لم تعد المواجهات في عصرنا محصورة في المسرح المادي للصراع أو في أطر المواجهة التقليدية، بل امتدت إلى فضاء غير مرئي تتقاطع فيه المصالح خلف الشاشات. وفي هذا المجال برز الفضاء الإلكتروني بوصفه ساحة صراع جديدة تُدار فيها عمليات دقيقة تستهدف البنى التقنية التي تقوم عليها حياة المجتمعات واستقرار الدول.
تكمن خطورة هذا التحول في أن المرافق الحيوية التي يعتمد عليها الإنسان يوميًا مثل الطاقة والاتصالات والخدمات المالية أصبحت مرتبطة ببنية معلوماتية معقدة. وبات من الممكن، عبر شيفرات خبيثة محدودة، إرباك منظومات الكهرباء أو تعطيل خدمات مصرفية أو إحداث خلل واسع في قطاعات النقل والاتصال.
غير أن أكثر الحالات حساسية يتمثل في استهداف منظومات المياه. فسقوط شبكات الإمداد المائي في قبضة اختراق إلكتروني يمثل أحد أخطر التهديدات في عقيدة الأمن القومي؛ إذ لا يتعلق الأمر بخدمة تقنية يمكن تعويضها، بل بشريان الحياة البيولوجي للإنسان. فالتلاعب بأنظمة التحكم في محطات المعالجة أو في نسب المواد الكيميائية قد يحول المورد الأساسي للحياة إلى أداة ضغط تهدد سلامة ملايين البشر.
يزداد المشهد تعقيدًا لأن أساليب الاختراق تتطور بوتيرة متسارعة، بينما تعتمد كثير من وسائل الحماية التقليدية على التعرف إلى أنماط اعتداءات سابقة. غير أن التهديدات المستحدثة، مثل الهجمات غير المسبوقة، تظهر دون سوابق واضحة، مما يجعل الدروع التقنية الكلاسيكية أقل قدرة على اكتشافها مبكرًا.
في هذا السياق يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة دفاعية متقدمة. فالتقنيات الحديثة، مثل التعلم من أمثلة قليلة أو حتى التعلم دون أمثلة مسبقة، تمكّن الأنظمة الدفاعية من رصد الانحرافات السلوكية داخل البنية الشبكية وتحليلها بسرعة، دون الاعتماد الكامل على قواعد بيانات للهجمات المعروفة.
لقد أصبح الأمن الرقمي اليوم إحدى ركائز الاستقرار الوطني في العصر التقني. فحماية الدول لم تعد تبدأ من حدودها المكانية فحسب، بل من قدرتها على صون فضائها المعلوماتي وتأمين مواردها الحيوية من العبث الإلكتروني. وفي عالم يتسارع فيه الابتكار بوتيرة غير مسبوقة، تغدو القدرة على بناء دفاعات ذكية ومتكيّفة شرطًا أساسياً لضمان الاستقرار واستمرارية الحياة.

* خبير إستراتيجيات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني