للمرة الأولى في التاريخ، تخوض مئات العائلات الأمريكية والمراهقين والمناطق التعليمية مواجهة قانونية علنية ضد أقوى شركات التواصل الاجتماعي في العالم، متهمةً إياها بتصميم منصاتها عمداً بطريقة تُسبب الإدمان وتلحق أضراراً جسيمة بالصحة النفسية للأطفال.

وبحسب صحيفة الغاريان، تنطلق، الثلاثاء، في محكمة لوس أنجلوس العليا، سلسلة محاكمات غير مسبوقة قد يمثل خلالها عدد من الرؤساء التنفيذيين الكبار- من بينهم مؤسس «ميتا» مارك زوكربيرغ- للاستجواب تحت القسم.

اتهامات بإلحاق أذى واسع النطاق بالأطفال

وتشمل القضايا نحو 1,600 مدّعٍ، من بينهم أكثر من 350 أسرة و250 منطقة تعليمية، ويتهمون منصات «ميتا» (فيسبوك وإنستغرام)، و«سناب شات»، و«تيك توك»، و«يوتيوب» بالتسبب في الاكتئاب، واضطرابات الأكل، وإيذاء النفس، وأزمات نفسية أخرى لدى الأطفال والمراهقين بعد إدمانهم على هذه التطبيقات.

وقال مؤسس مركز ضحايا وسائل التواصل الاجتماعي ومحامي المدّعين ماثيو بيرغمان: «مجرد مثول شركة تواصل اجتماعي أمام هيئة محلفين هو أمر غير مسبوق في التاريخ القضائي الأمريكي».

أولى القضايا واختبار لهيئات المحلفين

ومن المتوقع أن تستمر أولى المحاكمات ما بين 6 إلى 8 أسابيع، وتتعلق بقضية شابة تبلغ من العمر 19 عاماً، عُرّفت في أوراق المحكمة بالحروف الأولى KGM، وتؤكد أنها أصيبت بمشكلات نفسية منذ طفولتها نتيجة إدمانها تطبيقات التواصل الاجتماعي.

وتُعد هذه القضية الأولى من نحو 22 محاكمة نموذجية (Bellwether Trials)، تُستخدم لقياس ردود فعل هيئات المحلفين وتوقع مسار آلاف القضايا الأخرى المجمعة ضمن إجراء قضائي منسق على مستوى ولاية كاليفورنيا.

مطالب بتعويضات وتغيير جذري في تصميم المنصات

ويسعى المدّعون إلى تعويضات مالية، إضافة إلى أوامر قضائية تُجبر الشركات على تعديل تصميم منصاتها ووضع معايير أمان شاملة على مستوى الصناعة.

وفي حال نجاح هذه القضايا، قد يؤدي ذلك إلى تغيير جذري في طريقة تصميم منصات التواصل الاجتماعي عالمياً، ويفتح الباب أمام موجة جديدة من الدعاوى القضائية ضد عمالقة التكنولوجيا.

رؤساء تنفيذيون تحت المجهر

ومن المتوقع أن يدلي بشهاداتهم كبار التنفيذيين، من بينهم: مارك زوكربيرغ (ميتا)، إيفان شبيغل (سناب شات)، آدم موسيري (إنستغرام)، فيما امتنعت «ميتا» و«سناب» عن التعليق، ورفضت «تيك توك» الإدلاء بأي تصريح، أما «يوتيوب»، فوصفت الاتهامات بأنها «غير صحيحة»، مؤكدة أن حماية المستخدمين الشباب «في صميم سياساتها».

وثائق سرية وشهادات صادمة

ويتوقع خبراء أن تكشف المحاكمات آلاف الوثائق الداخلية غير المعلنة، إضافة إلى شهادات مؤلمة لأطفال وأهالٍ تُنشر للمرة الأولى.

وقالت المحامية جوليا دنكان إن بعض الوثائق تتضمن اعترافات داخلية من موظفين يصفون التطبيقات بأنها «مخدرات»، ويشبّهون أنفسهم بـ«مروّجي إدمان»، في إشارة إلى خصائص مثل: التمرير اللانهائي، التشغيل التلقائي للفيديو، خوارزميات التوصية المصممة لإطالة زمن الاستخدام.

تشبيه بصناعة التبغ

ويعتمد فريق الادعاء على استراتيجية قانونية شبيهة بتلك التي أُستخدمت ضد شركات التبغ في تسعينيات القرن الماضي، حين أنكرت تلك الشركات لسنوات أن منتجاتها تسبب الإدمان رغم معرفتها بالأضرار.

وأكد بيرغمان أن هذه القضايا تمثل نقطة تحول قائلة: «هناك جيل كامل ضائع من الأطفال وما حدث لم يكن صدفة، بل نتيجة قرارات تصميم متعمدة».

معركة قانونية تتوسع

إلى جانب محاكم كاليفورنيا، من المقرر انطلاق محاكمات فيدرالية منفصلة في سان فرانسيسكو خلال يونيو المقبل، تشمل أكثر من 235 مدّعياً، من بينهم ولايات أمريكية ومدعون عامون من نحو 36 ولاية.

وتأتي هذه الدعاوى بعد شهادات مُبلّغين من داخل الشركات، وجلسات استماع ساخنة في الكونغرس، إذ وُجهت اتهامات مباشرة للمنصات بترويج محتوى يؤذي الأطفال.

وقالت جوليانا أرنولد، إحدى مؤسسات منظمة Parents RISE، التي توفيت ابنتها المراهقة عام 2022 بعد شراء مخدرات عبر إنستغرام: «كل أب وأم يعانون مع أطفالهم وهذه المنصات، كنا ننتظر هذه اللحظة منذ سنوات، لحظة خروج الحقيقة إلى العلن».