في عاموده الرشيق الذي ينتصب واقفا في الصفحة الأخيرة من الشرق الأوسط بعيدا عن منغصات السياسة والقتل والدمار ومسرحية داعش وأحداث سورية وكذب أوباما وسخافات الانتخابات الأمريكية وقانون جاستا الفاشل، كتب الأستاذ مشعل السديري موضوعا بعنوان المضحكات المبكيات (13811) أورد فيه عددا من الفتاوى التي تخرج عن حدود العقل ولا تتفق مع دلالات المنطق، ولعل من أغربها وأظرفها أن القهوة والشاي اللذين لا يخلو بيت من بيوت المسلمين منهما كانا محرمين في يوم من الأيام. ففي العام 941هـ أفتى من جامع الأزهر العلامة السنباطي بحرمة القهوة وأن شاربها يحشر يوم القيامة ووجهه أسود من قعور أوانيها، والحقيقة أن تاريخ تحريمها كان قبل هذا التاريخ الذي ذكره الأستاذ السديري ولم يكن من الأزهر بداية، بل كانت بداية التحريم في مكة المكرمة في العام 917هـ من قبل الشريف قانصوة الغوري والي مكة. والذي جعل الباب العالي آنذاك خاير بك العمار ناظرا للحسبة وباشا على المماليك السلطانية، وقد رأى أثناء خروجه من الحرم المكي بعد صلاة العشاء الناس مجتمعين في ناحية من نواحي المسجد الحرام فلما رأوه مقبلا طفوا الفوانيس فاتهمهم في ذلك وأرسل إليهم رجاله لكشف أمرهم فوجدوا بينهم شيئا يتعاطونه على هيئة الشربة الذي يتعاطون المسكر ومعهم كأس يديرونه ويتداولونه بينهم. فأنكر عليهم ذلك من باب وظيفته (الحسبة) فسأل عن الشراب المذكور فقيل له إن هذا شراب اتخذ في هذا الزمان وسمي القهوة يطبخ من قشر حب يأتي من اليمن يقال له البن وإن هذا الشراب فشا أمره في مكة وكثر وصار يباع ويجتمع عليه بعض الناس. فلما أصبح جمع قضاة المذاهب الحنفي والمالكي والشافعي وأحضروا شراب القهوة أمامهم وبعد مداولات كثيرة طلبوا حضور أعيان السادة الأطباء لأخذ آرائهم فذكروا بأن البن بارد يابس مفسد للبدن المعتدل، وشهد جماعة من الحاضرين بأن القهوة ذكرت لهم بأنها حلال فاستعملوها بناء على الإباحة الأصلية فتغيرت حواسهم وأنكروا هيئتهم وتغير عقلهم فحصل بذلك الضرر في أبدانهم، وبناء عليه أصدروا حكما (بتحريمها) وأنها مسكرة باتفاق العلماء الحاضرين وأجمعوا بحرمتها، كما أفتى كتابة بحرمتها قاضي قضاة المذهب الحنبلي شهاب الدين الشيشني وبأنها مسكرة ووجب على شاربها الحد والذي أحل شربها بغير تأويل كافر، ولما تم الأمر على ذلك أشهر الندا بمكة المشرفة بمسعاها ونواحيها وطرقها بالمنع من تعاطي القهوة وقضي الأمر على ذلك وجعل ثواب ذلك في الصحائف الشريفة. فتم منعها من الأسواق ومُنع الناس من شربها وبيعها وعُذر من باعها وكبس على موضعهم ودكاكينهم وأحرقوا ما وجدوه فيها من قشر البن في وسط المسعى. وأصبحت تشرب داخل البيوت خُفية حتى لا يتعرض متعاطوها للعقاب والطواف به في الأسواق للتشهير وإقامة الحد الموجب عليه.

وقد احتفل قبل أيام باليوم العالمي للقهوة بعد أن أصبحت جزءا من حياة الإنسان وعاداته، يُحسن بها مزاجه ويكرم بها ضيوفه ويتفنن في تحضيرها وإعدادها ولا يمكن ليوم أن يبدأ إلا بقهوة حاضرة بنكهات وأسماء وألقاب مختلفة حتى بلغ ما تستهلكه المملكة من البن أكثر من مليار ريال سنويا.

ولقد ابتلي المجتمع الإسلامي في مختلف عصوره بصدور عدة فتاوى تحرم بعضا من العادات والتقاليد دون مراعاة بأن الأصل فيها الإباحة في جرأة واضحة على الفتوى والتوقيع عن رب العالمين، فالحلال والحرام هما حكمان شرعيان لا بد لهما من نص صريح لا يدخله أي احتمال. ولعل من أمثلة التحريم لبعض عادات الناس أنه تم تحريم لبس البنطلون للمرأة وكذلك حرم عليها لبس حمالات الصدر (السنتيانة) والكعب العالي واستعمال المرأة للمكياج وطلي أظافرها بالمناكير وأن تفرق شعرها وأن تلبس الباروكة وأن تذهب لمشاغل الخياطة وأن تزين حواجبها، كما حرم عليها وضع شريطة لتربط بها شعرها وتكون على هيئة وردة. كما تم تحريم الرياضة للنساء وعملها في المحلات للبيع والشراء وعمل الكاشير، كما حرم الأكل بالملاعق والشوكة. كما تم تحريم تغيير موعد الإجازة الأسبوعية إلى الجمعة والسبت، إضافة إلى تحريم السينما والصور الشخصية على البطاقة وجواز السفر، والجوال بكاميرا والدشوش ومشاهدة الفضائيات وكرة القدم إلى الكثير من المحرمات التي رانت على قلوبنا.

فالأصل في الأشياء الإباحة والعادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلا ما حرمه الله. فالأصل عدم التحريم ومن ادعى التحريم احتاج إلى دليل. فكل ما حرمه الله فهو خبيث وليس كل ما استخبثه الناس فهو حرام، فلم تكن أذواق الناس وأهواؤهم واستطابتهم أو استقباحهم للأشياء مصدرا من مصادر التشريع. فقد عافت نفسه الشريفة أكل الضب ومع ذلك لم يحرمه كما يعاف الطبع السليم نزول دم المرأة الشهري ويستقذره، ومع ذلك لم يحرم وطء المستحاضة، إنه دين متين فأوغلوا فيه برفق.