ظلت المملكة العربية السعودية؛ التي شرّفها الله بخدمة بيته العتيق وضيوف الرحمن من حجاج ومعتمرين وزوّار، تبذل أقصى جهودها لتطوير الأراضي المقدسة، خصوصاً البيت الحرام، والمشاعر المقدسة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة. وقد بدت تلك الجهود واضحة جلياً بعدما تم بناء منشأة رمي الجمرات، وإسكان الحجاج، وتوفير أحدث مراكز الرعاية الصحية، وتسيير قطار المشاعر. لكنها أخذت قفزة جديدة بعدما أضحت التكنولوجيا الحديثة جزءاً لا يتجزأ من تجهيزات موسم حج كل عام. وهي لا تقتصر على «الروبوتات» التي تساعد الحجيج داخل الحرم المكي؛ بل امتدت لتشمل الخدمات الأمنية، واللوجستية، والتنبؤات الجوية. ونتيجة لذلك يجد ضيوف الرحمن أنفسهم وهم يؤدون مناسكهم بمُنتهى اليُسر والسهولة، محفوفين برعاية شباب السعودية وقوات أمنها، الذين جعلوا خدمة الحجاج واجباً يؤدونه عن إيمان، وخُلق حسن.
ولعل هذا التطور الذي يستفيد منه ويشهده حجاج هذا الموسم، تمكن مقارنته بالعهود التي سبقت توافر التكنولوجيا الجديدة، خصوصاً الذكاء الاصطناعي، الذي تطمح المملكة تحت رعاية قيادتها الرشيدة -ممثلةً في خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود- إلى أن تحقق فيه مركزاً متقدماً عالمياً وإقليمياً، من خلال استثماراتها الضخمة في مراكز البيانات.
في كلا الحالتين، كان تطوير خدمات الحج جهداً سعودياً مكثفاً، غير أنه في الآونة الأخيرة أخذ يتسارع ويزداد إتقاناً مع احتضانها التكنولوجيا المتقدمة التي باتت متاحة. والحقيقة أن السعودية لم تتراخَ في أيِّ يومٍ منذ عهد مؤسسها الراحل الملك عبدالعزيز آل سعود -طيَّب الله ثراه- الذي قام بتوسيع الحرمين الشريفين، وواصل أبناؤه الملوك الراحلون ذلك التحديث بهمّة عالية. وأضحى لذلك الالتزام القيادي معنى آخر منذ أن تولى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود مسؤولية حكم البلاد في عام 2015.
وتراكمت للمملكة خبرات متفردة عالمياً في فنون إدارة الحشود، ومنع وقوع الحوادث، وتسهيل تنقلات ضيوف الرحمن بين المقدسات الإسلامية من دون عناء يُذكر. وإذا أضفنا إلى ذلك استحداث برنامج «طريق مكة»، والتوسع فيه، فإن تأدية المناسك أضحت تتم بيسر قد لا يتوقعه القادمون من كل فجٍّ عميقٍ. وما إن ينتهي موسم الحج حتى يبدأ مسؤولو الجهات الحكومية المختصة اجتماعات مكثفة لجعل موسم الحج التالي أكثر سهولة، وأماناً، وسلامة صحية، وسط منظومة متكاملة من الخدمات الاستهلاكية والغذائية.