ذكر مدير المبيعات في إحدى وكالات السيارات الأمريكية في المملكة أنه تم التعاقد على أكبر صفقة حكومية للسيارات في العالم (5500 سيارة) مقسمة على ثلاث مراحل، وكنت أظن أن هذه الصفقة لها صفة موسمية ولاعتبارات استثنائية، لولا أنه زاد بأن المشتريات الحكومية تشكل 20-25% من إجمالي مبيعات هذه الشركة، وعلى طول الخط !!

والحقيقة أنني توقفت كثيراً عند هذا الرقم الكبير، ليس لأسباب تتعلق بهذه الصفقة وقيمتها، أو لهذه النسبة العالية من المشتريات الحكومية والتي تشكل ربع إجمالي مبيعات السيارات برمتها، وإنما لما يعكسه هذا الرقم من مصروفات تتكبدها الدولة في مجالات شتى وعندما تجمع أرقامها فإنها تشكل في نهاية المطاف قيما وأرقاما استهلاكية كبيرة تمثل نسبة لا يستهان بها من إجمالي برامج الإنفاق العام !!

فإذا كان هذا قد حصل في صفقة واحدة، ومن وكيل واحد، فما عسانا أن نقول عن بقية الوكالات، والمشتريات العمومية المشابهة؟

قد يكون لهذه الصفقه أسبابها أو مبرراتها، أو حتى منافعها التي لا نعلمها، إنما التقطتها كمدخل هام في مراجعة مشتريات الحكومة إجمالاً ونصيب هذه البنود الاستهلاكية من موازنات الأجهزة الحكومية التي تدخل تحت مسميات بنود فضفاضة وتصرف لاحقا على هيئة مزايا مكتبية فندقية أو خدمات خاصة، وهو ما يفترض أن يوجه نحو تحسين هذه الخدمات المتهالكة لبعض الأجهزة، وأن تركز بدلا من ذلك، على هدفها الأساسي التي أقيمت من أجله !!

لا أنكر أن بعض الجهات الحكومية قد تحتاج للسيارات بحكم طبيعة عملها، أو لخصوصية بعض الأفراد والمهن، لكن هل كلها كذلك؟ وما هي أعداد هذه السيارات ياترى؟ وكم تكلفتها على الخزينة العامة ابتداء من فاتورة شرائها وانتهاء بقيمة وقودها وصيانتها، ومن المستفيد منها في نهاية المطاف؟

التجربة الأمريكية تشير إلى أن التعاقد مع مؤسسات القطاع الخاص في تقديم بعض الخدمات المساندة يؤدي إلى تخفيض التكلفة على الحكومة إلى 40% وهو ما أدى إلى اعتماد الحكومة الأمريكية لما يعرف بنظام A-76 والذي يقضي بعدم تقديم أي خدمة مساندة إلا بعد موازنة تكلفتها المالية وجودتها مع تكلفة وجودة هذه الخدمة في القطاع الخاص والتعاقد معها!!

هذه الفكره تطبقها الآن بعض الشركات الحكومية وشبه الحكومية كـ«أرامكو» و«الاتصالات» وغيرهما من الشركات التي اكتشفت بأن استئجار السيارات لفترة سنة أو سنتين أو ثلاث أقل كلفة من شرائها رغم كونه يؤدي لنفس الغرض تماما، وذلك بدلاً من شرائها وبيعها بربع القيمة بعد ثلاث سنوات من الاستخدام الجائر.