في أفلام العهد الفيكتوري والأفلام المصرية القديمة مشهد أيقوني يتكرّر بأساليب تصوير مختلفة وسيناريوهات متباينة، نشاهد الترزي أو الخيّاطة وهما يلفان حول عنقهما شريط قماشي مرصوف بالدبابيس بينما يعدّان بدلة البطل أو فستان السيدة، يبدو أنهما أخذا المقاسات في مشهد سابق، يتبع هذا المشهد مشهد بروفا آخر قبل أن يستلم البطل بدلته التي تأخر الخياط عن موعد تسليمها.

كانت صناعة الملابس عملية فنية معقدة تستهلك عدداً من الصناعات اليدوية منذ أول إزرار إلى تثبيت آخر شريط دانتيل.

يستغرق العمل على الملابس وقتاً طويلاً. كما كان جلوس سيدة المنزل خلف ماكينة الخياطة أمراً معتاداً حتى وقت قريب.

كانت أمهاتنا يملكن ماكينة خياطة كما نملك اليوم جوالات ذكية، ماكينة الخياطة تبدو كيد إضافية تعمل على رتق ثياب الأطفال وإصلاح ثياب الزوج وتصميم فستان مطرز فاخر للأعياد والأعراس، إلى جانب خياطة الستائر وأكياس المخدات ومفارش ومشغولات أخرى كثيرة.

وفي الأحياء السكنية كانت تنتشر محلات الخياطين الذي يوشكون الآن على الانقراض، الثياب كانت نادرة وباهظة الثمن، أما الآن فأشد الناس فقراً لديه خزانة ثياب مملوءة عن آخرها بأحدث التصميمات العالمية المقلدة التي نسختها المصانع في خطوط إنتاج تراعي رخص الخامات وكذلك رخص اليد العاملة.

عنوان المقال (جدد خزانتك) كان موضوع رسالة وصلتني عبر الإيميل كإعلان لموقع صيني شهير يبيع أردأ أنواع الثياب بأرخص الأسعار، لا أتحدث هنا عن الطبقية بل عن الثورة الصناعية التي قضت على الفرادة والبطء والفن ولم يبقَ منها غير ما كان موقعاً باسم مصمم عالمي رغم ما يتردد من أن هذه المنتوجات أيضاً مصنوعة في مصانع تستغل رخص اليد العاملة في دول العالم الثالث.

إن ما حدث لتاريخ الملابس يتكرر من حولنا في كل شيء يتم أتمتته ونحن نشاهد هذا التشوه والافتقار للذوق والإبداع من حولنا لكننا نحتفل بالغزارة والوفرة والكلفة الرخيصة. غداً سينطبق هذا الحديث على عالم الثقافة والتأليف والكتب، وقد بدأ هذا المد فعلاً، قرأت عن دار نشر ترجمت كتاباً ضخماً لشاتوبريان لكن أحداً لم يستطع قراءته بسبب الترجمة السيئة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. وسيكون هناك آلاف الكتب الذكية التي لا يستطيع قراءتها والاستمتاع بها أي أحد.