الآن، وبعد انتهاء موسم مهرجان البحر الأحمر السينمائي، الذي يذهب ويأتي بنفس السياق والأخطاء، هل يحق لنا توجيه النقد له على ما مضى؟ بأثر رجعي، فقد فرحنا كثيراً بمهرجان البحر الأحمر، إلا أنه خيّب فرحتنا، وفي كل دورة نقول سوف يعالج أخطاءه المتكررة، إلا أنه أمعن في تعميقها، فمن من المسؤولين يمكن له إيقاظ تلك الغفلة؟ كنت أظن أني الوحيد الذي يقف ضد ما يحدث في المهرجان، لكن وجدت الكثيرين يحملون الآراء المنتقدة للمهرجان، والكثيرين أيضاً يُعرضون عن إبداء آرائهم فيما يحدث.
ولأن قاعدة من ينتقدني هو ضدي، كف المتابعون والمنشغلون في عالم السينما عن انتقاد المهرجان .
هذه ليست مقالتي، وإنما آراء) مخرجة سعودية) وجدت عنتاً لما يحدث في المهرجان، وسوف أبدأ بآرائها، فقد رأت أن السلوكيات الماضية كشفت بعض اختلالات إدارة المهرجان، وسوف أعرضها كرأي واحد (من آراء كثيرة) :
«في مهرجان البحر الأحمر تكررت حالات إقصاء الأفلام السعودية خلال دوراته، رغم إسهام صنّاعها في النهضة الفنية التي تشهدها المملكة. كما يتكرر رفض الأعمال في مراحل مختلفة دون معايير واضحة أو نقد فني مهني يمكن البناء عليه. هذا التكرار لا يمكن فهمه كحالات فردية، بل كنمط يعكس خللاً بنيوياً في طريقة التعامل مع الفنان السعودي المستقل، خصوصاً حين لا يكون قابلاً للاستخدام الدعائي أو التوظيف الرمزي.
الإشكال لا يكمن في المنافسة أو الاختلاف الفني، بل في منظومة تُكافئ الاستعراض على حساب التجربة، وتستثمر في النجومية المستوردة بدل الاستثمار في بناء مسار مستدام لصنّاع السينما السعوديين. تُصرف ميزانيات ضخمة على الواجهة، بينما يُهمَّش الفنان السعودي الذي راكم خبرته عبر سنوات طويلة من العمل الجاد، أو يُستدعى كحضور شكلي لا كصاحب مشروع ورؤية.
ويزداد هذا الخلل وضوحاً في مهرجان البحر الأحمر، مع سيطرة بعض الأسماء على مفاصله؛ حيث تتكرر الأسماء ذاتها في الترشيحات، والجوائز، واللجان، والورش، في دورة مغلقة تُعيد إنتاج نفسها عاماً بعد عام. المشكلة تكمن في تهميش كل من هو خارج هذه الدائرة، خصوصاً من لا يملك شبكة علاقات نافذة، بغضّ النظر عن كفاءته أو تاريخه المهني. هذا النمط ليس سراً، بل ملاحظة شائعة بين العاملين في الحقل السينمائي، ويؤدي إلى إقصاء التنوع الحقيقي، ويُضعف مبدأ تكافؤ الفرص، ويحوّل المنصّة من مساحة اكتشاف إلى دائرة مغلقة.
ويتجلّى هذا الخلل أيضاً في ممارسات تنظيمية داخل المهرجان تخلق تصنيفاً داخل الفعاليات نفسها؛ حيث تُقسَّم الدعوات إلى فئات متعددة من بطاقات الـVIP والمساحات المغلقة، بما يضع الفنان السعودي في مواقف مُحرِجة إذا لم يحمل (البطاقة الصحيحة)، وكأن حضوره يحتاج إلى إذن إضافي داخل فضاء يُفترض أنه مخصص له.
والأكثر إشكالية أن هذا التقسيم يكرّس مسافة مصطنعة بين الفنان السعودي وبين (المشاهير) الذين صُرفت عليهم ميزانيات ضخمة، فيُمنع الاختلاط الطبيعي، ويُرسَّخ شعور بأن المبدع السعودي عنصر ثانوي داخل حدث يُقام على أرضه وباسمه. هذه ليست مسألة تنظيم، بل مسألة كرامة ثقافية.
الأكثر إيلاماً هو أن الفنان السعودي لا يُكرَّم بوصفه ابن هذه الأرض، ولا يُحتضن بوصفه حاملاً لذاكرة وثقافة وتجربة معاصرة، بل كثيراً ما يُقابَل بالشك، أو يُختزل في هويته، لا في منجزه.
أنا لا أطلب استثناءً، ولا أبحث عن مجاملة. ما أطالب به هو إنصاف مهني حقيقي: معايير واضحة، شفافية في الاختيار، وإعطاء الفرص بين المبدعين، واحترام للتجربة المتراكمة. فالعالمية لا تتناقض مع الهوية الوطنية، بل تنطلق منها. وأنا مخرجة عالمية من بلدي السعودية، لا ضيفة عابرة ولا واجهة مؤقتة.
السينما لا تُبنى بالسجاد الأحمر، ولا بالصور السريعة، بل بالثقة، والاستمرارية، والاعتراف الحقيقي بالفنان السعودي بوصفه شريكاً في صناعة الثقافة، لا أداة تكميلية لها. وأي مهرجان لا يضع الفنان في مركزه، سيبقى حدثاً عابراً، لا ذاكرة». (انتهى كلام المخرجة)، وما زالت هناك أقوال أخرى تُظهر قصور مهرجان البحر الأحمر عن أداء دوره السينمائي الفعلي.
انتهى رأي) المخرجة السعودية) وما زال هناك سؤال يحوم في أفق السينما السعودية:
- من يستطع إيقاف ما يحدث في ذلك المهرجان الذي فرحنا به داعماً للسينما السعودية فإذا به يغلق الباب أمام الباحثين عن نهضة الأفلام السعودية، من؟
وبعد هذا السؤال تكون الأمنية متجدّدة باستعادة هذا المهرجان بعد تغيّر الإدارة السابقة.. فقط أمنية.
من يعالج أخطاء مهرجان البحر الأحمر؟
كتاب ومقالات