أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/238.jpg?v=1768301522&w=220&q=100&f=webp

عبده خال

سقوط النموذج

التهاون مع أنصاف المواهب يؤدي إلى تدني الذائقة، ومع استمرارية تقديمهم، يصنع منهم النموذج للجيل الأحق، فكل جيل يبحث عن القدوة، وإن كانت القدوة متواضعة سيأتي الناتج جيلاً متواضعاً في مواهبه.

ومن الأخطاء المضرة التصفيق لأنصاف المواهب.

في السابق، كان المشرفون على التلفاز والجرائد والمجلات لهم عمق معرفي وفني يُقيّمون المواهب، ولا يُقدّمون أحداً إلا وقد أثبت مقدرته، وجدارته بامتلاك الحد الأدنى من الجمال الفني.

والحكايات كثيرة لأولئك المشرفين حين تم منع أنصاف المواهب من الظهور، أو منع كل من كان خارج سياق الأداء العام السامي.. وكان المشرفون على إجازة الأعمال الفنية والأدبية مشهوداً لهم بصفاء الذائقة، وأمانة الحرص على تقديم من يستحق.. في ذلك الوقت أوجد أنصاف المواهب سبيلاً للظهور والارتضاء بمقاعدهم في التصنيف بأن يكونوا في الصف الرابع أو العاشر، وبهذه الكيفية ظلت الذائقة مرتفعة وراقية، وظل كبار الفنانين خيطاً فاصلاً بين الإبداع وبين أنصاف المواهب، والتزموا بعدم تقديم من به اعتوار.. ومع تردي الأوضاع الفنية، تسلل أنصاف المواهب من خلال تقليد الكبار (وهذا في الجانب الغنائي) وبدؤوا من هذا الطريق، حتى لم يعد هناك من كبير، تناثروا في كل جهة، وقد ساعد في انتشارهم تعدد القنوات، وتغيّر وسائل الإرسال، حتى أصبح الفضاء الغنائي متسعاً، وأصبحت المساحات تطالب بـ(هَلْ مِنْ مَزِيدٍ).

والمزيد هذا، قدم أنصاف المواهب والطقاقات لأن يتسيدوا المشهد!

هذا التسيب، والإفراط في الهيافة لن يضر أصحاب الذائقة المرتفعة لكونهم وصلوا إلى نهاية العمر، الضرر الفادح سيكون لهذه الأجيال التي ما زالت في مرحلة التكوين، وأعظم الأضرار الحادثة مسح أو محو النموذج الفني والأدبي، وها نحن نرى بداية ذلك الضرر من خلال تقديم أنصاف المواهب وتسيّدهم، والتأكيد على أن هذا هو النموذج، والبكاء اليوم سيكون مناحة في الأيام القادمة.

وحقاً، سقوط النموذج يعني سقوط الذائقة الاجتماعية، وستتوالى حالات السقوط.

نعم، أعرف معادلة التغيرات الاجتماعية بفعل الحركة الزمنية، التي تنص على أن كل التغير يحمل معه نموذجه الخاص، ذلك النموذج الذي يرضى به المجتمع المتغيّر، أعرف ذلك، وكتابتي هنا وبهذه الصيغة ليس بكاءً على عمر مضى، بل بكاء على ذائقة تهشّمت تماماً، ولا تسعفني مخيلتي في تصور جدية وجمال النموذج القادم.

منذ يوم

عطب تام

التوقعات حالة من حالات فرز الغضب لديك.

ففي حياتنا اليومية نسير بهذه التوقعات، وعدم تحققها يؤدي بنا إلى ردود فعل غير محسوبة العواقب، لو أحصينا ردة الفعل قد يكون الغضب أشنعها، فالغضب مصدره أنك تلقيت رداً لم يكن ضمن توقعاتك، ولأنك في تلك الحالة ربما ترتكب فعلاً أو أفعالاً لم تتوقع أن تصدر منك، وتصل إلى هذه النتيجة بعد فوات الأون، حين يكون فعلك أو قولك قد تسبب في إيذاء الآخرين، أو إيذاء نفسك.

لن أكون ناصحاً، لكن أكتب حالة تمر بالكثيرين، وهي حالة الغضب، وهو نتاج سقوط توقعاتك، ولكي تتخلص من هذه الحالة، عليك ألا تتوقع شيئاً، فالعلاقات أصبحت متخففة من أي التزام، وأصبح الناس محملين بأثقال عظيمة وغير معنيين بتنفيذ الحد الأدنى من توقعاتك منهم.

هل أكرر وصية الرسول صلى الله عليه وسلم: لا تغضب.

ومن منا لا يغضب؟

وأعتقد، أن علينا إعادة توقعاتنا بموازين مختلفة عما تربينا عليه، فكما تتغير الحياة هناك تغيرات في القيم التي تربيت عليها، سواء كان طفيفاً أو متلاشياً، المهم أن هناك تغيراً ما.

وبالتالي، عليك تخفيف مستوى توقعاتك، فمن كنت تراهن أنه لن يخذلك ولو بنسبة ضئيلة، توقع أنه وصل إلى درجة من الخذلان أدت به إلى نسب أخرى، وعليك أن تعذره لما يحمل من أثقال.

الزمن المتغير يخلق تصرفات لم تكن متوقعة، ولأنك تسير على هذه الحياة بكل ظروفها، عليك الاستعداد لتوقعات مغايرة لما كنت تسير به.

لذلك، يستوجب تكرير جملة: لا تغضب.

ولكي لا تغضب ألغِ فكرة التوقعات، تصرّف من غير توقع؛ لكي لا تكون لديك ردة فعل غاضبة.

مصيبتك لو كنت من ذوي الأعصاب المفلوتة، وهؤلاء عليهم مواصلة إحراق أعصابهم؛ لكي يصلوا إلى نتيجة الأعصاب المتفحمة، ساعتها لن يغضبوا البتة، فعدّة الغضب قد أصابها العطب التام.

منذ يومين

وحشية اللغة..

ألحظ أن ثمة تشبعاً باللغات الأجنبية مقابل اللغة العربية، وإن كان هذا مقبولاً بحجة أن المتحدثين باللغة العربية ليس لديهم منتج معرفي تقني، أو لكون اللغة يقبل الناس إليها حين تكون منتجاتها الإنسانية أكثر تواجداً في الأسواق العالمية، منتجات تقنية تسهل حياة الناس، وإن لم تنتج اللغة العربية ما يفيد الناس في حياتهم اليومية من أدوات مستخدمة لن يحتاج الناس التحدث بها، وأرى أن هذه قاعدة مهمة لكي يبحث العالم عن كيفية تعلم تلك اللغة. وفي جانب آخر، ثمة موقف مغاير رافض هجران اللغة، واستبدالها بلغة عالمية أخرى (كالإنجليزيّة مثلاً)، فالسعودية منبع تلك اللغة ومصدرها الأصيل، وليس من الحكمة استبدال اللغات الأخرى لأن تكون في القول أو على واجهات الأمكنة، فهذا الأمر يعد معيباً، ويعد شرخاً مهولاً في بنية المجتمع، وقد سبق أن قلت: «الإنسان ابن لغته»، هذا تعريف مبسط عن كينونة وجوهر أي كائن بشري على هذه البسيطة.

في أحد حواراتي مع روائي أمريكي كان الحديث عن اللغة، وكيف نتعامل معها كأناس، وفي العمق كيف للغة الأم تأثيرها على الوجدان، وطرأت في بالي وأنا أتحدث معه، قلت له إن آليات التفكير بين الشعوب ترتكز أساساً على دلالات اللغة الأم في داخلك، ضارباً مثالاً بطريقة الكتابة، قلت له: أنت تكتب من الشمال بينما أنا أكتب من اليمين، وهذه الآلية تجعل تفكيري مؤسساً على طريقة معينة، وتفكيرك مؤسساً على طريقة مقابلة، وحين تتوحد لغتنا، تكون اللغة التي نتحدث بها سهلة لمن تكون لغة الحديث هي لغته الأم، فلو أخذنا مفردة بعينها من لغتي ولغتك، ستكون تلك المفردة عميقة في وجدانك إن كانت المفردة من لغتك، وتكون في وجداني ليست بالعمق الذي شعرت به أنت.

وانتقلت به إلى ميدان عالمية لغة ما (ولتكن الإنجليزية) التي يتحدث بها بطلاقة، وسألته: لو تم تفوق لغة أخرى على الإنجليزية، وأصبحنا نتحدث بها، ولتكن الصينية ذات المنتج العالمي، وترقت لغة ذلك المنتج لتكون لغة المنتج هي لغة عالمية، كيف تكون هذه اللغة مع وجدانك كروائي؟ هل تستطيع نقل مشاعرك كما هي بتلك اللغة؟

توقف قليلاً ونفى مقدرة أي لغة أخرى على نقل وجدانه كما يشعر به في خاطره.

وذكرت موقفنا وحوارنا مع بعضنا (وبيننا مترجم)، ذاكراً له أن حوارنا يصل بعضنا ببعض للتعريف بما نفكر به، وليست في نقل حميمية ما أشعر به، وكذلك أنت، أي أن لغته الإنجليزية العالمية لم توصل ما يشعر به تماماً مع رجل لا يجيد اللغة نفسها، في حوارنا المطول اتفقنا على «أن الإنسان ابن لغته».

وكل الفنون الإبداعية تزدهر بلغتها، وإن أصبحت اللغة العالمية هي المسيطرة فلتكن في الجوانب الاقتصادية، أما أن تكون هي لغة بديلة للتعبير عمّا يعترك في داخلي، ستكون تلك اللغة العالمية عاجزة عن إخراج ما أشعر به تماماً.

أتحدث عن مقدرة الإنسان على التعبير عن وجوده، ووجود أبناء جلدته، أما المحادثة هي حادثة حادثة حتى ولو بالإشارة.

اللغة العالمية لتبادل المصالح المادية وليست لإثبات وجودك والتعبير عما يدور في خلدك كمشاعر تنطق بها لغتك الأم.

أخيراً، إن الوقوف من أجل وجودك يعد نضالاً حقيقياً كي لا تجرفك متطلبات السوق الرأسمالية.

00:08 | 3-08-2026

زبد الكلام

مللت من أقوال المتحدثين، في كل شأن، وكل منهم يدعي الصواب.

انتهى الأمر - بالنسبة لي - فكل منكم أشبه بحركة الرحى (صخر على صخر) من غير بذور.

وكل مرة أصرخ: ارحمونا من زبد الكلام.

ويبدو أن هذا الزبد طغى، وفاض حتى لم يعد بالإمكان إزاحته، أو انتظار أن تجففه أشعة الشمس.

- من يرد الحقيقة، فليتعب، وإن عرفها تكفيه المعرفة، وليس مطالباً بأن يثبتها إن لم تكن لديه المقدرة

* * **

أعيد القول، إن الدراسات الإنسانية قابلة للحذف أو التثبيت، وقد كتبت مقالاً بعنوان «تاريخ إشكالية النفس البشرية» على أمل تصويب ما قلته في تلك المقالة، ويبدو أن القراءة خف وزنها بين القراء، أو عزف الناس عن التصويب، إذ كثرت الكتابات التي ليس لها مكان في زمننا الحاضر. على أية حال، قلت اعتماداً على قراءة قديمة ترسخت في ذاكرتي، إن علم النفس خرج من خلال روايات الروائي الفذ ديستوفسكي، حيث كانت شخصيات روايته، شخصيات مركبة، وقد أُغرم بها أحد قرّائه، فطبق عقد تلك الشخصيات على مرضاه، وقام بتصنيف كل حالات نفسية مرضية وفق الشخصيات الروائية التي قرأها.

وتسجل كتب السير أن فيلهلم فونت (16 أغسطس 1832 – 31 أغسطس 1920)، هو مؤسس علم النفس الحديث، وهو طبيب وعالم فيزيائي وفيلسوف ألماني، فهل كان فيلهلم فونت هو ذلك المغرم بأدب ديستوفسكي؟

ومن تلك المعلومة التي ترسّخت في ذاكرتي، سُئلت ذات يوم من بعض الأصدقاء: هل تعرف الأمراض النفسية لمن هم في حياتك، أو مروا أو مكثوا في تفاصيل أيامك؟

وكان ردي بالإيجاب، إلا أن الخجل يمنعني من مكاشفتهم بأمراضهم.

وكما هم مرضى فأنا مريض مثلهم، فقط تختلف أنواع أمراضنا النفسية،

مستنداً إلى أن الروائي هو الأكثر مقدرة على معرفة النفس البشرية، وأكثر من أي طبيب نفسي، أو دارس لعلم النفس.

ومن يقول إن العالم فرويد هو من أنشأ علم النفس، أجدني أرتدّ إلى معلومتي بأن علم النفس خرج من روايات الروائي دوستويفسكي، فالعالم

فرويد درس حالات المهووسين وأصحاب العته، وجمع ملاحظاته وطبقها كحالات نفسية مرضية على المعتوهين، بينما الروائي يتمكن من الغوص المباشر لنفسية الشخصية المكتوبة، وإجلاء ما علق بها من شوائب، وعلل حياتية تظهر نوعية المرض النفسي للشخصية.

وهذه المسألة ليست مؤكدة تاريخياً، وإنما أميل إليها على يقين بأن لكل علم باحثين من أصل الإشكالية التي يبحث فيها الباحث، والنفس البشرية الأقرب إلى اكتشاف نوازعها (الخيرة، والشريرة) هو الروائي، فهو الغواص الذي يقف على تضاريس وأعماق تلك النفسية.

وهذا رأي صائب أو خاطئ لدى الدارسين والباحثين عن تضاريس وعمق علم النفس، وبالتالي، هي دعوة لإعادة قراءة تاريخية النفس البشرية في أمراضها.

طبعاً لا أريد القطع بما قلته في مقدمة المقالة، وإنما استثارة لمهتمين بما تكون عليه النفس البشرية، وأكاد أجزم أنها ما زالت بعيدة عن الدراسات التي حدثت سابقاً، وفي زمن زبد الأقوال علينا الارتهان لما استقر في النفس.

00:00 | 2-08-2026

آسف لمن لم يسر على الأرض..

أحياناً تتأسف على مقال سيار ينتهي مفعوله مع صدور الجريدة، ذلك الأسف كان في زمن الجرائد الورقية، أما الآن فإن الأسف أكثر تأكيداً على ضياع تحليل أو معلومة أو أي جانب معرفي لكون الفضاء الإلكتروني كلما أغدقت بمعلومة يجيب: هل من مزيد.

القضية ليست في الزيادة، بل في الأثر المعرفي.

ذات يوم تساءلت:

كيف لو عشت أو زرت منطقة عاش بها بشر منذ مليون سنة مثلاً؟

أليس مغرياً أن تفاخر بأنك وقفت في عمق التاريخ من خلال زيارة مدينة عاشت قبل مئات الآلاف من السنوات؟

نعم هو أمر مغرٍ تماماً حين تقول إنك وطأت بقدميك أرضاً مشي عليها إنسان قبل مليون وثلاثمائة سنة.

حقيقة ترتفع قامتي فرحاً مع كل اكتشاف أثري يؤكد أن كل مكان في بلادنا ليس طارئاً في الوجود، وأن منها ما تواجد على هذه الأرض من ملايين السنوات بدءاً من مكة المكرمة وما تلاها من مواقع.

هل سمع العالم بأن منطقة أو أثراً تجاوز عمره كل المكتشفات الأثرية العالمية؟ هل سمع العالم بأن الشويحطية (منطقة الجوف) هي أقدم أثرٍ استوطنه البشر منذ 1.3 مليون سنة قبل الميلاد؟

فماذا عن العمر الزمني لمكة التي ذكر الله عزّ وجل أنها أول بيت وضع للناس (كم عمرها)؟

لو تتبعنا رغبتنا في معرفة أعمار الآثار لدينا كمدائن صالح أو الأخدود، أو آثار العُلا أو عين جاوان، أو قلعة تاروت، أو دارين، أو منطقة جبة في حائل، سأعجز من الإحاطة بكل أثر تمدد على أرض وطننا الحبيب.. وما أشعر به إزاء هذا الأثر الموغل في التاريخ حالة، التأسف فكيف لا أتأسف لصمتنا حيال مقارعة بقية الدول بالافتخار أن أرضنا تاريخياً وأثرياً يفوق عمرها دولاً تفاخر أن عمر حضارتها أو تواجدها يقدر بسبعة أو تسعة آلاف سنة، فلماذا لا نفاخر أن مدناً كـ«مكة» ومنطقة كـ«الشويحطية» تصل إلى ميلون وثلاثمائة عام قبل الميلاد؟ كيف لا تبرز هذه الحقيقة من خلال الإعلام أو من خلال وزارة السياحة أو الآثار أو من أي جهة كانت؟ كيف لا تبرز أعمار آثارنا المنتشرة هنا وهناك؟ إن أي تواجد بشري قديم جداً يستوجب ألا يُهمل، بل يُكشف ما تركه من أثر. ولو أننا تحركنا من أجل إظهار مواقعنا الأثرية (ليس كخبر) بل تحويل المواقع ذات الأعمار المليونية أو ذات عشرات الآلاف من السنين إلى ثروة سياحية تجتذب كل إنسان بزيارة منطقة عمرها مليون سنة مثلاً، كيف سيكون أثر هذا العمر على الزائر؟ طبعاً زيارتها بعد أن تُهيأ لاستقبال الزوّار. الثروة الأثرية لا يتعامل معها بالأخبار والصمت بعد إعلان الخبر.. لو كنت مسؤولاً في هيئة الآثار لكنت فتحت فمي من غير إغلاقه صائحاً:

- لدينا مناطق أثرية أعمارها تفوق كل أثر في هذه الأرض.

إن السير في الأرض يكشف أعماقاً تاريخية ومعرفية لم تكن على البال.

23:57 | 28-07-2026

كيف يمكن لك أن تعيش من جديد ؟

السأم، أو الملل، أو الضجر كلها مرادفات تنتهي بمفهوم الضيق، وتفقد البعض الاهتمام بما هو عادي، ومكرر. وكل كلمات التخفيف تنشف من غير أن تترك بللاً لمن تواسيه، نحن ندور في فلك ينتهي العمر وما زلنا ندور فيه؛ ولذا علينا التخلص من ضجرنا، فما هو حادث حادث، ولن تصل بعمرك القصير إلى تصفية كدر الدنيا، ولكي لا تفقد عقلك اهرب إلى حقول الفن.. جملة قلتها ذات يوم، وأوصيت بها الأصدقاء في مواقع التواصل، فالفن يمتلك التعويذة التي تنجيك من قساوة الواقع. البعض منا يعيش حياة باردة، وعادية، وأحياناً يتم الاتفاق على صياغتها من خلال الأحداث المكررة، ويكون حالك وفق الدور الذي وجدت نفسك فيه، دور له مسؤوليات تحرص على أدائها بكفاءة المحب لدوره، ذاك الحب الذي نما بالعشرة، والذي طوقك بالمثالية المثلى في التناسق والتناغم مع خطوات أيامك، هي حياة مثالية في نظر الآخرين، ومثالية في نظرك أيضاً، وحين تلجأ إلى الفن كمنظار يمنحك الأبعاد الحياتية للناس، فكل حكاية تختلف أبعادها، وظروفها، ويكون البعد الرابع هو الفارق في حكايات الناس، بُعد يجلي ما ران على حياتك، يقشع العادي، ويريك لوناً زاهياً لم تعتد عليه في أيامك السابقة، الفن (جلاية) وقد يكون أداة تغير للأفكار، أو الحالة النفسية التي دأبت على الظهور بها كحالة توازن في أعين من هم حولك، نحن في حالات خلاف بين الظاهر والباطن، الباطن هو كنزك الخاص الذي لا يعرفه إلا أنت، وأحياناً يغيب عنا، ويظهر جلياً حين تتفرد بذاتك، أو من خلال رواية أو لحن، أو فيلم، يحدث ذلك أثناء توحدك بما يتجسد فناً يلامس أعماقك، فجأة تجد نفسك تتطابق مع خيال المنشئ للرواية أو المجسد لحالة أبطال الفيلم، أو متماهياً مع لحن اجتث المكررات الخبيثة التي عشت بها، الفن يمنحك حيوات أخرى، فتتنقل من حياة إلى حياة، فتجد من يشبهك ومن يختلف عنك ومن هو خارج تفكيرك، أو من يكون نافذة لحياة حلمت بها طويلاً، ولم تصل إليها.. ووصيتي للهروب إلى حقول الفن وصية صادقة حين تكتشف أن لك حياة متخيلة لم تعشها بعد، والانتقال إليها يحتاج عمراً إضافياً. نحن نحتاج أعماراً إضافية لكي نعيش وفق الصورة المجسدة قرائياً أو بصرياً أو شدواً، هذا يذكرني بالحوارية التي تجاذبتها مع موسى محرق (رحمه الله)، كانت حوارية حول العمر القصير الذي يمضي وأنت تؤدي دوراً وجدت نفسك فيه، وواصلت مشوارك من غير التفكير بافتراق العمر عما تتخيله في أعماقك.


أكتب هذه المقالة بعد مشاهدة فلم «برا المنهج» الذي أكد أن خصلة الكذب تؤدي بك إلى حياة كاذبة تواطأ الجميع على تصديقها إلا أن جماليات الفيلم تدفعك للخروج من تلك الخصلة وتصويب حياتك على قضبان الصدق، والسؤال: متى يمكنك الخروج من الحياة الكاذبة لكي تلتصق بحياة تحلم بها في داخلك ولم تصل إليها لأن العمر قصير لا يفي بأي تصويب، ولا يفي في أن تعيش الحياة المتخيلة التي لم تعشها، ويصبح السؤال: كيف يمكن أن أعيش من جديد.

13:24 | 23-07-2026

خلطة النهائي

البارحة الأولى كان حدث ختام كأس العالم شاغل الناس.


العالم أجمع نسي كل شيء، وتعلّقت الأبصار على شاشات التلفاز، ويبدو أن العالم الإسلامي والعربي، أكثر من ركزوا أبصارهم في الشاشات فقط لرؤية دموع (ميسي)؛ لكي يقارنوا بين انسكابها عند حائط المبكى وبين انسكابها على هزيمة منتخبه أمام الإسبان.. مباراة البارحة اختلطت فيها كل المشاعر والانتماءات، اختلاط يظهر أنه كروي إلا أن بداخله السياسي والرياضي والاجتماعي كانت مباراة المراهنات، فالأرجنتين تم مرورها وسط مراعاة وحفاوة لكي تصل إلى المباراة الختامية، وبسبب تلك المراعاة كسبت حنق وعداوة الجماهير حتى إذا وصلت إلى النهائي كانت مشاعر الجماهير العالمية تحمل لها حقداً وأماني بأن تهزم شر هزيمة.


وما حدث في هذه الدورة ألّب الناس على الفيفا تأليباً يبدو أنه خفي إلا الإمعان في المراعاة ظهر ذلك التأليب كخصلة رئيسة لكأس العالم؛ لأن جميع دول العالم شاركت به، وكل من خرج في الأدوار المختلفة حمل ضغينة معينة ظلت تتنامى، وانفجرت في المباراة النهائية، كان الانفجار وديعاً، انفجار حام في الصدور ونفث عدم الرضا، ولو فازت الأرجنتين لكان الغضب عارماً، ذلك الغضب استطاع الإسبان تخفيفه على طول أشواط المباراة حيث أظهروا السيطرة بنسبة 80%؜، تلك السيطرة مكّنت العالم من رؤية لاعبي المنتخب الأرجنتيني في حالة الاستسلام واليأس لفقد الكأس ومع صفارة الانتهاء كانت اللقطات تسرق ملامح (ميسي) ونظراته، ملامح تذرف الدمع على ما مضى، كل ما مضى، يسقط على ملعب ضج بالجماهير، وداع ما مضى وترحيب بكل ما هو آتٍ على قدمي لامين يامال.

00:00 | 21-07-2026

أنت طبيب نفسك..

الكائن الحي، في حالة متغيّرة في كل حين، وقد وصلتُ إلى قناعاتي المتأخرة بعد زمن طويل من القراءة، والبحث، والمقارنة حول ما كان يعترض نفسي من إشكالات ثقافية أو دينية، في مستويات سنّية مختلفة، مع يقيني بأنني في كل يوم أكتسب فيه معرفة جديدة سأكون في شأن معرفي متغيّر.

وقد تعلمتُ مبكراً أن العلوم الإنسانية قابلة للرفض أو الاقتناع، ومهما كانت العلوم الإنسانية مختلفة التوجهات يمكن لك الارتهان لما وصلت إليه من قناعة تخصك، ومع القراءات العديدة تحصّنت بقاعدة الشك، هذا المحرك الذي يجعلك في حركة دائبة للبحث، والتقصي، ولم أعد أرتهن لمعطيات أي معرفة ما لم ألجأ لقراءة الفكرة ونقيضها، وأستل لنفسي قناعة خاصة ربما أرتهن إليها لفترة، وإذا ظهرت معارف جديدة تنقض ما اطمأنت إليه النفس سرعان ما أقتفي (الديالكتيك) في البحث عمّا يناقض الفكرة المستحدثة و(الديالكتيك) ليس بشرطية الفيلسوف هيجل، وإنما بما يوصلني إلى قناعة تمكّنني من الاستقرار النفسي -حتى لو كانت لفترة وجيزة- وإن اعتراني الاهتزاز بالفكرة المتأخرة، فليس لدي مانع من البدء في البحث من جديد.

وإذا أدرجنا مفهوم الاقتناع بأنه حالة خاصة، يمكن وضع مفهوم الإيمان بأنه حالة خاصة أيضاً، ولهذا ليس من حق أي إنسان السعي إلى اهتزاز قناعات الآخرين، ويمكن أن يكون له الحق في إيضاح فكرته، هذا من أجل تأسيس جدوى الكتابة، أو نشر الوعي، أو نقض الأفكار، وهذه هي الرسالة التي على المثقف النهوض بها، وتعميمها، أو إشاعتها، من غير إجبار الآخرين على الاقتناع بما كُتب.

طرأ في بالي هذا الأمر، وأنا أشاهد برنامجاً دينياً لأحد الشباب الذي أخذ في إعادة الأقوال، والأحداث التاريخية التي تم نقضها بالأدلة الدامغة.

وكنت وما زلت أطالب بتنقية الموروث الكتابي من الشوائب التي التحمت به على أن ما حدث هو الحقيقة المطلقة.

أصررت -بيني وبين نفسي- أن هذا الطلب غير ممكن حدوثه لأسباب عدة، قد يكون أهمها أن الناس ليسوا نسخة واحدة، ومع ذلك ثمة حقيقة اجتماعية تؤكد أننا نجتر ثقافة ماضوية بصحيحها وأخطائها من غير تمحيص أو تدقيق أو معرفة (قطعية الدلالة أو ظنية الدلالة)، والمطالبة بهذه المعرفة؛ كي لا يجتر هذا الجيل ما قمنا باجتراره عبر سنوات طويلة.

هنا، تذكرت المثل الشعبي الشهير (كل يعيش بعقله)؛ ولأني أؤمن بأن الإيمان حالة خاصة، وبجوار هذا الإيمان التأكيد بأن نتاج البحث العميق، يوصل المرء إلى إيمانه الخاص، أما قضية (إيمان العواجيز) كما كان يقال فقد بليت هذه المقولة.

الجدة، كل الجدة سلوك طريق البحث، وهو مطلب لمن يعتريه أي شك، فالعجز كان ملائماً لزمنية (إيمان العواجيز)، لكن الآن ليس لمثل هذا القول مكان من الإعراب، فالزمن تحوّل إلى ناصح أمين يؤكد أن البحث هو منجاة لأي شك يعتري أي إنسان، والباحث تجده في حالة تنقلات إيمانية وفقاً للمكابدة البحثية الدائمة التي يعيش بها.

أرى أنك في أمان نفسي كلما جد بحثك عما يقلقك كمعرفة فكرية سواء ارتبطت بالتاريخ أو الأفكار المتشابكة، وأخيراً، وكما يقال للعليل (أنت طبيب نفسك).

00:03 | 20-07-2026

مما لا شك فيه!

ثمة لزمة لفظية عند البعض تتحوّل إلى يقين كامل من غير التحرّز في التأكيد على ذلك اليقين، ومن الأمثلة التي أود التطبيق عليها قول البعض: «ومما لا شك فيه». وهذه الجملة ينفي قائلها أي اعتراض أو استدراك أو خلل أو خطأ في ما يقوله، بمعنى أنه يقول الحقيقة المطلقة، وفي هذا الإصرار تتداعى بقية الحقائق المناقضة لقوله الذي يؤمن به إيماناً مطلقاً.

- فهل القائل صادق أم مدعٍ؟

ولكي لا نعجل بالإجابة فلنتريث قليلاً.

أولاً، لا يمتلك أحد حقيقة جامعة، فكل الأمور مُجزّأة، فمن يمتلك جزءاً لا يمكنه الحكم على بقية الأجزاء التي يمكن لها أن تكون نقيضاً للجزء المحمول في ذهنية المتكلم، وبهذا فكل قول يظل ناقصاً (مقترباً أو مبتعداً عن الحقيقة)، فلماذا يكون الإصرار على جملة (ومما لا شك فيه)؟

فهل يكون القائل دعيّاً أم كاذباً؟

فإن كان دعيّاً يصبح جهله حجراً يلقم به، وإن كان كاذباً ترديده لأي قول يوصله إلى صفة كذوب، والكذوب لا يحمل قوله إلى أدنى مراتب التصديق.

في السابق كنت أسقط حكم أي شخص يستخدم هذه الجملة أو مثيلاتها، ويكون حكمي أن صاحب تلك الجملة يبتعد عن الصدق بفراسخ ضوئية عن الحقيقة، ومع الأيام، ومرور الزمن وجدت أنني كنت سريع الحكم (وهي صفة من صفات الحمق)، فما الذي تغيّر في سرعة أحكامي؟

الذي تغير في مكوناتي الثقافية بأن كل إنسان يمتلك حقيقة خاصة به، حتى ولو كان قوله خطأً من وجهة نظر من يحاوره أو يستمع إليه، فالحقائق لها عدة أوجه، هي حقائق نسبية، فهناك إنسان، وقفت ثقافته عند محطة بعينها، وأصبحت أقواله أو آراؤه مجمدة عند تلك المرحلة التي توقفت معارفه عندها، فهل نعجل بالقول إنه دعي أو كذوب؟

وما بعدها يعتبر خارج الحقيقة بالنسبة إليه، وما يقوله من حقائق (خاصة به) تُعتبَر لدى من تجاوزه ثقافياً مجرد ترهات.

وبين المتيقن في قوله والرافض لذلك القول تسكن نسبية المعرفة، فصورة الحقيقة في أذهاننا ليست على هيئة أو شكل أو صورة موحدة، الحقيقة قيمة أو تعريف أو يقين ساقط في كل حين، ساقط لدى الآخر، ومثبتة لدى القائل، وبهذه المراوحة تتبدل الحقائق جزماً، ونفياً، أي أن الحقيقة لا يمتلكها فرد أو جماعة، فالحقيقة الخاصة يصوغها الفرد، وفق مداركه، وفي داخل المجاميع يمكن هضم مقولاته، وضياعها بين المقولات الكثيرة، فالمجاميع تتحرك دفعة واحدة وفق الرأي المتسيد والأعم، ويصبح وجود الفرد بمقولاته حالة فردية، لا يتوقف أحد لسماع تلك المقولات، وإن حملت معرفة أو رأياً مخالفاً ربما ومع مرور الزمن يمكن الإيمان بها وتكتسب حركة جماعية.

حركة المجاميع تعتمد على ما يتلاءم معها في بعدها المعرفي مكتسباً الرضا.

ومعضلة الرأي المتشدد، أنه لا يقبل بالاختلاف، ويصر على أن الحياة تسير في مسار واحد، مؤكداً على (مما لا شك فيه)، وهذا اليقين الأعمى يسقط حينما يتفرّس بأن للحياة مسالك عديدة، وأن المسلك الذي تسير فيه المجاميع هو الطريق النافذ لكل من سلكه من خلال الرضا والعمل على تنمية الحياة بسهولة ورخاء.

وعلى رأي الكبار في حكمتهم «من رضي عاش».

23:35 | 15-07-2026

نجدة..

ولأن الحال لا يزال على ما هو، أجد نفسي توّاقاً لإعادة ما كتبت.


أعرف تماماً أن تكاليف الحياة باهظة، وأيضاً شهوة الشراء مرتفعة جدّاً في زمن الاستهلاك المميت حتى إن الإنسان يدخل نفسه في قروض بعيدة المدى توصله إلى الضيق أو السجن، ومثل هذه الحالات لا بد من إيجاد آلية معينة تقود الناس إلى مفهوم الترشيد أو خلق نمط معيشي شعبي يحقق الحد الأدنى من الاستهلاك أو إحداث مكنة إعلامية تحارب الاستهلاك المفرط الذي يقود الفرد أو الأسرة إلى حياة استهلاكية تنتهي بحياة القرض وتسديد القرض، وفي هذه الزاوية كتبت مقالاً بعنوان «بيع الجمل يا علي وأشتري مهرٍ إلي!»، مقالاً يشير إلى وصول الاستهلاك مداه، وفي المقابل لهذا الاستهلاك أوجد التجار أو المؤسسات الربحية أفكاراً تدعم هذا الاستهلاك بصورة فاحشة، والكارثة أن المؤسسات سهلت قضية الاقتراض بصورة تفشت لدى الأطفال أو المراهقين، أتذكّر أنني كنت في جلسة وديعة حضرها الأطفال والمراهقون وكذلك ذووهم..


دار الحوار حول اندفاع الشباب والأطفال لشراء ما يريدونه من غير الحاجة للسلعة المشتراة، وقصور دخولهم عن تغطية ثمن تلك السلع. إحدى (المفعوصات) قالت: ما دام هناك (وذكرت منصات) تعطيك قرضاً من غير فوائد فلا مشكلة!


واكتشفت من خلال الجلسة أن جل الحاضرين (من الشباب والأطفال) يشترون بالاقتراض حتى وإن كان السداد على دفعات ومن غير فوائد إلا أن النتيجة في المحصلة العامة تدخل في باب الخطر الشديد على حياة هذه الفئات، ولو تذكرنا طفولتنا كانت النصيحة الأولى لا تبدأ حياتك بالاقتراض، واكتفِ بمد (كراعينك) بما يتناسب مع لحافك، ويبدو أن الشباب خرجت أقدامهم من تحت كل اللُّحف حتى وصلت إلى شوارع المولات المختلفة.


أعرف تماماً أن الحياة غدت مكلفة، وباهظة التكاليف (كما قلت)، وأن ظاهرة الاستهلاك عمت وشاعت، وليس أمام الناس إلا باب وحيد، هو باب الاقتراض، فاندفع الناس زمراً وأفراداً نحو ذلك الباب، ومع ذلك الاندفاع لم يعد مهماً ارتفاع نسبة الاقتراض ما دام الفرد يستطيع تحقيق رغبته في الشراء.. وهذه الرغبة أصبحت شاحنة تهرس الناس على قارعة الطريق.. وأعتقد أن الدعوة إلى الترشيد لن يسمعها أحد، فداء الاستهلاك عطّل كل الحواس. نعم، ارتفعت نسبة الاقتراض، وارتفعت معها نسبة الاستقطاع؛ ونتيجة هذا الوضع السالب تنعكس على حياة الناس كحياة مخنوقة بالديون لسنوات طويلة، والأمر يحتاج إلى رجال الاقتصاد لاستخراج الحلول التي يمكنها استقرار حالة الفزع الممكن حدوثها في الحالة المعيشية للناس، وهذا يستوجب تنبيه المستشارين للتدخل لإبقاء الأنفس مطمئنة من خلال الحلول التي تحمي حياة الناس من الارتهان للقروض.


وإذا كان الاستقطاع ثلث الراتب خلّف خلفه بقاء الأفراد للسنوات طويلة مساجين من أجل السداد للبنوك، طبعاً ليس سجناً عاماً كما تشير الجملة، وإنما السجن استعارة لضيق منافذ الحياة بسبب الدين، وتتضاعف المشكلة حينما يغازلك بنك ما بأنه سيقرضك ما دام راتبك يمكن له احتمال دين إضافي.


هذه الحالة مرت على الكثيرين، الاقتراض والسداد، وتكملة الشهر في حالة اختناق، ويأتي الراتب ليطير في عدة أيام، مرت هذه الحالة بأناس كثر، الجديد أن الأطفال في حالة اقتراض من تلك المؤسسات المفتوحة على الغارب، طفل يقترض ويسدّد من مصروفه الخاص إن كان له مصروف، بمعنى آخر أن الأبناء مساجين لهذا الاقتراض، فحالة الاقتراض اتسعت لتصل إلى أطفال ما زالوا في السنوات الأولى من حياتهم.. أليس هناك من حل لآفة الاستهلاك، والاقتراض لحاجة ومن غير حاجة؟


والله والله ثم والله الحالة تخرج نفسك من تجويف صدرك!

00:11 | 15-07-2026