أحد أصدقائي اتصل بي وشكا لي عن مشكلة مرضية صحية يعاني منها مدة من الزمن. أولا ذكرت للصديق أن الطب لا يمارس عبر الجوال ولا بالمراسلة ويجب عليه الذهاب إلى طبيب ويعرض مشكلته عليه. ثانيا دائما ما أكون في مجالس وأحد الحاضرين يشكو للحضور مشكلة لديه فيقوم الكثير من الحضور بالنصائح لصاحب المشكلة رغم أنهم ليسوا أهلا ولا متخصصين بالمشكلة وصاحب الخبرة والمعرفة والعلم والتخصص يستمع ويتذكر الحكمة «أعط القوس باريها». من هنا جاء عنوان هذا المقال. يقول الشاعر متمثلا بهذا المثل: يا باري القوس بريا ليس يحسنه، لا تظلم القوس أعط القوس باريها. بسبب انتشار وتوفر وسائل التواصل وسهولتها بكل أسف، أصبح أغلبية أفراد مجتمعنا اليوم أطباء وصيادلة ومحامين وسياسيين وقضاة وخبراء اقتصاد ومال، وحتى البعض أصبح رائد فضاء. كل التخصصات في نفس واحدة. كثير منا أصبح خبيرا فيما يفتقد، ولا يتذكرون أن فاقد الشيء لا يعطيه. أفتح جوالي كل صباح لأجد رسائل من الكثير، كل يبعث بآراء ومقاطع صوتية مرئية في شتى المجالات العلمية والاجتماعية والثقافية والدينية والسياسية دون معرفة مصادر هذه الآراء والمقاطع وكأنها كتاب مقدس. بهذا يظهر الباعث في المجتمع بأنه عالم وملم بكل ما يحدث حول العالم دون التحري من صدق أو صحة ما بعث به أو نشره. والبعض يطلب من المرسل إليه أن ينشر ما بعث به للغير. المراد هنا أن علينا أن نفوض أمورنا إلى من يحسنه، ونستعن على عملنا بأهل المعرفة والحذق. والحكمة تقول: ما أرى على ظهر جبل سمكة ! ولو رأيت سمكة لكتبت بالمحراث وحرثت بالقلم وأمنت الذئب على الغنم وأودعت السر للوشاة وجعلت العربة أمام الحصان. فلنفرض ذلك جدلا، ونعكس الحقائق، ونغاير الواقع، ونباين التخصص، وتوكل المهمة لغير من هيئ لها ونطلب من الخباز أن يصنع بابا للنجار ومن العطار أن يصلح ما أفسد الدهر. هل ستستمر العجلة في الدوران أم أنها ستتوقف. ما أجمل ما نطق به لسان الحكيم عندما قال: أعط القوس باريها. وكم هو عبقري أبو الأسود الدؤلي عندما فكر بالنقاط والتنقيط ليضعها على الحروف ويقطع بها حبل التخمين عند القارئ فتقرأ الكلمة كما أراد لها الكاتب أن تقرأ. الهدف يتضح وهو أن يتخصص الإنسان بعمله الذي يجيده بعيدا عن ما انتشر كمفهوم شغل الكثير من عامة الناس فتجد الشخص منهم طبيبا وفي نفس الوقت شاعرا وحدادا ويمكن محللا نفسيا كذلك. ولا زال الكثير من أفراد مجتمعنا يعمدون إلى ترك الحروف بلا نقاط عمدا وقسرا. وهدفهم أن تقراء الكلمة كما أرادوا هم فقط لا كما يجب أن تقرأ بالوجه الصحيح. قال مارك توين: لو كان الموتى يتكلمون لما أصبحت المعلومات من غير أصحابها مجموعة من الشائعات والأكاذيب السخيفة. كتب عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) إلى سعد بن أبي وقاص وقال: شاور عمرو بن معد يكرب وطليحة بن خويلد في حربك، ولا تستعن بهما في غير ذلك، فإن كل قوم أعلم بصناعتهم. وقال أبو عبيدة في نحوه: الخيل أعلم بفرسانها. ليتنا نترك هذا العبث بوسائل التواصل الاجتماعي ونعطي القوس باريها وقاية من الخطيئة. والله من وراء القصد.
للتواصل (فاكس 0126721108)
للتواصل (فاكس 0126721108)