في مشهد يلفُّه الغموض، تتراكم الإشارات المتناقضة حول مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل، دون أن تتضح بعد معالم الطريق نحو التهدئة. لا مفاوضات فعلية بدأت، ولا الحرب تقترب من نهايتها، فيما تتقدم الوقائع ببطء، محمَّلة برسائل سياسية تتجاوز ظاهرها. في هذا الفراغ الملتبس، لا يبدو أن التعطيل مجرد نتيجة، بل جزء من إدارة مقصودة للمسار، حيث تختلط الضبابية بالتشدد، ويُترك الباب موارباً أمام احتمالات متناقضة.

التفاوض كأداة مكمّلة للحرب لا تتعامل إسرائيل مع ملف التفاوض كمسار لوقف النزيف، بل كأداة مكملة للآلة العسكرية. فبدل أن تفتح باباً جدياً للحلول، تعمد إلى تفخيخ هذا المسار بسلسلة شروط وتسريبات تجعل من أي طاولة حوار محتملة «حقلاً للألغام»، لا أرضاً صالحة للتسوية. ولعل ما صرّح به وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر برفض التفاوض مع الدولة اللبنانية، يختصر هذا التوجّه، فبوابة السياسة في العقل الإسرائيلي الحالي لا تُفتح إلا بمفاتيح «الميدان» وإملاءاته.

المؤشرات المتراكمة تفيد بأن تل أبيب لا تستعجل الجلوس إلى الطاولة، بل تسعى لتحسين موقعها الجيوسياسي أولاً. لذا، نراها تعطل المبادرات وترفض القنوات الرسمية، وتلوح بسقوف مرتفعة تصل إلى حد المطالبة بإعادة صياغة هوية العلاقة مع لبنان بالكامل. وفي هذا السياق، يتحول التفاوض من وسيلة لإنهاء المعركة إلى «جبهة ثانية» تُدار فيها المواجهة بالضغط النفسي والسياسي.

لعبة التناقضات و«الألغام»

تعتمد إسرائيل أسلوباً مزدوجاً: ضغط ميداني كاسح، وضخّ إعلامي مضلل. تسريبات عن «اتفاقات سلام» أو «انضمام لاتفاقات إبراهيمية» عبر منصات دولية مثل (أكسيوس)، تهدف بالدرجة الأولى إلى إرباك الداخل اللبناني ودفعه نحو الانقسام. هذا الأسلوب ليس مجرد (بروباغندا)، بل هو إستراتيجية «المرونة المفخخة» التي يتبعها بنيامين نتنياهو، والتي يمكن تلخيص ألغامها في خمس نقاط وهي:

اللغم الأيديولوجي: بتكليف المتشدد رون ديرمر بملف لبنان، لإرسال رسائل مخادعة للإدارة الأمريكية ورفع سقف الشروط السياسية.

لغم السيادة: تسريب مطالب تعجيزية مثل «الاعتراف بإسرائيل» لضرب صدقية الدولة اللبنانية وإحراجها شعبياً.

اللغم العسكري: الدفع بتعزيزات هجومية (لواء غولاني والفرق 98 و36) بالتزامن مع الحديث عن الدبلوماسية، لتأكيد أن «النار» هي المحرك الوحيد.

التضليل الدبلوماسي: نشر مواعيد وهمية لاجتماعات تفاوضية -كما فعلت (هآرتس)- لإظهار الجانب اللبناني بمظهر المعرقل.

التفاوض تحت التهديد: الإصرار على استمرار العمليات العسكرية أثناء البحث في الأوراق السياسية لانتزاع تنازلات سيادية «تحت الضغط».

عناوين ما بعد الحرب: الجغرافيا الجديدة

في العمق، تسعى إسرائيل لفرض ثلاثة عناوين إستراتيجية: أمنياً؛ إنشاء منطقة عازلة جنوب الليطاني تضمن تغيير قواعد الاشتباك جذرياً. سياسياً؛ محاولة تقليص الحضور الفاعل لحزب الله في مفاصل الدولة. ودبلوماسياً؛ الدفع نحو علاقات مباشرة تبدأ بفتح مكاتب تمثيلية، وهو ما تروج له تل أبيب تحت مسمى «اتفاق سلام» لرفع سقف التفاوض إلى أقصى حدوده.

لكن السؤال الجوهري: هل تملك إسرائيل القدرة على ترجمة هذه الطموحات؟ الواقع أن تل أبيب تدرك أن الضغط السياسي لا يكفي لانتزاع تنازلات سيادية ما لم يقترن بفرض حقائق جغرافية تحت النار ومن هنا، نفهم الإصرار الإسرائيلي على التوغل في محاور «الخيام»، «وادي السلوقي»، و«مثلث القوزح»، حيث تحاول تحويل القوة النارية إلى أوراق ضغط رابحة.

الفراغ الدولي وغياب الضمانات

لا شك أن إسرائيل تستفيد من ضبابية الموقف الأمريكي الذي يبدو في مرحلة انتقالية تمنح نتنياهو ضوءاً أخضر ضمنياً لاستكمال أهدافه العسكرية. ففي وقت يغيب فيه الضامن الدولي الفاعل والقادر على لجم التغوّل الميداني، يجد لبنان نفسه وحيداً في مواجهة الشروط الإسرائيلية. هذا الفراغ في الضمانات الدولية هو ما يجعل المبادرات اللبنانية، رغم واقعيتها تبدو وكأنها تدور في حلقة مفرغة، إذ لا يكفي أن يمتلك لبنان الرسمي تصوراً للحل، ما لم يقابله ضغط خارجي يجبر تل أبيب على مغادرة منطق الإملاءات.

بين محاولات «الإطفاء» ونيران «الارتهان»

في مشهد سريالي، تبدو الدولة اللبنانية اليوم كمن يحاول إطفاء حريق هائل بـ«أدوات ورقية»، حيث تتصادم المساعي الرسمية للرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام مع جدار صلب من الاستعصاء الداخلي والارتهان الخارجي. فبينما يجهد لبنان لانتزاع تفاوض يحمي ما تبقى من السيادة، يبرز موقف الرئيس نبيه بري كفرملة مذهبية ترهن تشكيل الوفد المفاوض بشروط تعجيزية، مما يعمق حالة الشلل المؤسساتي ويترك البلاد بلا غطاء دبلوماسي حقيقي.

هذا الاستعصاء السياسي يتقاطع موضوعياً مع الأجندة الميدانية، إذ يواصل حزب الله المضي في إستراتيجية الاستنزاف التي تحولت عملياً إلى مسار انتحاري لا يخدم سوى مشروع وحدة المسارات. إن إصرار الحزب على مصادرة قرار الحرب والسلم وربط مصير اللبنانيين بخرائط نفوذ طهران، لم يؤد سوى إلى تهديم مقومات البلاد وتحويل بيئته واللبنانيين جميعاً إلى وقود لمعركة لا تملك فيها بيروت كلمة الفصل. وبين تعنت بري في السياسة وانخراط الحزب في محرقة المساندة الإقليمية، تتبخر هوامش المناورة الرسمية، ويُدفع بلبنان قسراً نحو انكشاف كامل أمام الألغام الإسرائيلية.

إن ما يشهده لبنان ليس معركة الدفاع عن لبنان، بل هو اشتباك إقليمي بالوكالة يُخاض بأدوات لبنانية فوق جغرافيا مستنزفة. حيث تراهن إسرائيل على انحلال الدولة وتفكك موقفها الرسمي لفرض شروط «اليوم التالي». وبين الألغام السياسية والضغوط الميدانية، يبقى الحسم معلقاً في مكان واحد: حيث تقرر فوهات المدافع حدود التنازلات الممكنة، في مواجهة مشروع إسرائيلي لا يبدو أنه سيكتفي بضمانات أمنية بسيطة، بل يطمح لتغيير وجه المنطقة بالكامل.