استعاد القنصل العام لجمهورية كازاخستان بجدة نائب المندوب الدائم لدى منظمة التعاون الإسلامي روسلان كوسبانوف، ذكريات الطفولة مع والديه في السير وسط الثلوج في درجات حرارة تصل إلى 25 درجة تحت الصفر، لتناول إفطار رمضان في بيوت الأصدقاء، «كنا نمشي وكان الدخول إلى منزل دافئ مليء بالأطعمة الساخنة بعد البرد القارس سعادة حقيقية لطفل».
القنصل روسلان كوسبانوف تحدث عن طقوس رمضان وبعض خواطره في الشهر الكريم
والدتي والصيام
• ماذا يعني لكم قدوم شهر رمضان المبارك؟
•• يمثّل شهر رمضان بالنسبة لي وقتًا خاصًا للتأمل الروحي، وتعزيز الشعور بالامتنان، وتحقيق التوازن الداخلي. وفي ظل عملي في جدة، يذكّرني هذا الشهر على وجه الخصوص بالمسؤولية والرحمة، وضرورة الوقوف إلى جانب من يحتاجون إلى الدعم والمساندة.
• هل يتغيّر برنامجكم اليومي خلال شهر رمضان؟
•• نعم، يطرأ تغيير على البرنامج اليومي. فعمل القنصل العام يتطلّب البقاء على تواصل دائم مع المواطنين الكازاخستانيين، ولا سيما الحجاج الذين قد يواجهون ظروفًا صعبة. ومع ذلك، أحرص خلال شهر رمضان على تنظيم وقتي بشكل أكثر وعيًا، بما يحقق التوازن بين الواجبات المهنية والعبادة والحياة الأسرية.
• ما العادة التي تحرصون عليها مع بداية الشهر الفضيل؟
•• مع بداية شهر رمضان، أحرص على تعزيز التواصل مع أفراد أسرتي. أتواصل بشكل متكرر مع ابنتي الكبرى التي تدرس في السنة الثانية بالجامعة في أستانا، وكذلك مع والدتي التي تبلغ من العمر 81 عامًا في شهر مارس، والتي لا تزال، رغم سنّها، تحرص على الصيام. هذا التواصل يمنح الشهر بُعدًا إنسانيًا وروحيًا عميقًا.
لا يقتصر على الامتناع
• في أي ساعة من ساعات رمضان تشعرون بأكبر قدر من السعادة؟
•• أشعر بسعادة خاصة في لحظة الإفطار، إذ يسود شعور عميق بالامتنان حتى بعد يوم عمل طويل. كما أقدّر كثيرًا الساعات التي تسبق صلاة الفجر، لما تحمله من سكينة وصفاء وفرصة للتأمل الصادق.
• لماذا نخصّ شهر رمضان بالأطباق والموائد المميّزة؟
•• لأن شهر رمضان لا يقتصر على الامتناع، بل هو شهر الفرح والكرم ولمّ شمل الأسرة، فالاجتماع على مائدة الإفطار يُعد تعبيرًا عن الشكر لله وتجسيدًا لقيم السخاء والتآخي.
• متى بدأتم الصيام بشكل جاد، وكيف كانت تجربتكم الأولى؟
•• بدأت الصيام بشكل واعٍ وجاد خلال سنوات الدراسة الجامعية، أما في الطفولة والمرحلة المدرسية، فقد كنت أجرّب الصيام أحيانًا مع جدي وجدتي، ولكن ليس بشكل منتظم. وكان أول صيام كامل تجربة فارقة في مسيرتي الروحية وفي مسار النضج الداخلي.
عصائد الأرز
• ما موقف والديكم من صيامكم في سن مبكرة؟
•• كان والداي يتعاملان مع الأمر بتفهّم وحرص. دعما رغبتي في الصيام، لكنهما لم يفرضا عليّ ذلك، إذ كان الحفاظ على الصحة دائمًا في المقام الأول.
• ماذا كنتم تتناولون في السحور سابقًا وحاليًا؟
•• كنا نتناول في السحور أطعمة خفيفة مثل الألبان وعصائد الأرز، مع الحرص على عدم إثقال الجسم. وأحرص دائمًا على شرب كمية كافية من الماء. وبفضل عملي في جدة، أتاح الله لي شرب ماء زمزم، بل وإرساله أيضًا إلى أهلي في كازاخستان.
أطعمة بسيطة ومتوازنة
• كيف يبدو برنامجكم الرمضاني من الفجر إلى السحور؟
•• بعد صلاة الفجر أبدأ بالمهمات الرسمية، وخلال النهار أكون على تواصل مستمر مع المواطنين والشركاء، وفي المساء يكون الإفطار ثم الصلاة وقضاء الوقت مع الأسرة، أما الليل فأحاول تخصيصه للتأمل والعبادة، ثم السحور.
• ما الأطباق التي تفضلونها على مائدة الإفطار؟
•• نحرص في البداية على الإفطار بالتمر والماء، اقتداءً بسُنّة النبي محمد ﷺ، وهو تقليد متّبع في كازاخستان ويحمل بُعدًا دينيًا وروحيًا عميقًا. بعد ذلك أفضل البدء بالحساء، ثم الأطباق المصنوعة من اللحم المفروم أو الدجاج أو السمك وهي أطعمة بسيطة، لكنها مغذية ومتوازنة.
تقاليد المجتمع السعودي
• مع من تحرصون على مشاركة الإفطار أو السحور؟
•• غالبًا ما يدعونني أصدقاء من المجتمع المحلي إلى الإفطار. أحيانًا تكون مناسبات رسمية، وأحيانًا زيارات خاصة تتيح لي التعرّف عن قرب على تقاليد المجتمع السعودي وكرم ضيافته.
• ماذا أخذت منكم مهنة الدبلوماسية وماذا أعطتكم؟
•• مهنة الدبلوماسية ترتبط ببعض القيود؛ فقد تمر سنوات دون لقاء الأصدقاء أو الأقارب. لكنها في المقابل منحتني خبرة واسعة، ومن خلال سنوات العمل في وزارة الخارجية أصبح لدي منظور أشمل وأعمق تجاه ما يجري في العالم، وفهم أدق لتعقيدات العلاقات الدولية.
• هل تتابعون البرامج الإذاعية أو التلفزيونية خلال رمضان؟
•• في عصر التكنولوجيا الرقمية، لا يتوفر دائمًا وقت كافٍ للمتابعة التلفزيونية، إذ يوفّر الهاتف الذكي معظم المعلومات. ومع ذلك، أعلم أن شهر رمضان يشهد برامج خاصة ذات طابع ديني وثقافي وترفيهي، وأحرص على متابعتها كلما سنحت الفرصة.
• أين درست المرحلة الابتدائية؟
درست المرحلة الابتدائية في مدينتي الأم شمال كازاخستان، وهي مرحلة لا تزال حاضرة بقوة في ذاكرتي وتحمل الكثير من الذكريات.
• هل ما زلتم على تواصل مع زملاء تلك المرحلة؟
•• العديد من زملاء الدراسة، مثلي، غادروا المدينة. بعضهم يعيش في مناطق مختلفة من كازاخستان، وآخرون في دول أخرى، لكننا نحاول الحفاظ على التواصل فيما بيننا.
مشوار وسط الثلوج
• ما أبرز الذكريات العالقة من الطفولة؟
•• أتذكر جيدًا كيف كان والداي يأخذانني شتاءً خلال شهر رمضان إلى بيوت الأصدقاء لتناول الإفطار. كنا نمشي وسط الثلوج في درجات حرارة تصل إلى 25 درجة تحت الصفر. وكان الدخول إلى منزل دافئ مليء بالأطعمة الساخنة بعد ذلك البرد القارس سعادة حقيقية لطفل.
• لماذا يتناقص عدد الأصدقاء مع التقدّم في العمر؟
•• لأن الحياة تمتلئ بالمسؤوليات، ولا يبقى إلى جانب الإنسان مع مرور الوقت إلا من تجمعه بهم روابط إنسانية وروحية صادقة.
من يتحلى بالحكمة لا يخاصم
• ما حكمتكم المفضّلة، والشعر الذي تحبونه، واللون الأقرب إليكم؟
•• تروق لي الحكمة الكازاخية «دوسى كوپتى جاو ئالمايدى، ئاقىلى كپتى دائ المايدى»، (من تحيط به الصداقة لا يُهزم، ومن يتحلّى بالحكمة لا يُخاصم).
وتُبرز المعنى العميق للمثل: أن الوحدة والتكاتف تحمي الإنسان من الأعداء، وأن العقل والحكمة يجنبانه النزاعات، وهي تؤكد أهمية الوحدة، والصداقة، والدعم المتبادل، والسعي إلى المعرفة. وهي قيم أساسية في كل زمان، ولا سيما في العمل الدبلوماسي.
أحب الأعمال الكلاسيكية في الأدب والشعر العالمي، وأحرص على إعادة قراءة بعضها. ومع مرور السنين، بدأت أكتشف معاني أعمق في الشعر الشعبي الكازاخي البدوي، الذي لم أكن أدرك أبعاده كاملة في شبابي، أما ألواني المفضلة فهي الأبيض، والأخضر، والأزرق، لما تحمله من هدوء وإحساس بالدفء والراحة.
شكراً لكم
• هل لديكم ميول رياضية؟
•• أحب كرة القدم، وكرة السلة، والريشة الطائرة، والملاكمة، وهوكي الجليد. لست مشجعًا لفريق أو لاعب بعينه، لكنني أقدّر الرياضة كقيمة إنسانية تعكس روح المنافسة النزيهة، وأرى أن الرياضيين أشخاص عظماء.
• ما الجديد لديكم في شهر رمضان هذا العام؟
•• أرى أن رمضان نعمة عظيمة أخرى من الله ينبغي أن نحسن استقبالها. أعتقد أن ابني طاهر، البالغ من العمر 8 سنوات، سيكون قادرًا على إتمام الصيام كاملًا لما لديه من رغبة كبيرة. وإن واجه صعوبة، فلا ينبغي الضغط على نفسية الطفل، فالله العليم الغفور الرحيم.
• كلمة أخيرة تودّون توجيهها؟
•• أشكر كل من كان سببًا، بمشيئته، في وجودي في المملكة العربية السعودية، مهد الإسلام والعالم الإسلامي. وأسأل الله أن يديم على المملكة، وقيادتها الحكيمة والرشيدة، وشعبها السعودي الشقيق المضياف، نعمة الأمن والازدهار والتقدم.