لطالما استُخدمت العقوبات الدولية كأداة حاسمة للضغط على بعض الدول للانصياع لقرارات المجتمع الدولي وإنهاء الصراعات، أو كمحاولة لحملها على التخلي عن سلوكياتها العدائية والانضمام للمجتمع العالمي السلمي، وعلى الرغم من اللجوء كثيراً لهذا السلاح إلا أنه من الملاحظ أنه نتائجه تبدو ضعيفة للغاية بل وغير مؤثرة في الكثير من الحالات، فغالباً لا توجد نتائج واضحة أو متبلورة لسلاح العقوبات الدولية، كما أنه من الملاحظ أنه ليس لها دور كبير في تغيير سلوك دولة ما أو انصياعها لما يطلبه منها المجتمع الدولي الذي فرض عليها تلك العقوبات، إلى الحد الذي بدا وكـأن العقوبات تطيل عمر الأزمات وليس العكس!.
تصنف العقوبات الدولية على أنها أداة ضغط سياسي فعال وبديل حضاري ودبلوماسي عن الحرب، غير أن الواقع بتجاربه المتعددة أثبت أن الأمور أكثر تعقيداً بكثير مما يروج له، فعلى سبيل المثال فقط لا الحصر، تم فرض عقوبات عديدة ومختلفة على إيران منذ عقود، وما إن تُرفع حتى يُعاد فرضها مرة أخرى بشروط أصعب وبطريقة يصعب تفاديها، غير أنها على الرغم من كل ذلك لم تأتِ بأي نتيجة مرجوة منها، ولم تمنع وقوع الحرب الدائرة ضدها حتى لحظة كتابة هذه السطور.
من المؤكد أن هناك العديد من الأسباب التي تقف خلف ضعف وإضعاف تأثير العقوبات الاقتصادية على سبيل المثال، والتي يبدو وكأنها لا تمس جوهر القرار السياسي، غير أن أهمها هو تداخل العنصر السياسي والاقتصادي معاً، فالدول لا تتخذ قراراتها بمنطق الربح والخسارة فحسب، بل تتداخل لديها اعتبارات السيادة والهيبة وسمعة النظام السياسي الحاكم، وهو ما يؤدي بطبيعة الحال لإلقائها عبء العقوبات الاقتصادية على الشعب وعلى الشرائح الاجتماعية الأكثر فقراً رغم عدم قدرتها على تحمل تلك العقوبات، مما يرشح استمرار الأزمة لفترات طويلة دون أن تتأثر النظم الحاكمة جوهرياً بنتائج تلك العقوبات على نحو جذري.
كما أن الانصياع لقرارات خارجية مفروضة يجعل الأنظمة الحاكمة تبدو كما لو كانت العنصر الأضعف في مواجهة القوى الخارجية التي تسعى لفرض قراراتها ولي عنق سيادتها، وهو ما يثير حساسيات عميقة لدى غالبية الشعوب، مما يسهل على تلك الأنظمة استغلالها لإعادة التماسك والترابط بين صفوف الشعب، ويجعله أكثر استعداداً للتضحية وتحمل التكاليف الباهظة لتلك العقوبات، حيث تعمل الآلة الإعلامية لتلك الدول في هذه الظروف على تصوير تلك العقوبات على أنها نوع من الحصار أو الاستهداف أو السعي للتأثير على القرارات السيادية للدولة.
من المؤسف أن نجد النتائج المتوقعة لتلك العقوبات تسير في الاتجاه الخاطئ بل والعكسي في الكثير من الأحيان، فالعقوبات لا تقع على صاحب القرار الذي يجد الكثير من الوسائل والطرق للالتفاف عليها، بل تقع على الشعوب وعلى بعض القطاعات الأكثر حيوية التي تفتقد وقتذاك للتمويل الكافي –مثل الصحة والتعليم- مما يؤدي لتدهورها وتدهور خدماتها بشكل كبير.
لاشك أن التلويح بسلاح العقوبات الدولية لا يفتح مسارات التفاوض بل يغلقها، ولو نظرنا للعقوبات الموجهة ضد بعض السياسيين باعتبارها تبدو كما لو كانت أكثر دقة وإنصافاً من العقوبات الشاملة، نجد أنها في حقيقة الأمر محدودة النطاق والفاعلية، فاستهداف شخصيات بعينها لا يعني بأي صور من الصور تأثير ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر على القرار السياسي لدولة ما، وبخلاف ذلك عادة ما تملك تلك الشخصيات شبكات مالية معقدة ذات واجهات مراوغة، وقد يملكون أسماءً بديلة وهويات مختلفة، ولديهم قدرات كبيرة على التلاعب وغسل الأموال والاستفادة من ثغرات أي نظام والالتفاف على أي قيود.
من المعتاد أن يتم التعامل مع العقوبات في بعض الأحيان على أنها الحل الأبسط لإدارة أي أزمة، فبمجرد أن تلوح أي أزمة يتم إشهار سلاح العقوبات بدلاً من الانخراط في مفاوضات جادة لتسوية الأزمات بجدية، وغالبية الدول التي تقع عليها عقوبات تتكون داخلها شبكات غير رسمية من ذوي المصالح الذين يسعون للاستفادة من فرض العقوبات على نحو يضر بمجتمعات تلك الدول، مما يضعفها ويزيد من معاناتها على المدى الطويل، ولاشك أن كل ذلك لا يعني التخلي عن فكرة فرض العقوبات الدولية، بل هي محاولة لوضعها في المسار الصحيح بحيث تكون جزءاً من رؤية متبلورة لحل أزمة ما، وليست مجرد مسار عقابي منفرد يمثل مشكلة بحد ذاته.
dr.mufti@acctecon.com
@Prof_Mufti