بمنتهى الشفافية والعفوية والعذوبة، يقدم لنا الوزير السفير الأكاديمي الشاعر الدكتور عبدالعزيز خوجة سيرته الحياتية والعملية طيلة ربع قرن محفوفة بالنوايا الحسنة، كما يؤكد في الصفحة 237 من كتابه (التجربة) الصادر مطلع العام عن دار جداول، وكما هو في الواقع نجده في السِفر غير المتضخم شأن كاتبه، يبني علاقة صداقة مع القراء ويوطّد وشائج التقدير والامتنان، ويفتن عشاق الحكايات بقدرات سادن ماهر، ومشيّد جماليات خبير، ومروي غليل القاصدين من نهر المعرفة النقي العميق الهادئ.

ومثل ما هو المنافح عن مبادئ وقيم الخير والحب والجمال والوطنية طيلة سنوات توزيره، ها هو يسطّر بذوب القلب حديث ذكريات عبقة عن الزمان والمكان والإنسان، ويتنامى المشهد البصري وترتسم الوجوه وتعلوها الابتسامات وتتبدى طبيعة التربية الجادة في المنازل المغذوّة أدباً واحتراماً وانضباطاً وتحمل مسؤوليات، ويتتابع التصاعد الدرامي حتى كأننا نشاهد فيلماً عن حياة مجتمع سعودي ناشئ ومتطلّع لمستقبل زاهر.

لم تخل تجربة الدكتور خوجة بين الجامعة والوزارة والسفارة من ارتداء شجن يوغل تارة في الحزن بحكم فواجع لم تمحها السنون من وجدان شاعر مرهف الحس، وفقد الشقيقة، والشقيق، ثم الأم، ثم الأب، ودهشة تسافر بك في عوالم ساحرة لا تنجو من مفاجآت منها السار ومنها المحيّر، ليفطّن قراءه إلى أن هذا المتبسم على غلاف ذكرياته لم يسلم من نكد الدنيا وقسوة الأيام ووعثاء السفر وتهديد الأمن، إلا أن هذه المكابدات وإن جارت أحياناً لم تفقده وداعته بل زانت محياه بخط الشيب ولجمت جموح النفس بلجام العفة والإحجام عن أي تصفية حساب أو انتقام.

لم يتح الوزير البشوش لغيره فرصة رسم وجهه، ولا مكيجة أحاسيسه ولا فذلكة مشاعره أو زركشة عباراته، وكأنما هو في حبك السرد الفاتن للتجربة في حديث ودي مع أصدقاء جمعتهم ديوانية أو مركاز أو صالون أدبي يستعيد الموجع من الذكريات بكلمات الصابر المحتسب، ويروي الجسيم والمُتجشم من الأحداث بلغة الشاكر المهذّب، كيف لا وهو ابن مكة (البلد الحرام) تضلعت دواخله بماء زمزم، وتهجى دروسه اليومية بين الركن والمقام مستقبلاً الكعبة.

بدأت علاقته بعشق الكتاب منذ تنبأ له (سيّد البن) وهو في عقده الأول بأنه سيرافق الملوك ويقابل الرؤساء، فنضج مبكراً، وأخذ على محمل الجد تلك البشارة، فبنى نفسه معوّلاً على الأسباب ومتوكّلاً على مسببها، واتصل بالإعلام من خلال قصيدة بعثها لإذاعة (bbc) وهو طالب في المرحلة المتوسطة ليتردد اسمه في كل بيت يمتلك مذياعاً، وبلغت به الإنسانية أن يخلع حذاءه إثر خروجه من البيت ويخفيها ويذهب للمدرسة حافياً حتى لا يُحرج زملاءه الحفاة، ويتفادى حقدهم الطبقي عليه.

اختارت أسرته له القاهرة ليتم دراسته الجامعية فيها، وبحكم التخصص العلمي التحق بكلية العلوم ليدرس الكيمياء والجيولوجيا، فاستهوته أم الدنيا وافتتن بالكتب الثقافية والندوات الفكرية والصحف اليومية والفنون المرئية واندمج سريعاً في مخاض الأمسيات والمؤتمرات والمسرحيات وحفلات الغناء، وكأنما كانت الأقدار تصقل شخصية ستتبوأ أرقى المناصب وتتحلى بأعلى المراتب، ولم يحقق النجاح في عامه الأول لإيثاره الثقافة والمحافل على العلم والمعامل.

عاد إلى جامعة الرياض ليكمل دراسته في ذات التخصص، أعقبتها نقلة إلى بريطانيا لإتمام الدراسة، ليحالفه التوفيق ويقترن بشريكة العمر، ورفيقة الدرب، ويعود للعمل أستاذاً، ثم وكيل وزارة، وفي ثنايا الكتابة السيرية يتحفنا الخوجة بقصة طريفة، وملمح إنساني، وموقف محرج، وكل هذه الخصائص من أساليب التشويق، في ظل ترادف اللقطات الباسمة والعابسة والدامعة فيما عدسة الذاكرة توثق وتعرض.

في وزارة الثقافة والإعلام كان صاحب رؤية، ولم يغب عنه أن المناصب تثير ضغائن الأغيار إلا أنه وكما أورد «مسيرتي أرويها من منظور شخصي، وأؤكد أن فيها الصواب والخطأ، كأي جهد بشري، ولكني أعتقد أن زملائي الإعلاميين والصحافيين والمثقفين لمسوا النية الطيبة الصادقة والإخلاص في العمل». وكانت مساحة النقد تتسع وفسح الكتب يتضاعف ورفع الحظر عن كتب ومؤلفين يتنامى لتكون فترة ذهبية في التأليف والنشر ومعارض الكتب وتحمل الوزير المثقف التبعات بصدر رحب، وحاور وعبر عن وجهة نظره بل وتنبأ بانتهاء وزارات الإعلام واختفاء زمن الرقابة الصارمة.

اختارته القيادة ليكون سفيراً قبل الوزارة وإثر الخروج منها، وكان أهلاً لتمثيل المملكة بكل جغرافيتها وتاريخها، ونجح في أحلك الظروف في تعزيز العلاقات مع البلدان الشقيقة والصديقة وحفلت تجربته الدبلوماسية بنجاحات ومنجزات وقدرات بحكم تكوينه المعرفي والعلمي والثقافي، ففي أنقرة لم يغب عن ذهنه جلال الدين الرومي، ولا ناظم حكمت، ولا عزيز نيسين، ولا يشار كمال، وفي موسكو تقصّى آثار تولستوي وبوشكين وماكسيم غوركي، ومن الرباط ناجى الطبيعة الخلابة والفكر الخلاق وفتح قنوات التفاعل الثقافي، ويرى خوجة أن أجمل ما في التجربة وتفاعلاتها الثقافية والسياسية والإعلامية أنها عززت صداقته بكل من عرفه بحب ومن زامله بصدق ومن اتصلت به أسباب تواصل حفي بالبقاء في ظل شجرة عطاء وارفة الظلال شهية الثمار وسخية بما ينفع الناس.