لم تعد كوبا تلك الجزيرة البعيدة التي تُذكر فقط في كتب التاريخ والحرب الباردة. فجأة، عادت هافانا لتجد نفسها في عين العاصفة العالمية، بعد أن فتح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أخطر مواجهة مع النظام الكوبي منذ عقود، ملوّحاً بما سماه "تحرير كوبا”، في وقت تتحرك فيه حاملات الطائرات الأميركية في مياه الكاريبي.

المشهد بدا للكثيرين وكأنه إعادة إنتاج لسيناريوهات القرن الماضي، لكن بنسخة أكثر توتراً وخطورة. واشنطن لم تعد تتحدث هذه المرة عن عقوبات تقليدية أو عزل سياسي، بل عن هدف واضح: "إنهاء الإرث الماركسي” في الجزيرة التي ظلت لعقود رمزاً للتحدي على بعد 90 ميلاً فقط من سواحل فلوريدا.

اتهامات جنائية ونفوذ خلف الكواليس

تحول الملف الكوبي فجأة إلى بركان ساخن داخل البيت الأبيض، مدفوعاً بتطورات قضائية وسياسية غير مسبوقة:

  • ملاحقة راؤول كاسترو: تصاعد الاتهامات الجنائية ضد الزعيم الكوبي السابق بتهم القتل والتآمر ضد أمريكيين.
  • قاعدة تجسس متقدمة: اتهامات أميركية حادة لهافانا بأنها تحولت إلى منصة استخباراتية متقدمة لخصوم واشنطن.
  • الاختراق الروسي الصيني: قلق أمريكي متزايد من تنامي النفوذ العسكري والسياسي لموسكو وبكين داخل الجزيرة.

وفي المقابل، ردت الحكومة الكوبية بغضب عارم، واصفة التصعيد الأميركي بأنه "غطرسة سياسية” ومحاولة متعمدة لخنق البلاد ودفعها نحو الانهيار الكامل.

«الأوعية الفارغة» تمزق الجزيرة

لكن الأخطر في هذه المواجهة ليس حشد السفن الحربية، بل ما يحدث داخل الشارع الكوبي نفسه. فالجزيرة تعيش حالياً واحدة من أسوأ أزماتها الاقتصادية في التاريخ الحديث:

  • انقطاع كامل ومتكرر لشبكات الكهرباء.
  • نقص حاد وطوابير مرعبة للحصول على الوقود والغذاء.
  • موجات هجرة جماعية غير مسبوقة نحو الخارج.

هذا الوضع الكارثي فجّر احتجاجات شعبية عارمة باتت تُعرف بـ”مظاهرات الأوعية الفارغة”، في إشارة صارخة إلى الجوع والعجز المتزايد الذي يضرب البيوت الكوبية.

سيناريو فنزويلا.. هل ينجح «الخنق البطيء»؟

يرى مراقبون أن إدارة ترمب تراهن على هذه اللحظة التاريخية، ليس لإسقاط النظام عبر غزو عسكري مباشر، بل عبر سياسة «الخنق البطيء». وهي ضغوط اقتصادية، وقضائية، وسياسية مكثفة مصممة لتدفع النظام للتآكل والانهيار التلقائي من الداخل.

المقارنة مع فنزويلا لم تعد مجرد تحليل إعلامي، بل أصبحت السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تتحول كوبا إلى النسخة التالية من فنزويلا؟ وهل تنجح واشنطن في كسر آخر معاقل الشيوعية في أمريكا اللاتينية؟

وفي خلفية هذا الصراع، يبرز اسم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، المنحدر من أصول كوبية، كمهندس أول وأبرز الوجوه الدافعة لتشديد القبضة على هافانا، مما يعكس أن الملف أصبح قضية داخلية حساسة جداً في أمريكا.

ورغم محاولات كوبا للمناورة وطلب الدعم السريع من روسيا وتعزيز علاقاتها مع الصين، إلا أن التقديرات تشير إلى أن هذا الدعم قد لا يكون كافياً، نظراً لانشغال موسكو بحرب أوكرانيا، واعتماد بكين على النفوذ الاقتصادي الهادئ بدلاً من المواجهة السياسية المباشرة.

ويمكن القول إن كوبا تقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما تقديم تنازلات وإصلاحات جذرية قد تغير وجه النظام بالكامل، أو مواجهة موجة ضغط أمريكية تبدو هذه المرة أكثر تصميمياً وشراسة من أي وقت مضى. وبينما تواصل السفن الحربية تحركاتها في الكاريبي، يبقى السؤال الذي يحبس العالم أنفاسه بانتظاره: هل بدأت بالفعل معركة إسقاط آخر قلاع الماركسية؟