مع اتساع دائرة التأثير الإعلامي وتنوّع منصات التواصل، أصبح حضور البعض في المشهد الإعلامي عنصراً حاسماً في إيصال الرسائل المؤسسية، وشرح المواقف، وتعزيز ثقة المتلقي، ولم يعد الظهور أمام الجمهور محصوراً في نقل المعلومة، بل بات ممارسة تتطلب إعداداً مهنياً، وتخطيطاً إستراتيجياً، وتقييماً مستمراً للأثر.
وسلط مستشار الظهور الاعلامي الدكتور ماجد جعفر الغامدي الضوء على منهجيات الإعداد للظهور، كاشفاً أبرز الأخطاء الشائعة، وآليات التقييم الحديثة، ودور المستشار الإعلامي في صناعة رسالة متّزنة، إضافة إلى رؤيته حول الاستثمار في الظهور الإعلامي.
وقال إن «الظهور الإعلامي» لم يعد اجتهاداً فردياً أو مهارة شخصية، بل تحوّل إلى أداة مدروسة تُسهم في صناعة الوعي، إذ تؤكد المعايير تعزيز الشفافية ووضوح التواصل ورفع كفاءة الأداء.
وانعكس هذا التوجه في عدد من المبادرات الحكومية، مثل المؤتمر الصحفي للتواصل الحكومي، الذي رسّخ نموذجاً للتواصل المباشر مع الرأي العام، إلى جانب تفعيل دور المتحدثين.
تردد في إبداء المعلومة
عن أبرز الأخطاء الشائعة التي يقع فيها البعض أثناء الظهور الإعلامي، رغم امتلاكهم محتوى قوياً، يرى الغامدي أن الأخطاء لا تتعلق بجوهر الرسالة، وإنما بطريقة تقديمها وإدارتها اتصالياً. وتبدأ من عدم الدقة في تحديد هدف الظهور، وعدم التركيز على رسائل واضحة، وعدم استخدام نماذج بناء المحتوى المناسب للسياق والجمهور، ويُعد التحدث بلغة فنية تقنية تفصيلية لا تراعي مستوى الجمهور العام من أكثر الأخطاء شيوعاً، والتي قد تؤدي إلى فجوة في الفهم للجمهور، وإضعاف الثقة بكفاءته.
كما يقع البعض في أخطاء الأداء للرسالة، مثل غياب التوافق بين الرسالة اللفظية ولغة الجسد أو النبرة «أكثر ما يزعجني الأداء المتردد عند تقديم المعلومة القوية التي تحتاج أصلاً إلى إبهار في الأداء والتقديم حتى تصنع الأثر».
غياب نجم الشمال
يتابع الغامدي: من أكبر الأخطاء التي تؤثر على سمعة المتحدث في الجهاز الإعلامي عدم وجود ما نسميه بـ«نجم الشمال»، وهو تحديد اتجاه لبوصلة الظهور؛ فكل ظهور يُفترض أن يكون مرتبطاً بإستراتيجية تواصل كبرى تمثّل الجهة، فلا يمكن التعامل مع الظهور بوصفه موقفاً عابراً، لا جزءاً من إستراتيجية تواصل مستمرة، أو الاكتفاء بالردود التفاعلية بدلاً من وجود رسائل مُعدّة بشكل مسبق، خصوصاً في القضايا المهمة.
ومن المنهجيات المهنية أو العلمية الأبرز المستخدمة حالياً في تقييم الظهور الإعلامي للقيادات والتنفيذيين انتقل تقييم الظهور من الانطباع الشخصي إلى القياس المنهجي القائم على مؤشرات واضحة.
ومن أهم هذه المقاييس مقياس تحليل الخطاب ونماذج تقييم الحضور التنفيذي وأدوات القياس الكمي للتأثير، مثل تحليل التفاعل الجماهيري، ومؤشرات الثقة، ونبرة التغطية الإعلامية قبل وبعد الظهور، إضافة إلى تقييم المخاطر الاتصالية.
تناسق لغة الجسد
ومن خلال تجارب العمل مع عدد من المسؤولين ظهر تأثير التدريب والمحاكاة في رفع مستوى تأثير الظهور، سواءً على المستوى المحلي أو العالمي، إذ يزداد وضوح الرسالة وتناسق لغة الجسد والأداء الصوتي.
ويرى الغامدي أن الحفاظ على اتساق الخطاب الإعلامي برغم تعدد المنصات يكون من خلال إستراتيجية واضحة، تقوم على بناء علامة شخصية مهنية، وتحديد الدور الاتصالي، ومواءمة الخطاب مع هوية الجهة، بما يمنع التكرار والتناقض ويعزز الصورة الذهنية المقصودة، ويتولى المستشار وفريق الاتصال المؤسسي قراءة السياق، وبناء الرسائل، وتقييم المخاطر، وتقديم التغذية الراجعة، بينما يبقى القرار النهائي ونبرة الحديث مسؤولية شخصية، فالاستثمار في إعداد وتقييم الظهور يُعد جزءاً أساسياً من الحوكمة، ويسهم في بناء الثقة وإدارة الرأي العام بوعي، خصوصاً في ظل تسارع الأحداث وقدرة الإعلام على تشكيل الصورة خلال دقائق.