في كل أسبوع تستضيف «عكاظ» اسما مثيرا للجدل وتجلسه على منصة المواجهة ثم ترشقه بالأسئلة المضادة والمشاكسة.. هو حوار ساخن هنا كل يوم ثلاثاء.
وضيفنا هذا الأسبوع هو الشيخ سليمان الطريفي الداعية السابق في وزارة الشؤون الإسلامية والباحث المعروف حاليا بمراجعاته المهمة للخطاب الديني.
• هل يمكن أن تفكك لنا الخطاب الديني؟ أقصد أن نعرف منطلقاته؟ كيف نشأ وكيف استمال شبابنا وكرسهم لخدمة توجهاته وأصبح خطابا حزبيا؟ وما هي مآربه؟
•• لا بد من القول إن الخطاب الديني ينقسم إلى قسمين؛ قسم أصيل جميل يمتلئ بالتوازن والاعتدال ويرعى قيم التسامح والخيرية. والقسم الثاني كل ما شذ عن الأول. فالقسم الأول هو الخطاب المنطلق من مقاصد الشرع الكبرى المستلهم لها كمعرفة الله وحسن التعبد له وإشباع الروح بذلك وأن الدين جاء رحمة للعالمين وفيه تأكيد الحقوق الطبيعية وإقامة العدل وتحقيق الأمن والعناية بالحياة الكريمة للإنسان، يراعي الفطرة ويهذب الغريزة ولا يلغيها، فهذا خطاب محمود، تريده كل العقول السليمة والنفوس الصحيحة، وهناك خطابات أخرى تخالف ما ذكرت. وحينما تخالف الخطابات الأخرى هذه المقاصد السامية العلية ستكون مصدر شقاء على أتباعها ومن عايشها. لأن بعضها سيقع في التشدد أو تضييع القيم الكبرى في الحياة. غياب مقاصد الإسلام الكبرى عن أي خطاب سيولد ضيق العطن واختزال قيم الإسلام الكبرى في فروع ضيقة وتضييق حياة الناس بتضييق وتقييد الحلال. وسيولد استبدال سعة الإسلام بنظرات أحادية وإقصائية حتى يصل الحال إلى استخدام مصطلحات قوية هي بمثابة سلاح فتاك، كالتبديع والتفسيق والتكفير بغير وجه حق، ومن ثم العنف، ويتم في ظل ذلك تحويل الإسلام إلى صراعات مذهبية وحزبية واستخدام الإسلام لمآرب حزبية وسلطوية، وهذه الخطابات سيشقى بها أهلها ومجتمعاتها من جهة تكبيل العقل ومعاندة الفطرة ومخالفة الطبيعة التي خلق الله الإنسان عليها. لا حل إلا بالعودة للانطلاق من المقاصد الخيرة والنبيلة الكبرى حيث تجمع بين المحافظة على الثابت الذي لا يتغير بتغير الزمان والمكان وبين متغيرات الحياة ومتطلباتها، وتجمع إلى ذلك تقدير تجارب وفهوم البشر المتراكمة المتنامية في شتى مجالات الحياة، ونقل الناس من ضيق الفهوم وحروب يجرها الجهل والتعصب وعدم الوضوح إلى مفاهيم أكثر مدنية وتحضرا وإنسانية وحقوقية.
• تقول: «ظنوني وهواجسي عن الثورة السورية، تدخل في باب الحدس والتفاؤل والتشاؤم فلتتحملوا وساوسي هذه المرة». حدس، تفاؤل، تشاؤم، هل أنت قلق؟ أخرج لنا وساوسك بشأن الشام وسورية تحديدا؟
•• أنا على علاقة قديمة ببلاد الشام بالذات سورية، منذ 30 عاما وأنا أتردد على تلك البلاد ولعائلتنا أصول وفروع قديمة هناك، سورية بلد يتميز بموقعه الجغرافي الحساس إضافة إلى تركيبة سكانية متنوعة مع وجود أغلبية مضطهدة من قبل النظام الحاكم، النظام الحاكم هناك كان يرفع شعارات العلمانية والبعث والاشتراكية لكنه في حقيقة الأمر يعمل على بعد طائفي وتمسك طائفة معينة بمفاصل الحكم الحقيقية، وإن وضع النظام واجهات من أبناء الأغلبية ليس بيدها شيء ويعمل النظام السوري، أو على الأقل يسمح بالعمل على التغيير المذهبي، لقد كان بعض الكلام يتردد بين الناس في الشارع هناك ويعرف الإنسان العادي، فضلا عن المتخصص أن نظام الحكم يعمل على تغيير التركيبة السكانية في بعض المدن كحمص وحماة، ويتردد في الشارع أن مخططي العلويين يعدون مدينة حمص لتكون عاصمة لهم، لقد كانت تلك الهواجس والتخوفات موجودة لدى معظم السوريين ويهمسون بها في مجالسهم الخاصة. لقد انتقلت إلي هذه التخوفات من المزاج العام السوري، خصوصا أنني أرى لها شواهد واقعية هناك منذ زمن طويل، كنت متيقنا أن محاولة إخراج الأسد ومن معه من طائفته من الحكم ستكلف كثيرا وقد تحيل البلاد إلى دمار، وسيعمل النظام الحاكم على إبادة أغلب الشعب لأن الأمر يتعلق بتخوفات قديمة لدى الطائفة العلوية، ويتعلق ببعد إقليمي أكثر خطورة وهو المطامع الإيرانية التي تحمل طمعين متلازمين؛ طمع قومي فارسي قديم، وبعد مذهبي عقائدي. فكنت متخوفا من هذه الثورة منذ البداية، فمحافظة أهل البلاد على مدنهم وبقائهم أولى من حمامات الدم والخراب، لكن الشعب السوري ضاق ذرعا وسدت بوجهه الأبواب من قبل نظام طائفي وتسلط إيراني ومذهبي حتى اضطر اضطرارا للثورة في أيام الثورات العربية التي ساعدت على تشجيع مناخ الثورة، ومع تحول الثورة إلى العمل المسلح تعاظمت مخاوفي على سورية، لأن النظام الحاكم كان يدفع بالشعب الثائر نحو هذا الاتجاه لينقلهم إلى المربع الذي يظن أنه يجيد إدارة اللعب فيه، وما لبث الوضع إلا قليلا حتى دخلت القاعدة وفروعها إلى صفوف الثورة ليكون هذا من أعظم ما يتمناه الأسد ويخطط له ليقول للعالم هؤلاء الذين أقاتلهم هم إرهابيو القاعدة وليست ثورة شعب، لقد دخلت الجماعات الإسلامية الجهادية وغير الجهادية إلى معترك الثورة، وهذه الجماعات من طبيعتها التناحر وعدم التعاون في المشتركات، وهي تقوم على المفاصلة في ما بينها عند أدنى خلاف، وهذا قد شتت الثوار ومزّق وحدتهم ونوّع أهدافهم، ويصعب الخلاص الاجتماعي من وجودهم المنهجي مستقبلا، ومما زاد الطين بلة أن نحا الصراع منحى الاصطفاف الطائفي بسبب تدخلات إيران وحزب الله، إضافة إلى تخاذل الإدارة الأمريكية، هذا التخاذل الذي له أهدافه التي يخفى بعضها ويظهر البعض الآخر، وتدخل الروس الذي عقّد المشهد وكان بمثابة الإنعاش لنظام الأسد المترنح ودعوات التقسيم المقلقة التي بدأت بواكيرها بالتهجير الطائفي والتغيير الديموغرافي.. كل ذلك يجعلني غير متفائل بمستقبل قريب للخلاص.
• قلت مرة ردا على الدكتور تركي الحمد: «بالتأكيد هناك فرق بين نقد الثوابت وبين نقد الفهوم السيئة للدين والتصرفات الخاطئة باسم الدين».. هل تقصد أن تركي الحمد كان ينتقد ثوابت الدين؟
•• الدكتور تركي الحمد رجل مفكر وهو متخصص في العلوم السياسية وله باع في الثقافة والأدب، وكان ردي عليه تأييدا لكلامه في تلك التغريدة وليس انتقادا له ولا اتهاما، ثقافته واطلاعه محل تقدير واحترام بل إني أوافقه في كثير مما يطرح.
• تقول: «الطبقات التي تشعر بالدونية تجد تناقضا في خطاب المشايخ، يعطونني صورة وردية على المنبر بالمساواة، هم في المحاكم يفرّقون الزوجين لأجل كفاءة النسب».. لماذا يرتهن الإنسان لخطاب ديني لفئة معينة؟ وعندما تحكم المحاكم بذلك فهل هي تستند إلى حكم شرعي هنا أم على حكم اجتماعي؟
•• المتتبع للقرآن والسنة يجد مقصدا ساميا حول المساواة العادلة وإلغاء التمييز العنصري والطبقي بكل أشكاله، فالإسلام يشير إلى أصل واحد للبشرية، والنصوص الشرعية ترفض التمييز الطبقي في المسائل الاجتماعية، وترفع شعار الأخوة الإيمانية بدلا من كل العصبيات، بل الحوادث الواقعية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم تشير إلى نوع واحد من الكفاءة في الزواج هو كفاءة الدين، وتهمل وتحذّر من اعتبار أي إضافات تمييزية، إحداث قول كفاءة النسب وإن قال به بعض الفقهاء فهو ساقط ولا قيمة له، بل هو من باب الإثم والعصيان المخالف لمقاصد الشريعة ولصريح نصوصها الصحيحة الثابتة، إن المشكلة الكبرى تكمن في تكييف العادات الاجتماعية شرعيا ونسبتها إلى الشرع بتلمس أشباه الأدلة، والإعراض عن الدلالات الصريحة إرضاء لهوى النفس، ومجاملة للأعراف التي لم ينزل الله بها سلطانا.
• بعض كلامك، يظل كلاما عاما وشموليا.. ما هو العلم الصحيح الذي تدعو إليه؟ وما هي ملامح الوعي الذي تطالب به تجاه الحقوق الطبيعية والإنسانية؟
•• دعني في البداية أحدد مفهومي عن الوعي، فالوعي هو الفهم الجيد والدقيق والعميق حول قضية ما أو مجموعة من القضايا وبناء عليه يختار الإنسان السلوك الأقرب للصواب والاستجابة المناسبة لمتطلبات الموقف حيالها ولا يمكن أن يكون عند الإنسان وعي على هذا النحو حتى يتحصل على المعرفة الصحيحة. إن أي قطرة من مطر المعرفة الصحيحة تحدث تراكما في الوعي حتى يصبح الوعي كبيرا في كمه وكيفيته، وهذا يحتاج إلى عدة عوامل على مستوى الفرد أو المجتمع. فعلى مستوى الفرد تكون عوامل المعرفة متمثلة في الدراسة المتخصصة أو البحث والاطلاع شريطة أن يكون من مصادره الموثقة وبمنهجية سليمة. وعلى المستوى العام يحتاج الناس إلى إعلام هادف له رسالة واضحة في نشر الوعي، كما يحتاجون إلى مؤسسات ناشطة كل في مجاله ينشر الوعي الصحيح، وهذا يتطلب أيضا السماح بنوع من الحراك المؤسساتي المدني. إننا بحاجة إلى كل أنواع العلوم النافعة سواء أخذنا العلم بتعريفه عند علماء الاتجاه الفلسفي التجريبي، أو أخذناه بتعريفه المعرفي كما في نظريات المعرفة الأبستمولوجية الأخرى، شريطة خلوّه من الخرافة والتزييف والدعاية المضللة لأي هدف، والابتعاد عما يصور أنه علم وهو في الحقيقة نوع من الحشو الذي لا قيمة له.
أما الحقوق الطبيعية فهي الحقوق التي يكتسبها الإنسان بأصل خلقته الإنسانية الطبيعية التي خلقه الله عليها، ولا بد لكل فرد أن يعيها كما يعي وجوده تماما، ويجب أن تؤمن حمايتها الأنظمة، ويجرّم من ينتهكها. وإذا تأملت الضرورات الخمس التي جاءت بحفظها الشريعة تجدها متضمنة لأغلب فروع الحقوق الطبيعية. تبقى هناك بعض النقاط ذات الإشكالية التي قد يتبادر للذهن معارضتها للشرع، لكن عند تدقيق النظر تجد أنها مشمولة ضمن مقاصد الإسلام الكبرى وقيمه العليا، الوعي بالحقوق الطبيعية جزء منه يدرك بالبداهة، وأجزاء أخرى منه تحتاج إلى تنوير تقوم به المؤسسات الحقوقية والنظامية والخيرون ممن ينشد كرامة الإنسان، كما يشارك فيه علماء الدين والحقوق والدعاة والخطباء والمرشدون الاجتماعيون والنفسيون، الحقوق الطبيعية المتمثلة في حق الحياة وسلامة البدن والفكر من الاعتداء أو الاضطهاد وحق الاختيار والحرية المنظمة بالقوانين الأخلاقية وحق الكرامة والمساواة وحق الامتلاك الخاص وتكوين الأسرة وإشباع الغرائز دون مخالفة القيم.
• «سامح الله بعض العلماء الذين أفتوا بجواز حل السحر بسحر مثله، أعذر نياتهم واجتهادهم، لكنه إدخال للمريض في دوامة لا تنتهي».. هل تعني أن فتواهم كانت خاطئة؟ وكيف ترى موضوع الفتاوى في السعودية؟
•• نعم فتوى حل السحر بسحر مثله هي تسويغ لعمل السحرة في طياتها، وهي أيضا باب يلج منه المشعوذون بحجة هذه الفتوى أو بحجة رفع معاناة الناس. إن كثيرا من المشتغلين في هذا العمل هم من الدجالين ولكون هذا العمل لا معايير معروفة له فلا يستطيع المريض معرفة من يجيد العلاج ممن لا يجيده فكثير منهم يقع ضحية لهؤلاء الدجالين، لذلك تذهب أموال الناس بالباطل ويعيش المريض في دوامة من الأوهام والتضليل الذي يزيده مرضا. لقد تقدمت فنون الطب فما كان يتوهم أنه سحر صار معروفا بالنسبة للطب البشري أو النفسي، إضافة إلى أن رقية الإنسان نفسه إذا ظن أنه أصيب بمثل هذه الأشياء كافية جدا عن كل علاج للشعوذة أو طلب الرقية من الآخرين.
لست أنا من يقيّم إنتاج علماء الشرع في السعودية فهم علماء كبار خصوصا الذين يعملون في سلك دار الإفتاء ولهم تقديرهم وهم معروفون بالورع والحرص على الدليل، إلا أن الفتوى في السعودية تحتاج إلى تنظيم أكثر، وأتمنى أن نكتفي بعمل لجنة متخصصة تجيب بشكل مدروس ومنظم ومتخصص حتى في الأسلوب، فعمل اللجان أفضل من الإجابات الفردية أو التي على الهواء مباشرة لعدة أسباب، منها طبيعة الاتصالات التي قد لا يكون السؤال فيها واضحا، أو يحمل إشكالات تحتاج إلى مزيد تدقيق وبحث، وهناك من يتصيد في الماء العكر، إضافة إلى ما قد يكون جوابا في غير محله نتيجة للفهم المستعجل للسؤال الذي تقتضيه طبيعة هذه البرامج، ولأننا نقدم فكرنا ومنهجنا للعالم هذا الفكر يجب أن يكون أكثر دقة وتنظيما ويقظة ودراسة وتفهما للاختلاف والتنوع.
• معظم تغريداتك توحي بأنك نادم على الفترة الأولى من حياتك التي قضيتها في أوساط التشدد والمتشددين؟ ما هي الرسالة التي توجهها للأجيال الجديدة؟
•• لست نادما على ما مضى من حياتي حيث لم أعش فترة طويلة في التشدد، طبيعة التشدد تفرض على الإنسان ضيقا وحرجا مع الوقت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى)، لذلك فمآلات التشدد غير حميدة إما بمزيد منه حتى الغلو ورفض الحياة والاختلاف، وإما بالنكوص عن كل طريق التدين. إن رسالتي التي أوجهها للجيل القادم تحمل شقين مهمين الأول ضرورة الاعتناء بالصحة النفسية فكلما كانت صحة الفرد النفسية سليمة ومتوازنة وانفعالاته طبيعية، فإنه سيحصل على استمتاع حقيقي بالحياة وسلوك متوازن ووعي جيد بذاته ومن حوله، وبالضرورة سينتج ذلك أهدافا راقية واقعية ورسالة سامية، ومن ضمن ذلك الاهتمام بمهارات التفكير وتعلمها تعلما سليما. والشق الثاني أن الاطلاع الرصين والنوعي والمتنوع والمنظم من مصادر موثقة يزيدك عقلا وقناعات سليمة وسعة أفق ورحابة صدر، ويجعلك أكثر وعيا وتأقلما مع من حولك، فعليك أن تبني ثقافتك ومعرفتك مركزا على المضمون الجيد المكثف والمتنوع. إن الاهتمام بهاتين النقطتين السابقتين يعتبر ضمانة بإذن الله من الوقوع في براثن الأدلجة الممقوتة والتطرف والأحزاب المشبوهة.
• تقول: «من الأفكار الجالبة للعناء إلى صاحبها فكرة حرية الاختيار في مجتمعات تفرض الوصاية حتى في كثير من المباحات».. من الواضح أنك تقصد مجتمعنا، شيخ سليمان كم نحتاج من الوقت والجهد، وما العمل الذي يجب أن نقوم به ليخرج المجتمع من هذه الحالة المعتمة؟
•• المجتمعات التي تعودت على رأي واحد وقول واحد ولا تعير اهتماما للاختلاف والتنوع وتقصي المختلف مجتمعات ستفشل في المستقبل في احتواء أبنائها؛ لأنهم سيعيشون ضيقا فيها وشعورا متزايدا بالاضطهاد، بل ستفشل في مد جسور الإخاء والتعاون مع المجتمعات الأخرى في عالمنا الإسلامي، بل العالم كله، وهذا ليس خاصا بمجتمعنا، لم تعد المجتمعات كالسابق معزولة عن بعضها ولم يعد الاطلاع محدودا بأدبيات المجتمع نفسه وثقافته واختياره فمع تقدم التقنيات الحديثة التي سهّلت الاطلاع، ومعرفة الاختلاف، وتنوع الثقافات، وسهولة التواصل، بات الناس بحاجة إلى تفهم كثير من الاختيارات داخل المنظومة التي لا تتجاوز إلى فوق الثوابت الحقيقية لا المتوهمة، كالمحرم صراحة بلا مواربة. إن الحرب التي تشن على من اختار قولا يسعه الفقه الإسلامي أو تسعه دائرة المباح هي بالضرورة حرب ستولد ضيقا وربما خوفا وشعورا بالقمع وتقتل الإبداع، وستكون هناك هواجس سيئة حول الحرية والاستقلالية، وربما ولّدت اضطرابات نفسية وتيارات متمردة على كل القيم.
• أكد الأستاذ خالد الدخيل أن الإسلام السياسي لم يتراجع في المغرب والمشرق العربي، فكان ردّك عليه: التجربة لا تزال قصيرة في عمر الزمن، إضافة إلى أن العاطفة الدينية متجذرة في الشعوب، السؤال ألا توجد إجراءات أو مبادرات يمكن القيام بها عِوَض انتظار الوعي والزمن؟ وهل الدين عاطفة أم عقل؟
•• الدين عاطفة وعقل وقناعات وسلوك وروح وتعاليم، فالدين في ذاته وفهمه على وجه صحيح ليس إشكالا بل هو طمأنينة وركيزة أساسية في سعادة الإنسان، لكن إحدى مشكلات الخطاب الإسلامي المعاصر أنه خاطب الجماهير عبر العاطفة الدينية، هذه العاطفة الدينية لدى الجماهير العربية تم شحنهم بها خلال أزمنة طويلة، المتفحص لواقع المجتمعات الإسلامية يجد أنه قد غلبت عليها العاطفة أكثر من الجوانب الأخرى، فليس ثمة معرفة ثقافية راسخة مؤصلة ومتنوعة عند الغالبية ناهيك عن أن القليل من يحمل قناعات عميقة متوازنة، إذا كنا نشتكي هذه الأمور في العاملين في الصف الإسلامي من دعاة وخطباء فغيرهم من باب أولى سيكونون أقل ثقافة ووعيا، لذلك كله سينساق الناس موقتا خلف عاطفتهم الدينية خلف الأحزاب التي ترفع شعارات دينية، وللأسباب السابقة الناس يحسنون الظن بكل الإسلاميين فهم يتوقعون الثقة والأمانة وانعدام الفساد والعمل للعموم إضافة إلى العلم الشرعي والقوة، لكنهم بعد فترة من تجربة الإسلاميين في الحكم سيتفقدون حصيلتهم من هذا الاختيار، ولن يكون التصويت إلا بقدر المنفعة والعائد من حيث الحياة الكريمة للعموم وترسخ الحقوق العامة ووجود حريات لا تأطرهم على نظرات ومسالك ضيقة، وبحكم تقارب أيدلوجيا وسلوك الجماعات الحزبية الدينية وقلة هامش الحريات وطبيعة هذه الجماعات في المفاصلة مع الآخرين حتى ولو كانوا من الصف الإسلامي عند أدنى خلاف وضيق كثير من نظراتهم الاجتماعية فإني أتوقع أن المجتمعات ستضيق بهم ولن تطيق معهم صبرا. إن العمل السياسي الانتخابي النزيه حديث في هذه البلدان وحديث جدا إذا تمت مقارنته بالبلدان العريقة ديمقراطيا، وإذا استمر قليلا ومع التناوب على تسنم السلطة سيقارن الناس بين هذه الأحزاب، ولن يعطوا أصواتهم لمجرد أن المرشح ممن يدعوهم إلى ترشيحه باسم الدين أو عبر المواعظ أو التخويف من الآخرين، بل سيعطون أصواتهم لمن يحقق متطلباتهم الحقيقية من النزاهة وتحقيق العدالة والمساواة والحياة الكريمة والحريات والحقوق الطبيعية، وكون الحكم يرعى الجميع، ليس هناك ثمة إقصاء ولا تهميش ولا حرمان ولا اضطهاد ولا تمييز مهما كان، ولن يهتم الناس بعد التجارب بالشعارات الدينية الحزبية بقدر اهتمامهم بالمحصلة والعائد. لا حل إلا في التجربة الواقعية، فالتجربة هي التي تصقل العقل وتنضجه، ثم في التعددية والحرية معا التي تمكن جميع الأطراف من اختيار مسارها وعرضه بحرية وفقا لمفهومه الفلسفي الرصين، كما أن التوجهات الأخرى لا تزال في مهدها الأول، إذ لم تشكل إلى الآن منافسا حقيقيا للأحزاب ذات التوجه الديني المؤدلج لأسباب عديدة أهمها حداثة تشكل الأحزاب على أساس مفهوم فلسلفي عميق له نظرياته المدروسة، ولما سبق كله أعتقد أنه من المبكر جدا الحكم على التجارب في عالمنا العربي.