خرج لنا التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 للعام 2025 كدليل على تحوّل اقتصادي مكتمل الملامح. فالتقرير يعكس انتقال الاقتصاد السعودي إلى مرحلة جديدة؛ مرحلة لم يعد فيها النمو مرتبطاً بعامل واحد، إنما نتاج منظومة اقتصادية أعيد تصميمها بالكامل. ولعل أبرز ما يلفت الانتباه أن الغالبية العظمى من مؤشرات الأداء حقّقت مستهدفاتها أو اقتربت منها، وأن معظم المبادرات تسير وفق المسار المخطط، وهو ما يعكس نضجاً مؤسسياً في إدارة التحوّل.
ما حدث خلال الأعوام الماضية هو انتقال تدريجي من اقتصاد تُحدد مساراته أسعار النفط، إلى اقتصاد تتوزع فيه مراكز القوة. هذه ليست عبارة إنشائية، ولكن يمكن رصدها بوضوح في بنية النمو نفسه. حين تصبح الأنشطة غير النفطية تمثل أكثر من نصف الاقتصاد، وحين يتراجع أثر الدورات النفطية على الاستقرار المالي والنقدي، فنحن أمام تحوّل في سلوك الاقتصاد، لا مجرد تحسّن في أدائه. القصة الحقيقية هي أن السعودية بدأت تعيد تعريف نموذجها الاقتصادي من خلال تحويل هذا النمو من نمو مدفوع بالتحوّل إلى نمو مدفوع بالإنتاجية.
من الخطأ تبسيط هذا التحوّل على أنه «انفصال عن النفط». السعودية لم تسعَ إلى ذلك أصلاً، بل إلى إدارة الاعتماد عليه بذكاء. الفارق دقيق لكنه جوهري. ما تغيّر هو أن النفط أصبح واحداً من مكوّنات المسارات الاقتصادية، هذه المقاربة هي التي سمحت بتحقيق التوازن بين الاستقرار المالي من جهة، وتسريع التنويع من جهة أخرى.
العامل الأكثر تأثيراً في هذا التحوّل هو بناء منظومة اقتصادية جديدة. الإصلاحات التنظيمية، الاستراتيجيات الوطنية، إعادة تعريف دور الدولة اقتصادياً، وتفعيل أدوات مثل صندوق الاستثمارات العامة. كلها تعتبر أجزاء من نموذج اقتصادي يعاد تصميمه، وهذا ما يفسر أن النتائج ظهرت في أكثر من مؤشر في وقت واحد متمثلة في نمو، وتوظيف، واستثمار، وتنافسية.
دور صندوق الاستثمارات العامة تحديداً يستحق قراءة مختلفة. الصندوق تحوّل من مستثمر ضخم إلى أداة لتشكيل الاقتصاد. في الاقتصادات الناشئة، لا تنتظر الدولة دائماً أن يقود القطاع الخاص التحوّل؛ بل تخلق البيئة أولاً، وتفتح القطاعات، وتتحمّل المخاطر الأولية. ما يميّز التجربة السعودية هو أن الصندوق تحرك كـ«مُمكّن للسوق».
أما المشاريع الكبرى، عندما تُقرأ من زاوية «سرعة التنفيذ» أو «حجم الإنفاق» فهذا يُفقدها معناها الاقتصادي. هذه المشاريع هي رهانات طويلة الأجل على إعادة تشكيل الطلب في الاقتصاد سياحياً، واستثمارياً، وحتى اجتماعياً. قيمتها الحقيقية لن تظهر في سنة أو سنتين، بل في قدرتها على خلق سلاسل قيمة جديدة، واستقطاب تدفقات مستمرة من رأس المال والإنفاق.
الاستثمار محلياً وأجنبياً كان ولا يزال حجر الأساس في هذه المعادلة. ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي يُعد إشارة إلى تغيّر نظرة المستثمرين للمملكة من سوق مرتبطة بالنفط، إلى اقتصاد يحمل فرصاً متعددة في الصناعة، والخدمات، والتقنية، والسياحة. هذه الثقة بُنيت بالتشريعات، واستقرار السياسات، ووضوح الاتجاه. الأثر الأكثر حساسية لأي تحوّل اقتصادي يظل سوق العمل. انخفاض البطالة وارتفاع مشاركة القطاع الخاص في التوظيف يعكسان أن النمو بدأ يترجم إلى فرص حقيقية.
إذا أردنا توصيف المرحلة القادمة بدقة، فهي تتجاوز كونها مرحلة جني ثمار أو مجرد استمرار في البناء، لتكون مرحلة ترسيخ وتعظيم الأثر. مرحلة فيها نضج للاقتصاد السعودي مع قدرة على الحفاظ على وتيرة النمو، مع دور متزايد للقطاع الخاص، وتعزيز اعتماد القطاعات الجديدة على مقوماتها الذاتية، إلى جانب مرونة السياسات الاقتصادية في التعامل مع المتغيّرات والتحديات العالمية.