لهنَّ بيت شعبي تسكنه رائحة ذاكرة أب وأم تُوفيا.. كنَّ يعدنَ إليه صيفاً وأعياداً لا ليسكنّه بل ليسكنهنَّ فيعيد لهنَّ أمهنَّ كاملة؛ ذكرياتها، رائحتها، حضورها.. بيت عتيق لا يقاس بقيمة حجراته بل بما يتعلق بجدرانه من صوت، وما تراكم في زواياه من دعاء، وما استقر في دولابه من أثر 40 عاماً ويزيد، ثوب ومقتنيات صامتة تحكي عندما تُرى وتُلمس.. ذلك وصف لإحداهن أنقله بتصرف.

إنها طمأنينة فقدٍ تداوي الذاكرة على هيئة دولاب أحمر عتيق مكسو بألوان غير صريحة.. دولاب في صدره نقوش هندسية مائلة، أخضرها باهت كأوراق خفّ لونها وبقيت روحها مرصوصة كنبض متكرر.. دولاب مرَّ عليه الزمن لا ليبهته بل ليعمقه.. دولاب تتخلله شبكات حديدية تشبه القفص، لا لتحبس ما بداخله إنما لتحميه من الغياب.. من هنا تنشأ القصة بعمق ألمها.

وكما نُقل عن سيدة الذاكرة؛ تقرر ترميم البيت بشرط المحافظة على بقائه عتيقاً، فأُخرجت مؤقتاً بما بداخله، ومنها ذلك «الدولاب»، لتعود إلى مكانها عقب الترميم، فجاء «الأخ المتسلط» ليتخلص منها عدواناً وتصفية لأحقاد قديمة ببيعها بثمن بخس، فيحترق الجسر الوحيد الذي يوصلهنَّ بأمهنَّ.. لم يكن ذلك الفعل إزالة أشياء بل محو قسري للشعور المصاحب.. كان أشبه باقتلاع قلب البيت وانطفاء محور كانت تدور حوله الأرواح.. واغتصاب ناعم لا يُرى، لكنه يترك في الروح شقوقاً لا تلتئم، وفراغاً لا يُملأ.

فعندما تكون سلطة (الأخ) قراراً فردياً قاسياً مقابل حق (الأخت) في ذاكرة خاصة وحق عاطفي وشفاء جزئي من فقدٍ قدري؛ تشعر بالعجز أمام محو ما لا يمكن استعادته.. وعندما يُفقد الأمان العاطفي المرتبط بالمكان؛ تتشكل قطيعة وجدانية داخل الأسرة، ونوع من الألم لا يصرخ لكنه يستقر.

‏ليست القصة عن بيت أثري، إنما سؤال أخلاقي مهم: من يملك الحق في محو ذاكرة ليست له وحده؟ تتبع هذا السؤال استفهامات محورية أخرى: أين يمضي الإنسان حين يطيل يديه حتى على ذاكرة الآخرين؟ ألا يكتفي بوجع الموت ليضيف إليه وجعاً مصنوعاً بأيدٍ حية؟ وأين قيمة «ولا تنسوا الفضل بينكم»؟.. فضلٌ يشمل الأم والذكرى والرحمة.