لا يبدأ الرعب في مراكز الاحتجاز بالصراخ، بل بالصمت المطبق خلف أبواب معدنية صدئة. في أماكن لا تظهر على خريطة ليبيا، يعيش عشرات الأطفال واقعاً لا يمت للحياة بصلة: غرف خانقة، وأجساد صغيرة متلاصقة، وليل طويل لا ينتهي. إنهم «أشباح» خارج نطاق القانون، بلا أسماء، ولا سجلات، والأخطر من ذلك: بلا أمل.
الاختفاء الجماعي.. «سجناء بلا أثر»
عندما أُغلق مركز «أبو سليم» الشهير، تنفس العالم الصعداء ظناً أن المعاناة انتهت، لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة. فالأطفال لم يُفرج عنهم، بل تبخروا. وتشير تقارير إنسانية إلى نقل هؤلاء القاصرين إلى مواقع سرية، ومزاعم وجود أقبية تحت الأرض، ومخازن مهجورة، لا تخضع لأي رقابة. هناك يُحتجزون مع البالغين في ظروف غير إنسانية، وكأنهم فقدوا حقهم في الوجود.
رحلة الهروب من جحيم النزاعات في دارفور وتيغراي، التي كان يرجوها هؤلاء الأطفال أن تكون جسراً للنجاة، انتهت بهم في «الفخ». يروي «يوسف» (15 عاماً) بمرارة في حديثه إلى وسائل إعلام محلية: «ظننت أنني نجوت، لكن هنا بدأ الكابوس الحقيقي. كنا 50 شخصاً في غرفة واحدة، والضرب لا يتوقف». أما «آدم» (14 عاماً)، الذي فقد براءته خلف القضبان، فيقول بصوت يملؤه اليأس: «أريد فقط أن أرى أمي، لكني أخشى أن أبقى هنا حتى أموت».
تتجاوز القصة حدود الاحتجاز، لتصل إلى «اقتصاد خفي» يتاجر بأجساد الصغار. وثمة أسرار ترويها أصوات خافتة عن مستودعات سرية، وعمالة قسرية، وعمليات ابتزاز لعائلات مكلومة. أحد المهربين السابقين يعترف بصدمة: «الأطفال هنا مجرد سلعة، يتم بيعهم أو تشغيلهم، ولا أحد يجرؤ على إيقاف هذا».
وسط هذا الغياب للأرقام الرسمية، تظل أصابع الاتهام موجهة نحو المجهول المسؤول عن وحشية هذه المأساة. وأخطر ما فيها ليست اتهامات سوء المعاملة فحسب، بل مزاعم «الإلغاء التام للهوية». فالأطفال بلا ملفات، وبلا جنسيات، وبلا ضمان بأنهم لن يختفوا إلى الأبد. وهنا يأتي السؤال الذي يطارد الضمير الإنساني اليوم: كم طفلاً يجب أن يبتلعه الظل قبل أن يتحول ملفهم من صمت القبور إلى ضوء الحقيقة؟