لا يفتأ المسؤولون عن التعليم وخططه المستقبلية يكررون نصائحهم بأن يتجه الطلاب والطالبات إلى الالتحاق بالتخصصات التي توفر لهم فرص الالتحاق بسوق العمل عند تخرجهم، وتجد هذه النصائح قبولا وترحيبا لدى رجال الأعمال وأصحاب الشركات ما دامت محصلتها أن توفر لهم «الكوادر» التي تدير أعمالهم وتوفر لشركاتهم النجاح، وقد أوشك هذا التضامن والتوافق بين المسؤولين عن حقل التعليم ورجال الأعمال أن يحيل الجامعات والكليات إلى معاهد للتدريب ملحقة بإدارات الموارد البشرية وشؤون الموظفين بالشركات الكبرى.

نصائح المسؤولين عن التعليم تمثل واقعا ملموسا في تقليص القبول في كثير من التخصصات النظرية والعلوم الإنسانية أو إغلاق أقسام تلك العلوم، وهذا يمثل غاية الاستسلام لمتطلبات سوق العمل في وضعه الراهن، كما يترجم عجز واضعي الخطط المستقبلية عن التفكير في توسيع سوق العمل لكي يستوعب كافة الكفاءات العلمية سواء تلك التي تتصل بالعلوم البحتة أو تلك المتصلة بالعلوم الإنسانية، وذلك انطلاقا من أن النهضة الحقيقية للأمم لا تتحقق من خلال المنتمين لهذه العلوم أو تلك العلوم وإنما من خلال التكامل بينها، وإذا كان المستقبل لا يبنيه الفلاسفة والأدباء والمؤرخون وحدهم فإن المستقبل لا يبنيه المهندسون والأطباء وحدهم كذلك.

على المسؤولين عن التعليم والقائمين على التنمية أن يوفروا شيئا من وقتهم الذي يبذلونه في النصح بمراعاة متطلبات سوق العمل ليفكروا في استثمار طاقات كبرى وشهادات عليا ما زال أصحابها وصاحباتها مركونين على رف البطالة، ولا ذنب لهم إلا أنهم لا يصلحون كي يكونوا مسامير في عجلة آلات القطاع الخاص، وليس لدى القطاع العام القدرة على التفكير في استثمار إمكاناتهم وكفاءاتهم.