لا يجمع البشر الحب كما يقال.. ولا تفرقهم الكراهية كما يروّج.. الذي يجمعهم غالباً هو تقاطع المصالح.. والذي يباعد بينهم هو تعارضها.. وبين التقاطع والتعارض تدور أكثر المعارك هدوءاً.. وأكثر الابتسامات برودة.
الحضارة لم تلغِ شريعة الغاب.. هي فقط ألبستها بدلة رسمية.
في الغابة يفترس القوي الضعيف بلا خطاب إخلاقي.. وفي المجتمع قد يحدث الشيء نفسه لكن عبر أنظمة.. وعقود.. وتحالفات.. وتفسيرات قانونية.. وتبريرات ذكية.. تتغيّر الأدوات.. ولا يتغير الدافع.
قال توماس هوبز.. الإنسان ذئب لأخيه الإنسان.
ليست عبارة أدبية.. بل توصيف لطبيعة تنفلت إذا غاب الضابط.
صراع البقاء ليس فكرة بيولوجية فقط.. بل سلوك اجتماعي متكرر.. وظيفة.. صفقة.. نفوذ.. مكانة.. فرصة.. كلها ساحات افتراس ناعم.. كم من حق أزيح لأن صاحبه ضعيف.. وكم من فرصة خطفت؛ لأن الخاطف أسرع لا أحق.
المصالح لا تعرف الوفاء بطبيعتها.. الوفاء قيمة تزرع فوقها.. لذلك حين تترك المصالح بلا تهذيب تتحوّل العلاقات إلى سوق.. والناس إلى أدوات.. والوعود إلى أوراق تفاوض.
قال ميكافيلي.. الغاية تبرر الوسيلة.
لم يكن يعلم الفضيلة.. بل يشرح كيف يفكر الطامح إلى السلطة حين تتقدم المصلحة على المبدأ.
هل الإنسان محكوم بهذه الفطرة الصراعية فقط..؟ لو كان كذلك لما بقي معنى للتضحية.. ولا للعدل.. ولا للرحمة.. ولا للأمانة حين لا يراك أحد.
هنا يأتي الدين.. لا كطقس.. بل ككابح.. كميزان يقيّد اليد حين تقدر.. وكضمير يبقي للحق قيمة حتى حين لا توجد كاميرات.
في الحديث الشريف.. لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
هذه العبارة وحدها تهدم شريعة الغاب من جذورها.. لأنها تنقل الإنسان من منطق الغلبة إلى منطق المشاركة.
وقال ابن خلدون.. الظلم مؤذن بخراب العمران.
ليست موعظة.. بل قانون تاريخي.. المجتمعات التي تطلق يد المصلحة المجردة تسقط.. ولو بعد حين.. لأن الثقة تتآكل.. والثقة هي العملة الحقيقية لأي عمران.
الدين لا يلغي المصلحة.. بل يهذبها.. لا يمنع السعي.. بل يمنع الافتراس.. لا يوقف التنافس.. بل يمنع الفتك.
وحين يتجرد الإنسان من خصال الدين.. أيّاً كان معتقده.. تعود الغابة فوراً.. حتى لو بقيت ناطحات السحاب واقفة.
الفارق بين إنسان متديّن حقاً.. وإنسان بلا وازع.. يظهر في لحظة القدرة.. هل يبطش.. أم يعدل.. هل يخطف.. أم ينصف.. هل ينجو وحده.. أم ينجو ومعه غيره.
الحضارة الحقيقية لا تقاس بارتفاع المباني.. بل بعمق الضمير.
وما لم تضبط المصالح بقيم أعلى منها.. سنظل نبدل اسم الغابة فقط.. لا قانونها.