عُرف الطائفُ بالمأنوس، واشتهر تاريخياً بأنه مصيف الخلفاء والولاة، ولم تقف الدولة السعودية موقفاً متشنجاً من الفنون والموسيقى. فكانت حدائق شهار وروابي المثناة تعج بالمطربين طيلة موسم الصيف. إلا أن الصحوة كعادتها اجتاحت البنى الثقافية والاجتماعية وألبسته لباس العبوس. واستبدلت فنّه الصادح بألحان النصاعة بالنواح والبكاء على الأمة والجماعة.

ويعزو نقاد نجاح الصحوة في مدينة الورد إلى هشاشة ثقافة الأتباع لا قوة خطاب المتبوعين. ويؤكد الناقد الدكتور أحمد الهلالي أن الصحوة نجحت في الطائف، وكرست مفاهيمها التي لم تتكشف للمتلقي ولا المسؤول أضرارها إلا بعد ظهور النتائج والحصاد المر، موضحاً أن التأثير من موقع إلى آخر يحتاج إلى دراسات مسحية دقيقة. مشيراً إلى أن تأثير الصحوة على الطائف أقل حدة من بعض المناطق، كون بيئة البلد فنية وشاعرية، ولا تزال زاخرة بالإبداع والمواهب الحية. ويرى أن تأثير الصحوة مستمر إلى اليوم إذ يحاول أنصار الصحوة باستمرار عرقلة الفعاليات الثقافية والفنية، كونهم صدى لنداءات تنطلق من مناطق أخرى، ويصفها بمجموعة منظمة تدير الحراك الصحوي عبر ما يتاح لها من وسائط، مستعيداً الخطابات الاحتجاجية التي تتلقاها المؤسسات والجهات الثقافية التي تتوالى عليها مع إقامة أي فعالية. ويذهب إلى أن الممانعة فسيفسائية إذ تتلبسها الازدواجية بين عشق الحياة بكل معطياتها، والانجذاب في ذات الوقت للخطاب الصحوي. فيما يذهب الكاتب خلف القرشي إلى أن الصحوة سيطرت في الطائف على كافة مفاصل الحياة. مشيراً إلى تجليات مظاهر عدة طيلة ثلاثة عقود ما أخرج الطائف من قائمة الفن برغم أنه كان المسرح الأول، ولم يعد للحفلات الفنية فيها مكان باعتبار الموسيقى حراما كما تؤكد الصحوة.

ويستعيد القرشي المعاناة عند إقامة برنامج مسرحي في بيوت الشباب بالطائف خصوصا عندما يتخلله أي فقرة موسيقية، إذ تصل هيمنة الخطاب الصحوي إلى منع الأنشطة غير الخاضعة لأدلجتهم. لافتاً إلى نشاط المراكز الصيفية، والجمعيات الخيرية، والمدارس المحموم، وإقامة المحاضرات الدعوية المختلفة، والبرامج الموجهة، والمسابقات المؤدلجة، واستضافة (أسامة بن لادن) في إحدى الأمسيات للحديث عن الجهاد الأفغاني، والترويج له. ما دفع بعض أبناء الطائف إلى هجر مدينتهم الجميلة والرحيل إلى جبال أفغانستان، مبدياً أسفه أن أبواق الصحوة سوقت كتاب (آيات الرحمان في جهاد الأفغان) لعبدالله عزام. وكتاب (وجاء دور المجوس) ولخصت كتب سيد قطب، ومحمد قطب لتوزيعها على الشباب عبر المكتبات الخيرية والمراكز الصيفية ووزعت الشريط (الإسلامي) بالمجان على أبواب الجوامع والمقابر، وعلى حضور الأعراس والمناسبات. وعزا إلى الصحوة اختفاء محلات (الاستريوهات) التي تبيع أشرطة الكاسيت الموسيقية لاسيما في شارع البريد بالطائف. واستبعدت الموسيقى من حفلات لجنة التنشيط الصيفية. مؤكداً تراجع دور فرع جمعية الثقافة والفنون بالطائف الذي احتضن في بداية تأسيسه فصلا لتعليم الموسيقى. وحاربوا (الملعبة)، التي هي من الألوان الشعبية الفلكلورية في الطائف، التي تقام في الأعياد والأفراح إذ اختفت عند كثير من قبائل الطائف لأن الصحويين يرون فيها حرمة من نوع ما. وحل محلها برامج مدرسية سطحية تقدم أثناء ليالي الأفراح ويتم التطرق فيها أحيانا للموت وعذاب القبر. وأضاف «تجلت الصحوة في الطائف في كثرة المعالجين الذين يخرجون الجن من أجساد المرضى وأصبحت الطائف مقصدا للمرضى من كل حدب وصوب من داخل المملكة وخارجها». لافتاً إلى أن بعض المعلمين خصص غرفة نشاط التوعية الإسلامية لرقية الطلبة. وبعضهم جاء بمجسم لنعش ولجنازة تحمل على الأعناق يدور بها الطلاب بين الفصول، وتنقل بعد ذلك إلى القبر، ليصاحب مرورها صوتيات بكائية مؤثرة، الأمر الذي أدى لحالات انهيار في صفوف الطلبة. موضحاً أن الممانعين لمظاهر الصحوة كانوا أقل نفوذا وقدرة من مواجهتها على مختلف الأصعدة. مشيراً إلى تعرض أكاديميين وأدباء للأذى من الصحويين. وآذوا الدكتور سالم الثقفي رحمه الله والأديب محمد الشقحاء الذي حد من حضورهم في أدبي الطائف. فيما تعرض بعض مثقفي الطائف وأدبائها لصنوف من الأذى والاتهامات في عقائدهم لاسيما بعد ظهور كتاب عوض القرني عن الحداثة ومنهم الدكتور عالي القرشي والدكتور عثمان الصيني. ولم يتورع أحد المدرسين عن تكليف الطلاب بتلخيص كتاب القرني ومنح المستجيبين من الطلاب درجات عالية مقابل ذلك، بينما قام آخر بفرض كتابة أسماء جميع الأعلام الذين ذكروا في كتاب (الحداثة في ميزان الإسلام)، واجبا مدرسياً.