كل ما اجترّت الصحافة الأمريكية اليسارية وقيادات الحزب الديموقراطي شعارات عن انتصار إيران في الحرب، عليك أن تفكر مرتين قبل أن تصدق ذلك، وبعيداً عن المناكفات السياسية وتحريك المكينة الإعلامية لتحقيق بعض المكاسب في الانتخابات النصفية، فإننا نعاني مع مشكلة في المعرفة أو الإبستيمولوجيا كما يسميها الفلاسفة، فالمعرفة عند كثيرين محدودة بالنموذج الذي جربوه مع إيران وليس النموذج الذي وضع ترمب فيه إيران اليوم.
وقد سمعنا عبارات تشير إلى أن إيران دائماً تخسر في الحرب ولكن تكسب في المفاوضات، ولكن هذا الأمر غير دقيق اليوم بسبب ضحالة المعلومات عن الداخل الإيراني، ومحدوديتها على مستوى طبقات الوقاية الإيرانية، وأعني بذلك الوكلاء والحلفاء، وإذا بدأنا بالداخل فاللكمة الخطافية التي وجهها الرئيس ترمب بحصار الحصار الإيراني للمضيق، وصولاً إلى قصف بندر عباس قبل أيام بمجرد تحرك منصات صواريخ وقوارب سريعة لزراعة الألغام، يعني أنه يفاوض ويده على الزناد، وطبعاً لا أحد يعرف عدد القتلى ولا المصابين تبعاً للتعتيم الإعلامي.
وبالحديث عن الدواء وصلت الزيادة على بعض أسعار الأدوية حوالى 400% إن وجدت، ولا يمكن الحديث عن الخدمات الطبية وتجاوز عنصر أساسي وهو الكهرباء، حيث كانت تعاني إيران من مشاكل بنيوية ناتجة عن تطوير الشبكة، وجرّاء الحرب أشارت تقديرات مركز أبحاث غرفة التجارة الإيرانية إلى أن انقطاعات الكهرباء تسبب خسائر اقتصادية يومية تقارب 18 تريليون تومان، أي حوالى 136 مليون دولار، وهذا يؤثر على عدة صناعات من ضمنها الصلب في أصفهان ويزد وخوزستان، والأسمنت، والسيارات، والصناعات الغذائية.
العملة بطبيعة الحال خسرت حوالى نصف قيمتها مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، وبالتالي تأثر المواطنون على مستوى الغذاء وإيجارات المنازل التي ارتفعت بشكل مهول خاصة في طهران، وتأثر الغذاء لأكثر من 90 مليوناً يعيشون في إيران، معدل أعمارهم 34 سنة، هذا يعني أن جلّهم عرف الحياة بعد الإنترنت والأجهزة المتنقلة، وهذا يجعلهم أقرب لمقاومة قرار إيقاف الإنترنت من مقاومتهم للعدو الأمريكي، فالإنترنت قُطع في يناير جرّاء الاحتجاجات، ثم عاد قبل أن يقطع مجدّداً مع انطلاق الحرب.
واليوم الحديث من مسؤولين إيرانيين عن إعادة الإنترنت، وزيارة قاليباف لقطر لتجنّب تكرار ما حصل من قيود أمريكية سابقاً، بحيث استلمت إيران أموالها المجمدة لدى كوريا الجنوبية كبضائع، وعودة ملف الأموال المجمدة كملف رئيسي على طاولة المفاوضات، يدل دلالة كبيرة على حجم الضغط الشعبي الموجود، والذي يمثل امتداداً للاحتجاجات التي خرجت في يناير وراح ضحيتها الآلاف، فلم تكن احتجاجات يدفعها البحث عن حرية التعبير بل كان محركها رغيف العيش.
وإذا نظرنا للأذرع التي من المفترض أن تكون حائط صد أولي، فلم يبقَ منها شيء، الحوثي وكما نقول بالدارجة المحلية (طاق حوله) كناية عن التجاهل المقصود، وحماس تعاني من تضييق إسرائيل للمسافة بين التعيين والتأبين، وآخرهم محمد عودة، القائد الجديد للجناح العسكري لحركة حماس والذي اغتيل بعد أسبوع من تعيينه، بالإضافة إلى القصف اليومي لحزب الله ووصول التحذيرات الإسرائيلية لإخلاء النبطية، والتقديرات تشير إلى أنه في أحسن تقدير يملك حوالى 20% من أسلحته التي كان يملكها قبل أكتوبر 2023، ومن ناحية طوّر محلياً صناعات الدرون، لكن لا يجب التقليل من تأثره بسقوط بشار الأسد، وشح الأموال من إيران والتي كانت تزوده بمليار دولار سنويا.
وعلى مستوى حلفاء إيران، جاء الرد واضحاً من الصين حول إغلاق مضيق هرمز، حيث ترفض هذا الأمر وترفض تحصيل رسوم على العبور، ومن جانب آخر لا يبدو أن الصين طالبت بشيء لإيران خلال زيارة ترمب الأخيرة لبكين، ولكن الأدهى والأمر أن حتى شركاء الاتفاق النووي السابق من الدول الأوروبية، لا يبدو أنهم يأبهون كثيراً لما يحصل إلا على مستوى تأثيره اقتصادياً عليهم، فلا هم في وفاق مع ترمب حتى يهبون لدعمه، ولا هم على أدنى تقدير يمارسون أي ضغط سياسي لإنضاج اتفاق سريع، ولديهم في القارة العجوز مشاكلهم في الهجرة والطاقة وروسيا.
إذن ما كانت تمتاز به إيران والذي سمّاه الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي الصبر الإستراتيجي، يواجه تحديات كبيرة خاصة مع إغلاق ترمب لعدد كبير المسامات التي كانت تنفذ الدولارات منها لطهران في ظل العقوبات، صحيح أن الوقت عامل ضغط على أمريكا أيضاً، لكنها جعلته عامل ضغط أكبر على طهران المطالبة بإطعام تسعين مليوناً.
في أغسطس الماضي فعّلت الترويكا الأوروبية (بريطانيا وألمانيا وفرنسا) «آلية الزناد» لإعادة العقوبات الأممية على طهران، واليوم يتفاوض الحرس الثوري مع ترمب وحده دون الدول الخمس الأخرى في اتفاق 2015 ويده على الزناد.