•• حدثني صديق، لا وزن له في الحياة، عن رغبته كتابة مذكراته ونشرها.. سألته: هل تمتلك شيئاً مختلفاً عن بقية من كتبوا سيرهم الذاتية لاقتداء الناس به؟.. لم يُجب.. هذا الرجل أعرفه منذ أعوام؛ عاش حياة كئيبة ومُرة ومُوجعة، يخرج من خذلان إلى انتكاسة، وكلها تركت في روحه ندوباً.. وفي حياته علامات سوداء سقته الندم، وأشعرته بالعجز، وتركت بداخله غيوماً رمادية.

•• البعض يكتب سيرة حياته ولا يشعر بالإثم حين يظن في نفسه أنه ذلك الكائن المتفرِّد.. يحاول إثبات قدرة لا يمتلكها، فيتعايش مع أحداث يضخمها وهي في الأساس معتادة عند الناس.. تلك الحياة البهيجة التي يدعيها ويكتبها بفخر هي في حقيقتها روح هائمة.. حياة فرد مقصوص الجناح تخلو من الدفء الإنساني.. لكنه يريدها (بالغصب) حياة ظاهرها الرحمة وباطنها في قِبلِها العذاب.

•• مثل هذا يشعر بالضمأ لإبراز حياة مطوَّقة التزوير.. وحين يشتد عليه العطش يتسلل إلى المجد في غفلة من الزمان.. يظن أنَّ لذة الحياة البئيسة التي عاشها ستتغير بنشر مذكراته التعيسة.. رجل في غاية الشعور بيتم الحياة فيجثم على صدور الناس بمذكرات تكسر جرات الفخار.. لا يبالي بمن (يرفس) ما كتبه بحافر الاحتقار.. يريد فقط أن يملأ روحه بسعادة لم يمتلكها.

•• من أراد أن يمسك بأيام حياته الرمادية الغائمة بالأحزان؛ فليبحث عن الحنين الصادق لا المؤدلج.. لا لينشرها بل لكي لا يشعر بانكسار وحشي يلازمه منذ زمن.. ولا ليموت الحب في قلبه فتتغير مشاعره وأحاسيسه المشتعلة.. ولا ليدب الصمت في داخله (فيعشعش) في روحه صراع رخامي.. إنما لينقضي ليله الطويل شديد البطء عليه، ويتسلل شعاع نهار أمله من خلف ستارة نافذته.

مدونو سيرهم الذاتية بين العذاب والرحمة:

ينصب نفسه كائناً متفرداً حين يكتب سيرته

يشعر بالضمأ لإبراز حياته مطوَّقة التزوير

لا يحس بالإثم عند كتابته قدرات لا يمتلكها

يدعي حياة بهيجة في حقيقتها روح هائمة