أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1126.jpg&w=220&q=100&f=webp

عبدالله الجنيد

إسلام آباد من منظور الأضداد

يُقال في المثل «إن لم تجلس إلى مائدة العشاء، فأنت على قائمة الطعام If you’re not at the table, you’re on the menu».


راهنت الأطراف المتنازعة في هذه الأزمة على وصول أحدها مرحلة «الإنهاك Fatigue» السياسي قبل العسكري، ورغم ما لحق بإيران من تدمير شبه كلي لتراتبيات قياداتها السياسية والعسكرية، وتحجيم قدراتها العسكرية وبنيتها الصناعية الداعمة لمجهودها العسكري، إلا أن جغرافية وطبوغرافية إيران كانا أهم ما في ترسانتها عسكرياً.


وربما أن أهم ما استجد على قواعد الاشتباك بينها هي قناة التفاوض التي أتت نتيجة توافق إقليمي أمريكي (والأقرب كونه سعودياً أمريكياً)، في حين راهنت طهران على قنوات تفاوض أكثر مواءمة مع تاريخ المفاوضات الأمريكية الإيرانية (المعلنة والسرية منذ غزو أفغانستان في 2001). وحتى مع خسارة طهران أهم أوراق تفاوضها المتمثلة بملفها النووي، إلا أنها وجدت في مضيق هرمز ضالتها الإستراتيجية وبذلك غيّرت من قواعد الاشتباك على أساس إقليمي ودولي. فهي بذلك لم ترتهن الأمن الاقتصادي الإقليمي، بل العالمي، الذي ما زال يمر بحالة تعافٍ حرج منذ جائحة كوفيد.


إلا أننا حيال واقع يستدعي مساءلة القبول بتحييد الذات بناءً على فرضية «التمثيل الآمن» في شأن يمس الأمن القومي المشترك لعموم دول الخليج العربية، ويعد كلفة عالية من المنظور الإستراتيجي، خصوصاً أن الأطراف المتفاوضة هي من فرض حالة الحرب. وهي من توافق على أطر عملية التفاوض دون أدنى إشارة لموقف الأطراف المتضررة جرّاءها أو مستقبل الهدنة حال انهيارها.


الشأن الآخر الذي يستدعي التحوط هو توافق واشنطن وطهران على اختزال الأزمة بسلامة الملاحة في مضيق هرمز لما يوفره ذلك من مخرج قابل للتسويق من قبل الطرفين لجمهورهما. إلا أن طهران ستكون الطرف الأقرب للنصر «المعنوي» حيث هي من نجح في تغيير قواعد الاشتباك (من حالة حرب مفتوحة تنبئ بتحولها إلى عابرة للحدود) إلى أزمة قابلة للاحتواء. أما قبولها الهدنة، فقد عزّز الصورة النمطية التي لطالما سوّقت لها طهران، أي «الندية» لا إملاءاتٍ على طرف مهزوم. وهنا يبرز السؤال الأهم من منظور الأمن الإقليمي في مسألة تمثيل الإرادة والسيادة في مضيق هرمز، حين يغيب التمثيل المتكافئ كما سبق في حال الاتفاق النووي مع إيران في 2015، أو لاحقاً التفاوض مع إيران في نفس الملف إبان عهد الرئيس بايدن.


مضيق هرمز يتجاوز أهميته الجيواقتصادية أو اعتباره بيدقاً في لعبة توازن قوى مؤقت نتيجة للأزمة القائمة، بل إن أي اتفاق بين واشنطن وطهران حول راهن أو مستقبل مضيق هرمز قد يفرض واقعاً قد يقبل التفسير قانونياً حتى مع وجود اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار UNCLOS لعام 1982. لذلك يتحتم أن تُمثل دول الخليج العربية في جزئية مفهوم السيادة في المضيق أو مستقبل الملاحة فيه كطرف أصيل لا كأحد الأطراف المُنتفعة بالمرور الآمن فقط. وحتى مع وجود ضمانات الوسيط (باكستان) أو أحد أطراف الأزمة (واشنطن). بل حتى فرضية «المشاركة غير المُعلنة» لطرف ممثل للإرادة السياسية لدول الخليج العربية، فإن واقع الحال يفرض أن تكون علنية. ومن منظور الأمن الإستراتيجي الإقليمي، فإن أي تفاوض حول مستقبل المضيق أو طبيعة العلاقة مع إيران يجب أن يقوم على قاعدة واضحة: أمن الخليج تصوغه دوله أولاً، وأن العلاقة الخليجية الإيرانية تحتاج إلى مقاربة تقوم على الندية الرادعة، واحترام السيادة، والالتزام بأمن الملاحة وفق تفاهمات إقليمية صريحة.

00:08 | 22-04-2026

الاستباق دبلوماسياً

شهدت النسخة الأخيرة من الملتقى الإستراتيجي الذي ينظمه مركز الإمارات للسياسات أمرين غير تقليديين، تمثل الأول في جزئية محورية في خطاب الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية. أما الأمر الآخر فقد تمثل في تناول مركز الثقل السياسي العربي فيما بعد قرار شرق السويس الذي أعلن عنه عام ١٩٥٧، والجزئيتان مرتبطتان ارتباطاً عضوياً.

الجزئية التي تناولها الدكتور قرقاش كانت غير مسبوقة في عرف الدبلوماسية العربية التقليدية، غير أنها منتمية لدبلوماسية اجترحها فارس الدبلوماسية العربية المغفور له الأمير سعود الفيصل والممكن تعريفها (الدبلوماسية خارج إطار الغرف المغلقة). فعندما تناول الدكتور قرقاش التحديات الماثلة أمام إعادة حالة الاستقرار للمنطقة قال بما معناه «لم يعد مقبولاً استمرار صراعات الكبار على أراضينا»، تلك الرسالة وعبر تلك المنصة المكتظة بالمؤثرين على صناعة القرار شرقاً وغرباً بالتأكيد أدركت ضرورة نقل وتنبيه عواصمهم إلى تلك الرسالة المباشرة.

المجتمع الدولي يدرك دور واستحقاقات الكتلة الحرجة التي تمثلها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بقيادة الرياض، وليس من المنظور الإقليمي بل الجيوإستراتيجي. ويعد مؤتمر برلين حول ليبيا أحد دلالات ذلك الدور، ذلك بالإضافة إلى الشراكة في محاربة الإرهاب في دول الساحل (غرب أفريقيا)، ناهيك عن جهودهما المشتركة والمنفرد منها في رفع المعاناة الإنسانية وتمويل برامج التنمية في عموم أفريقيا.

الاضطلاع بذلك الدور الدولي حفز أوروبا المنقسمة على قضاياها الخاصة على إعادة تقييم دورها المفقود في إعادة الاستقرار لمنطقة الشرق الأوسط، خصوصا أن دول حوض المتوسط كانت الأكثر تضرراً نتيجة ذلك. أنتج ذلك الجهد كذلك تحولاً في موقف تسع دول أوروبية من الانضمام لجهود تأمين خطوط الملاحة الدولية في مضيق هرمز وخليج عُمان، واتخاذها أبوظبي قاعدة لعملياتها المشتركة. ما يجب أن يدرك هنا هو ليس فقط تطوير آليات الشراكة الإستراتيجية بين كتلة الرياض والاتحاد الأوروبي، بل تطوير ذلك المفهوم بما يتناسب والمصالح الإستراتيجية المشتركة مما قد يقود مستقبلا إلى إعادة التوازن بين كتلتي التضاد أو التزاحم لاستراتيجي الشرقية (الصين وروسيا) والغربية (الولايات المتحدة).

ترجمة رسائلنا الدبلوماسية بشكل عملي هو ما يتطلع إليه حلفاؤنا وأصدقاؤنا، لذلك نحن في حاجة ماسة للاستمرار بالدفع في توظيف منصاتنا الوطنية ولن أقول «الإماراتي» فقط مثل ملتقى أبوظبي الإستراتيجي لتعزيز ثقافة «الدبلوماسية خارج إطار الغرف المغلقة». وذلك ما يقودنا للمحور الآخر، وهو واقع التثقل السياسي العربي بعد الإعلان عن شرق السويس في ١٩٥٧.

دول الخليج العربية لم تكن هبة البترودولار لأن إنسانها كان هنا قبل ذلك وأسس لحواضر ودول قبل ذلك بكثير، وكما قال الدكتور عبدالله يعقوب بشارة الأمين العام الأول لمجلس التعاون لدول الخليج العربية خلال مداخلة له في إحدى جلسات ملتقى أبوظبي الإستراتيجي «نحن لسنا في حاجة للاستمرار عن الاعتذار لكوننا دولا نفطية، واستثمار مستقبله في بناء دولنا بشكل أكثر تناسباً وتحديات المستقبل». الدور التنموي الذي اضطلعت به دول المجموعة الخليجية كان محوريا في تأمين الاستقرار السياسي والاجتماعي في محيطه العربي والدولي، إلا أن ذلك الدور تجاوز ذلك منذ ٢٠١١. وذلك ما اكتشفه المجتمع الدولي وعلى أكثر من صعيد وليس فقط تأمين أسواق الطاقة في حين كانت تستهدف بكل الأشكال. بل أسهم تخلق ذلك الثقل في ضمان الاستقرار الإقليمي في حين كان محيطه الآسيوي والأفريقي يتهاوى سياسيا واجتماعيا.

المجتمع الدولي أدرك الآن حيوية هذه الكتلة رغم ضآلة عمقها البشري مقارنة بمحيطها الآسيوي والأفريقي إلا أنها نجحت رغم ذلك في إعادة التوازن النسبي المطلوب لإعادة الاستقرار، ومن ثم الانخراط في سياسات احتواء للأزمات وإدارة الأخرى. خلال النسخة الأخيرة من منتدى أبوظبي الإستراتيجي تطرق أكثر من متحدث خليجي إلى ذلك الواقع وتسميته كما يستحق، أي انتقال مركز الثقل السياسي العربي إلى الرياض رغم تحفظ البعض على ذلك في إحدى جلسات المنتدى. كتلة الرياض لم ولن تطالب باستحقاقات مركز الثقل، إلا أنها بالتأكيد لن تفرط في استحقاقات التحالفات والشراكات الاستراتيجية، فلقد برهنت هذه الكتلة على أنها ليست طارئة على التاريخ كما افترض البعض. ويتوجب على الجميع إدراك عمق الارتباط التاريخي بين إنسان هذه الأرض بأرضه رغم كل التحديات وقساوة الأرض، كما أننا غير مدينين باعتذار لأحد عن كوننا دولا نفطية بل إدراك أن أولوياتنا الآن ضمان استدامتنا المستقبلية وأبناؤنا هم ضمانة ذلك.

* كاتب بحريني

aj_jobs@
01:38 | 6-03-2020

مأزق تركيا الأردوغانية

انتقلت الأردوغانية من سياسة الحدود المفتوحة أمام اللجوء غير المشروط للسوريين إلى أداة ابتزاز سياسي بتهديد جوارها الأوروبي بإغراق شواطئها باللاجئين في حال فشل أوروبا الاعتراف بمشروعية الاستحقاقات الأردوغانية في الأرض والموارد خارج حدود تركيا الطبيعية. وها هو الرئيس أردوغان يتخبط من جديد في التعاطي مع شأن اللجوء السوري من توظيفه سياسياً في اجتزاء قسم من شمال سوريا ليلحقه بلواء الاسكندرون، إلى التسليع السياسي لمعاناة اللاجئين السوريين عبر الترحيل القصري أو إلغاء الإقامات الممنوحة لهم على الأراضي التركية.

الأردوغانية هي المنعطف الأخطر في تاريخ تركيا الحديثة منذ نهاية الحرب الباردة، فقد فقدت تركيا حيوية دورها الجيوسياسي وهي الرابط بين آسيا وأوروبا، وتراجع نموها الاقتصادي والاجتماعي بعد أن تحولت من ديمقراطية حقيقية إلى شكل من أشكال ديمقراطية الدكتاتور. وتلك الرؤية خلقت حالة احتقان في عموم علاقاتها بجوارها الجيوسياسي والدولي.

العبثية الأردرغانية حولت تركيا الواعدة من بيئة جاذبة للاستثمارات إلى أخرى طاردة نتيجة عدم الثقة في مستقبل تركيا الاقتصادي أو استقرارها السياسي. وشهدت العلاقات الخليجية التركية أدنى حالاتها خلال السنوات العشر الأخيرة نتيجة لتلك السياسات العبيثة والعدائية تجاه دولة مركزية بحجم المملكة العربية السعودية وكتلتها السياسية. هذه الحالة تُرجمت اجتماعياً من قبل محازبي الأردوغانية باستهداف بعض السائحين من دول مجلس التعاون، ذلك بالإضافة لحالة من الإحساس بانعدام الأمن نتيجة التصعيد في الموقف السياسي من قبل الإعلام الرسمي التركي تجاه دول بعينها.

إعادة بناء جسور الثقة مع جوارها الجيوسياسي هي مسؤولية تركيا أولاً وأخيراً، إلا أن حدوث مثل ذلك في ظل الأردوغانية أمر مستبعد. فها هو الرئيس أردوغان يتجاوز على أهم مبادئ حسن الجوار عبر التنقيب عن الثروات الطبيعية في المياه الاقتصادية الخالصة لقبرص. ويتدخل بشكل سافر في الأزمة الليبية عسكرياً رغم آثار ذلك السلبية على آفاق الحلول السياسية والإرادة الوطنية الليبية.

وإن كانت هناك صورة أكثر بشاعة وقتامة للأردوغانية من كل ما تقدم، فهي بالتأكيد توفيره الغطاء السياسي والدعم اللوجستي والمعنوي لتنظيم داعش من نقل أعضائه بين مسارح الصراع في الشرق الأوسط (سوريا والعراق) وشمال أفريقيا (ليبيا وتونس). فإن الاشتراك في جريمة قتل ما تجاوز نصف مليون سوري لا يمكن أن تؤسس لعلاقات طبيعية بين العالم العربي وتركيا. ويستوجب الأمر ما هو أبعد من ذلك عبر إجراءات قانونية لمحاسبة تركيا والرئيس أردوغان ورهطه أمام العدالة الدولية على جرائمهم في حق الإنسانية، وإلزام تركيا دفع التعويضات المناسبة لكل ضحايا الأردوغانية.

* كاتب عربي

aj_jobs@
01:37 | 15-01-2020