تفقد مصداقيتها أو تُستخدم بصورة دعائية مبالغ فيها، إذ إن التناقض بين الخطاب الثقافي والممارسة الواقعية يضعف التأثير ويُنتج مردوداً سلبياً. فالجمهور العالمي أصبح أكثر قدرة على التمييز بين الصورة الحقيقية والصورة المصنوعة إعلامياً.
في السياق السعودي، تمتلك المملكة مصادر متعددة للقوة الناعمة، أبرزها مكانتها الدينية، وثقلها الاقتصادي، وموقعها الجغرافي، إضافة إلى الإرث الثقافي والتاريخي العريق. كما أسهمت رؤية السعودية 2030 في إبراز صورة جديدة للمملكة تقوم على الانفتاح الثقافي وتمكين الفنون والسياحة والترفيه، ما عزّز حضورها الدولي بصورة ملحوظة.
ومن هنا يبرز مفهوم «الدبلوماسية الرقمية»، وهو توصيف حديث يشير إلى استخدام المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي في التواصل مع الشعوب وصناعة التأثير السياسي والثقافي. ويُعد هذا المفهوم امتداداً طبيعياً للدبلوماسية التقليدية، لكنه يعتمد على سرعة الوصول والتفاعل المباشر مع الرأي العام العالمي.
وعلى الضفاف ذاتها فإننا نشاهد الدور المهم للدبلوماسية، فهي توظّف الثقافة والفنون والتعليم والتبادل المعرفي لبناء جسور التفاهم بين الشعوب. وترتبط بها الدبلوماسية العامة التي تهدف إلى التواصل مع المجتمعات الأجنبية مباشرة، وليس فقط مع الحكومات، من أجل تعزيز صورة الدولة ومصالحها. وهذا ما يجعل دور المثقف له أهمية كبرى بوصفه حاملاً للوعي والمعرفة، والقادر على تفسير التحوّلات الاجتماعية والثقافية وصناعة الحوار الحضاري.
أما الصحافة الورقية، فرغم تراجع انتشارها أمام الإعلام الرقمي، فإنها لا تزال تحتفظ بقيمتها المهنية والمعرفية، خصوصاً لدى النخب والمهتمين بالتحليل العميق؛ ولذلك ما زال مستقبلها قائماً وإنْ بصورة مختلفة عمّا كان عليه سابقاً، ولا بد أن تبقى باعتبارها الصورة الأخرى لحفظ التاريخ، وسجل العالم المحفوظ.