يُقال في المثل «إن لم تجلس إلى مائدة العشاء، فأنت على قائمة الطعام If you’re not at the table, you’re on the menu».


راهنت الأطراف المتنازعة في هذه الأزمة على وصول أحدها مرحلة «الإنهاك Fatigue» السياسي قبل العسكري، ورغم ما لحق بإيران من تدمير شبه كلي لتراتبيات قياداتها السياسية والعسكرية، وتحجيم قدراتها العسكرية وبنيتها الصناعية الداعمة لمجهودها العسكري، إلا أن جغرافية وطبوغرافية إيران كانا أهم ما في ترسانتها عسكرياً.


وربما أن أهم ما استجد على قواعد الاشتباك بينها هي قناة التفاوض التي أتت نتيجة توافق إقليمي أمريكي (والأقرب كونه سعودياً أمريكياً)، في حين راهنت طهران على قنوات تفاوض أكثر مواءمة مع تاريخ المفاوضات الأمريكية الإيرانية (المعلنة والسرية منذ غزو أفغانستان في 2001). وحتى مع خسارة طهران أهم أوراق تفاوضها المتمثلة بملفها النووي، إلا أنها وجدت في مضيق هرمز ضالتها الإستراتيجية وبذلك غيّرت من قواعد الاشتباك على أساس إقليمي ودولي. فهي بذلك لم ترتهن الأمن الاقتصادي الإقليمي، بل العالمي، الذي ما زال يمر بحالة تعافٍ حرج منذ جائحة كوفيد.


إلا أننا حيال واقع يستدعي مساءلة القبول بتحييد الذات بناءً على فرضية «التمثيل الآمن» في شأن يمس الأمن القومي المشترك لعموم دول الخليج العربية، ويعد كلفة عالية من المنظور الإستراتيجي، خصوصاً أن الأطراف المتفاوضة هي من فرض حالة الحرب. وهي من توافق على أطر عملية التفاوض دون أدنى إشارة لموقف الأطراف المتضررة جرّاءها أو مستقبل الهدنة حال انهيارها.


الشأن الآخر الذي يستدعي التحوط هو توافق واشنطن وطهران على اختزال الأزمة بسلامة الملاحة في مضيق هرمز لما يوفره ذلك من مخرج قابل للتسويق من قبل الطرفين لجمهورهما. إلا أن طهران ستكون الطرف الأقرب للنصر «المعنوي» حيث هي من نجح في تغيير قواعد الاشتباك (من حالة حرب مفتوحة تنبئ بتحولها إلى عابرة للحدود) إلى أزمة قابلة للاحتواء. أما قبولها الهدنة، فقد عزّز الصورة النمطية التي لطالما سوّقت لها طهران، أي «الندية» لا إملاءاتٍ على طرف مهزوم. وهنا يبرز السؤال الأهم من منظور الأمن الإقليمي في مسألة تمثيل الإرادة والسيادة في مضيق هرمز، حين يغيب التمثيل المتكافئ كما سبق في حال الاتفاق النووي مع إيران في 2015، أو لاحقاً التفاوض مع إيران في نفس الملف إبان عهد الرئيس بايدن.


مضيق هرمز يتجاوز أهميته الجيواقتصادية أو اعتباره بيدقاً في لعبة توازن قوى مؤقت نتيجة للأزمة القائمة، بل إن أي اتفاق بين واشنطن وطهران حول راهن أو مستقبل مضيق هرمز قد يفرض واقعاً قد يقبل التفسير قانونياً حتى مع وجود اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار UNCLOS لعام 1982. لذلك يتحتم أن تُمثل دول الخليج العربية في جزئية مفهوم السيادة في المضيق أو مستقبل الملاحة فيه كطرف أصيل لا كأحد الأطراف المُنتفعة بالمرور الآمن فقط. وحتى مع وجود ضمانات الوسيط (باكستان) أو أحد أطراف الأزمة (واشنطن). بل حتى فرضية «المشاركة غير المُعلنة» لطرف ممثل للإرادة السياسية لدول الخليج العربية، فإن واقع الحال يفرض أن تكون علنية. ومن منظور الأمن الإستراتيجي الإقليمي، فإن أي تفاوض حول مستقبل المضيق أو طبيعة العلاقة مع إيران يجب أن يقوم على قاعدة واضحة: أمن الخليج تصوغه دوله أولاً، وأن العلاقة الخليجية الإيرانية تحتاج إلى مقاربة تقوم على الندية الرادعة، واحترام السيادة، والالتزام بأمن الملاحة وفق تفاهمات إقليمية صريحة.