أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/238.jpg?v=1768301522&w=220&q=100&f=webp

عبده خال

جنون عسكرة العالم

ذات يوم تساءلت:


هل حنّ العالم الغربي للاستبداد؟


فالتاريخ لا ينسى أوراقاً مخبأة، أو أوراقاً مكشوفة، فأوراق الحربين العالميتين مكشوفة، كما أن خروج نتائج الحرب الثانية كفيل في إظهار ذلك الاستبداد. والسؤال السابق ليس ساذجاً، بل عودة إلى طبيعة السلطة، فالاستبداد سمة، وعنصر جوهري في تركيبة السيطرة، ومنع أي معارضة تنشأ بين المجاميع.


والعالم الغربي وصل إلى المرحلة المتقدمة في إنشاء أنظمة ديمقراطية تمكّن الفائز في الانتخابات من اعتلاء سدة الحكم، إلا أن هذا الانتخاب يمكن أن تشوبه مغالطات كثيرة، ومع ذلك ثمّة ارتضاء بالنتائج، وأي طرف من أطراف المتنافسين للوصول إلى السلطة يحمل في جوهره الذاتية أو جوهر دولته. فجوهر الاستبداد يظل قائماً سواء لدى الفائز أو المهزوم.


ومناقرة أي متنافسين على السلطة (في العالم الغربي) تمثّل شكلاً من أشكال الصراع الناعم المتحضّر، ومهما كانت نعومته فالمستخلص منه بحث الطرفين عن السلطة للسيطرة (الاستبداد)..


ولأن الحكم حكم الأحزاب اليمينية (في أغلب الدول الغربية) نلحظ الجانب الاستبدادي، وإن غُلِّف بغلاف الديمقراطية، فأنظمة أحزاب اليمين قامت بعسكرة دول العالم، والنظام العسكري لا يقبل بالديمقراطية، ولأن شعار الديمقراطية ترسّخ في أذهان أفراد ودول العالم الثالث أو الرابع، ظلت تلك الدول على إيمانها بأن الدول الغربية دول ديمقراطية.


تغيّر الوضع الآن، وأعتقد أن من يحكم العالم ليس له شكل ديمقراطي أو شوعي أو مختلط، الحقيقة أن من يحكم الدول هي المصلحة الوطنية (في جميع دول العالم)، فليتم مجاوزة المصطلحات السياسية القديمة، والارتهان للواقع المعاش، وإن تراءى لك أن الديمقراطية أفل نجمها فذاك هو الأمر الصائب.


إذاً، لنصل إلى قناعة بأن جوهر الاستبداد (العسكرة) ناقض للديمقراطية الغربية، فهذا هو النظام الدولي راهناً أو مرحليّاً.. ربما يكون هذا تبسيطاً مخلاً، إلا أنه يمكن التأكيد أن السلطة- في أي مكان- ما هي إلّا قوة تبحث عن السيطرة ومصالحها الوطنية، بغض النظر عن القيم والمبادئ التي تحاول جذب العالم إلى ميزان العدل.


وأعتقد أن ليس هناك ميزان للعدل أمام المصالح الوطنية، التي تجب كل القوانين والأنظمة والأعراف لصالحها، وفي هذا درس حقيقي لجميع دول العالم بأن الاستبداد مهما كان هو نتاج البحث عن المصلحة، ومن باب أولى حماية مصالحك بالمهادنة إن كان هناك قوة ساحقة، والمهادنة ليست خوفاً، بل ذكاء يمكنك من الانحناء في وجه العواصف المدمرة.

منذ 14 ساعة

أطفال سجناء..!

أعرف تماماً أن تكاليف الحياة باهظة، وأيضاً شهوة الشراء مرتفعة جدّاً في زمن الاستهلاك المميت حتى إنّ الإنسان يدخل نفسه في قروض بعيدة المدى توصله إلى الضيق أو السجن، ومثل هذه الحالات لا بد من إيجاد آلية معينة تقود الناس إلى مفهوم الترشيد أو خلق نمط معيشي شعبي يحقّق الحد الأدنى من الاستهلاك أو إحداث مكنة إعلامية تحارب الاستهلاك المفرط، الذي يقود الفرد أو الأسرة إلى حياة استهلاكية تنتهي بحياة القرض وتسديد القرض، وفي هذه الزاوية كتبت مقالاً بعنوان «بيع الجمل يا علي واشتري مهرٍ إلي!»، يشير إلى وصول الاستهلاك مداه، وفي المقابل لهذا الاستهلاك أوجد التجار أو المؤسسات الربحية أفكاراً تدعمه بصورة فاحشة، الكارثة تلك المؤسسات سهّلت قضية الاقتراض بصورة تفشّت لدى الأطفال أو المراهقين، أتذكر أنني كنت في جلسة وديعة حضرها الأطفال والمراهقون وكذلك ذووهم..

دار الحوار حول اندفاع الشباب والأطفال لشراء ما يريدونه من غير الحاجة للسلعة المشتراة، وقصور دخولهم عن تغطية ثمن تلك السلع، إحدى (المفعوصات) قالت: ما دام هناك (وذكرت منصات) تعطيك قرضاً من غير فوائد فلا مشكلة!

واكتشفت من خلال الجلسة أن جل الحاضرين (من الشباب والأطفال) يشترون بالاقتراض حتى إنّ كان السداد على دفع ومن غير فوائد، إلّا أن النتيجة في المحصلة العامة تدخل في باب الخطر الشديد على حياة هذه الفئات، ولو تذكرنا طفولتنا كانت النصيحة الأولى لا تبدأ حياتك بالاقتراض، واكتفِ بمد (كراعينك) بما يتناسب مع لحافك، ويبدو أن الشباب خرجت أقدامهم من تحت «اللحف» كلها، حتى وصلت الى شوارع المولات المختلفة.

أعرف تماماً أن الحياة غدت مكلفة، وباهظة التكاليف (كما قلت)، وأن ظاهرة الاستهلاك عمّت وشاعت، وليس أمام الناس إلا باب وحيد، هو باب الاقتراض، فاندفع الناس زمراً وأفراداً نحو ذلك الباب، ومع ذلك الاندفاع لم يعد مهماً ارتفاع نسبة الاقتراض ما دام الفرد يستطيع تحقيق رغبته في الشراء.. وهذه الرغبة أصبحت شاحنة تهرس الناس على قارعة الطريق.. وأعتقد أن الدعوة إلى الترشيد لن يسمعها أحد، فداء الاستهلاك عطل كل الحواس. نعم، ارتفعت نسبة الاقتراض، وارتفع معها نسبة الاستقطاع.

ونتيجة هذا الوضع السالب انعكست على حياة الناس كحياة مخنوقة بالديون لسنوات طويلة، والأمر يحتاج الى إفتاء رجال الاقتصاد لاستخراج الحلول التي يمكنها من استقرار حالة الفزع الممكن حدوثها في الحالة المعيشية للناس،

وهذا يستوجب تنبيه المستشارين للتدخل لإبقاء الأنفس مطمئنة من خلال الحلول التي تحمي حياة الناس من الارتهان للقروض.

وإذا كان الاستقطاع ثلث الراتب خلّف وراءه بقاء الأفراد لسنوات طويلة مساجين من أجل السداد للبنوك، طبعاً ليس سجناً عاماً كما تشير الجملة، وإنما السجن استعارة لضيق منافذ الحياة بسبب الدَّيْن، وتتضاعف المشكلة حينما يغازلك بنك ما بأنه سيقرضك ما دام راتبك يمكن له احتمال دَيْن إضافي.

هذه الحالة مرت على الكثيرين، الاقتراض والسداد، وتكملة الشهر في حالة اختناق، ويأتي الراتب ليطير في أيام عدة، مرت هذه الحالة بأناس كثر، الجديد أن الأطفال في حالة اقتراض من تلك المؤسسات المفتوحة على الغارب، طفل يقترض ويسدد من مصروفه الخاص إن كان له مصروف، بمعنى آخر أن الأبناء مساجين لهذا الاقتراض، فحالة الاقتراض اتسعت لتصل إلى أطفال ما زالوا في السنوات الأولى من حياتهم.. أليس هناك من حل لآفة الاستهلاك، والاقتراض لحاجة ومن غير حاجة؟

والله والله ثم والله إنّ الحالة تخرج نفسك من تجويف صدرك!

منذ يوم

مكة.. مكة

لكل مكان موعد مع الذكرى، ومكة لا تُنسى مطلقاً، يومياً ووجوهنا صوبها، وفي هذه الأيام يتوافد إليها الحجيج من كل صوب. نعم ففي مكة، كل شيء يروي حكاية: الطرقات، الحجارة، حتى الهواء يحمل عبق أزمنةٍ مضت، ولم تغب. الأسواق التي ازدحمت قديماً بزوارها، لم تكن مجرد مواقع للبيع والشراء، بل كانت مشاهد لحركة دؤوبة، حيث يتقاطع القادمون من كل مكان، يحملون بضائعهم ولهجاتهم، يساومون، ويتبادلون الأحاديث كما يتبادلون السلع، فكانت التجارة هنا نسيجاً ممتداً من التواصل الإنساني قبل أن تكون أرقاماً وحسابات.

الآن، تبدلت الواجهات، وحلّت الحداثة بملامحها الجديدة، لكن روح المكان بقيت، تحاول أن تتأقلم دون أن تفقد هويتها. وبينما تتسارع عجلة التطوير، يظل السؤال حاضراً: كيف يمكن لمكة أن تنمو دون أن تفقد ملامحها القديمة؟ كيف تحافظ على سحرها الممتد منذ قرون، بينما تتجه نحو المستقبل بكل ما يحمله من تغيير؟

مركاز البلد الأمين، بمبادراته ونقاشاته، يطرح هذه الأسئلة في فضاءٍ مفتوح، حيث يلتقي الفكر بالممارسة، وتتداخل الرؤى بين من يريد الحفاظ على عبق الماضي، ومن يسعى لرسم ملامح الغد. فالاستثمار في مكة ليس مجرد إنشاء مشروعات اقتصادية، بل هو استثمار في تجربة إنسانية متكاملة، حيث يُعاد بناء الأسواق دون أن تفقد دفئها، وتُرسم الممرات دون أن تُمحى آثار الخطى القديمة.

هنا، في هذا المركاز، لا تُطرح الأفكار من برجٍ عالٍ، بل تتقاطع على الطاولات، في أحاديث تنسج تفاصيل المستقبل كما كان يفعل أهل الأسواق قديماً، حين كان الاتفاق على البيع والشراء لا يقتصر على تبادل النقود، بل كان يبدأ بكلمة، ويُحسم بالمصافحة، ويُتوج بالرضا.

الاستثمار في مكة يجب أن يكون بهذا الفهم، تجربة تنبض بالحياة، لا مشروعات صامتة لا تحمل روح المكان. وحين تُضاء ليالي المركاز بالنقاشات، فإنها ليست مجرد حوارات عابرة، بل محاولات لإعادة تشكيل العلاقة بين التاريخ والمستقبل، بين الإنسان والمكان، بين البازارات القديمة والمشاريع القادمة، بحيث تبقى مكة، كما كانت دائماً، ملتقى للزائرين، وموطناً للحكايات التي لا تنتهي.

منذ يومين

غطوني

الحقيقة لا تتواجد عند أحد، والنسبية هنا أمر ضروري، فما تراه حقيقة تسقط عن امرئ يمتلك معرفة شاملة تبز معارفك، لذا يكون الحوار موصلا إلى معارف أخرى، وإذا دخلت في حوار لا تقدم إصرارك على عدم الاقتناع.


وكل مجال له خلفيات تجهل عمقها، وصفة الجاهل - في الحوار- يقينه أنه يعرف كل شيء، ولا أريد أن أسقط هذا اليقين، ليكن هذا ما عززت به قناعاتك، لهذا أنت غير مؤهل لأي حوار، وهذه الصلادة في الرأي تذكرني بحوار الرجل العراقي والرجل الشامي اللذين احتكما لمعاوية بن أبي سفيان حول ناقة للرجل العراقي والذي أصر الرجل الشامي أنه جمل (والقصة مذكورة في كتاب البداية والنهاية)، وما أريد قوله أن لا تجادل غبيا أو أحمقا فليس في ذلك الجدال من فائدة سوى الصداع الذي لن تتشافى منه خلال النقاش، وهذا ما يقال عنه حوار (بيزنطي) ليس في عمق الفلسفة البيزنطية التوفيقية التي ظهرت في القرن الرابع ١٤٥٣ ميلادية كمنتج للمحافظة على الإرث اليوناني في دمج العقل بالإيمان، لم أقصد أولئك الفلاسفة وإنما قصدت الجدل العقيم..


والكارثة إذا كان جدلك مع من بيده إسقاط عقلك عن التفكير، فليس هناك جدل مع من بيده مصيرك، فالجدل مع هذه النوعية ليس أمامك سوى التصديق بما يقول حتى لو قال إن رأسك منبسط كالكرة الأرضية !


وإذا أردت أن تريح دماغك لا تحور أحدا، يكفيك أن تهز رأسك بالموافقة وليس في هذه الهزة إذعانا لأحد وإنما ترسيخ مقولتي التي تتسلح بها بأن كل إنسان صائب من وجهة نظره، وهي المقولة التي استنبطها المثل الشعبي (كل يعيش بعقله).


والوصية أن تحاور من يريد المحاورة ويريد أن يقتنع إن كانت حجتك دامغة، نحن جميعا بحاجة للحوار من غير الإصرار في عدم الاقتناع، أما من لا يريد الاقتناع فكرر جملة (الله يمنحك المزيد من الغباء الذي يفضحك أمام الجميع)، أو جملة (أنت شارب أقراص عدم الفهم)،


أو جملة قاطعة باترة (ما في فايدة)، متذكرا اسم صفية زوجة الزعيم سعد زغلول حين يأس وقال: (غطيني يا صفية.. ما فيه فايدة).

07:39 | 29-04-2026

السرد بحاجة إلى معرفة..

من أراد الجدال وليس الاقتناع سيطول معه الجدال إلى ما لا نهاية، فاصل الجدل الوصول إلى قناعة مرضية بين المتجادلين على شرطية أن المتجادلين يستهدفون الحق.

والبينة تأتي من كثرة الاطلاع والقراءة، ومن لا يقرأ يفقد ميزة العمق المعرفي، والعلوم الإنسانية متسعة الجوانب، وعميقة القرار، وما ينتج عن تلك العلوم لها نفس الخاصية.

فكل الفنون ذات قابلية لامتصاص الآراء قبولاً أو اعتراضاً، ومن تلك الفنون فن السينما، هو فن له أغراضه المتنوعة، وأهدافه المتباينة.

ولأن العالم يموج بهذا الفن، فكل المنشغلين به هم باحثون عن المختلف غير السائد؛ ولذا تكون الأفكار هي المستهدفة، وكلما كانت الفكرة نادرة حققت السبق، والتقدم، والرواج، وأي اقتباس للفكرة، يكون الفيلم المقتبس شائناً؛ لان أصل الفكرة لها عمق ثقافي يختص به المكان الذي نبعت منه الفكرة، فكاتب القصة أو السيناريو يحمل مدلولات ثقافية خاصة ببيئته وناسها.. وأي اقتباس لفكرة فيلم يحدث تباين صارخ بين بيئة الفكرة، وبيئة الفيلم المقتبس لاختلاف البيئتين ثقافياً وتاريخياً، واجتماعياً، وخصائص نفسية لإنسان البيئتين.

وعيوب الاقتباس تظهر جلية خصوصاً لمن شاهد الأصل، فتحدث المقارنات وغالباً يتم الاستهانة بالمقتبس، واعتباره نسخة رديئة، وتُفقد المنشغلون في الفيلم المقتبس الثقة، وعدم الاحترام، خصوصاً إذا تدخل المخرج في الإضافة أو الحذف.

إذاً، ما الداعي إلى اقتباس فيلم نجح في نسخته الأم، هل يكون الداعي لذلك اكتساب جماهرية الأصل؟ ليكن، إلا أن خلف الفيلم المقتبس تكمن الاتهامات كالغش، والتدليس لمن لم يشاهد الأصل واكتشف لاحقاً ما تمّت ممارسته معه من خداع.

السؤال الحقيقي: لماذا يلجأ المنتجون إلى تمويل فيلم مقتبس؟

هنا أجوبة عدة، وبغض النظر عن تلك المنطلقات في الإجابة؛ لأن أي إجابة كانت، ستُظهر مشكلة رئيسية، فحواها أن المنتج أو المخرج أو كاتب السيناريو فقراء في الجانب القرائي، أو مترفعون عما ينتج من قص وسرد داخل بلدانهم، أو متسرعون في إنجاز أفلامهم كيفما اتفق، المهم لديهم إنتاج، وبيع، وحصد الأموال من أفلام تحقق الربحية بغض النظر عن جودتها.

وحقيقة أن كل بلد في العالم له منتج سردي، لو تم الالتفات لذلك المنتج لحققت السينما المحلية نجاحات من خلال كُتّاب البلد، ولو أردت الحديث عن السينما السعودية أكاد أجزم أن ثمة أفكاراً خلاقة متواجدة في سرديات كُتّابنا المحليين، ولا تحتاج إلا إلى تنقيب في مخزوننا السردي، وإن كان هناك كسل في الجانب القرائي لدى المنتج أو المخرج، فليس عيباً أن يتم خلق وظيفة منتمية لهيئة الأفلام أو الشركات السينمائية المنتجة، بحيث يكون هذا الموظف مرجعاً ثقافياً مختصاً في الجوانب السردية، ويقوم بتزويد الجهتين بأفكار مستخلصة مما تحمله القصص والروايات المحلية من أفكار خلاقة.

00:00 | 28-04-2026

قبل الرحيل

لا تترك قلبك وحيداً..

هذه قاعدة حياتي، لذا أتواصل مع الكل حتى إن أغفل الآخرون هذا التواصل.

الحياة نفس قصير، لا يمتد مع امتداد التريّث الذي نؤجل فيه كل كلمة طيبة لمن أساء أو من أحب..

كم من عزيز فارقنا، أو فارقناه؟

في جعبة كل منا عشرات الشخصيات، التي لم نكن نتصور أن الزمن يستطيع قرض السنوات التي أوثقت رباطها بيننا..

نعم الحياة رحيل، ترحل أنت، أو يرحل هو.

والمؤلم أن يكون الرحيل في الحياة الدنيا، قلة من يحاول معرفة أسباب الرحيل لكي يزيل مسببات الفرقة، أو الانقطاع، ويوصل منقطعاً.

وقلة من يستجيب للوصل، والكثرة تجذبهم تجاويف الحياة ومشاغلها، فيجمد لحظات الزمن في نقطة القطع.

وثمة مثل شعبي تهامي ينص على أن الأخوّة هي أخوّة الدنيا (أخويه في الدنيا وفي الآخرة يا بخت تلقاني).. وتقطع روابط الود والمحبة بحاجة إلى إعادة مد الحبال وربط المقطوع، ومسؤولية الإنسان الحقيقي ألّا يكون فرداً.

الفردانية صفة إلاهية، فلا يحق للإنسان أن يكون فرداً.

والذي يصيبني بالأسف والحسرة، كثافة المقطوع من العلاقات الإنسانية، وأيّاً كان السبب، مادام باستطاعتك ربط منقطع، سارع بالوصل، فالحياة الدنيا سريعة التخلّي والانقلاب.

ولأن الحياة هي ارتحال، فكم من شخص عزيز ارتحل إلى الضفة الأخرى.. كم؟

كل يوم أسمع أن عزيزاً أخلى مكانه، والتحف التراب، وغدا بعيداً، بعيداً جدّاً عن الوصل، والتواصل، وسبب حسرتي أني لم أوصل علاقتي بمن هو حي، أحبتي كثر، وكل واحد منهم أحبه من على بعد، وكان بالإمكان إجراء مكالمة فقط كي أبلغه مقدار حبي له، فأي مشاغل تقطعنا؟ وأي جفاف يسكننا؟..

بالأمس مات رؤوف مسعد، وهو آخر الراحلين الذين أحبهم، سنوات لم أجرِ اتصالاً به، وعندما سمعت بموته لم تعد الحسرة أو الأسف قادرين على إيصال حي بميت.

وإذا كانت الحياة ارتحالاً، امسك بالحي وأوصل مشاعرك إليه قبل أن يترجل أحدكما من على صهوة هذه الحياة.

00:00 | 27-04-2026

أسباب تراجع مهرجان البحر السينمائي!

سبق أن كتبت مقالاً عن بعض الملاحظات في مهرجان البحر الأحمر السينمائي وعن أهدافه في تنمية الكوادر السعودية في المجال السينمائي، فهناك من يقول عفا الله عمّا سبق. ليكن كذلك، لكن من الضروري تلافي الأخطاء، التي حدثت في الدورات السابقة للمهرجان، ولكون الإدارة جديدة (أعتقد فقط الرأس بينما جلُّ العاملين لم يطرأ عليهم تغيّر)، لذلك نواصل كتابة الملاحظات التي اعترت مهرجان البحر الأحمر.
وقد حقق المقال السابق تفاعلاً من المنشغلين بالسينما، وأضاف بعضهم نقاطاً لم ترد في المقال السابق، لذا سأذكر بعض الملاحظات على شكل نقاط، لنبدأ:
- الممثلون أنفسهم يدعون كل سنة، وكأنّ الصناعة فقط ممثلون، فأين الكتّاب والمخرجون والمنتجون الذين هم وقود الصناعة السعودية؟
- ⁠لجان التحكيم تفتقد لسعوديين لديهم باع طويل في الإنتاجات السعودية، ويتم الاكتفاء بممثلين وممثلات تتكرر أسماؤهم بشكل لافت.
- ⁠صحيح أن المهرجان عالمي في السعودية، لكن من ضمن أهدافه انخراط الصُنّاع مع الضيوف العالميين والحديث معهم وفتح آفاق تواصل إلّا أن الضيوف العالميين يحضرون الافتتاح والحفلات الخاصة، التي لا يتم دعوة الصُنّاع السعوديين فيها ويحرمون من هذه الفرصة.
- ⁠الكل يتحدّث عن عدم وجود حوكمة واضحة تسمح لدعوة كثير من الصُنَّاع.
- ⁠تقديم الحفل في أرض السعودية، والمقدمون السعوديون من الصناعة كثر وتزخر بهم ساحاتنا وقنواتنا، لكن إصرار عجيب أن يتم تقديم حفل الافتتاح كل سنة باستقطاب مقدمين من خارج السعودية دون مبرر، فالحضور العالمي يحضر ليستمتع ويستمع لصُنّاع الدولة المستضيفة وتقاليدهم وثقافتهم.
- ⁠غياب كثير من الأسماء السعودية في الصناعة، الذين لديهم أعمال قوية على الساحة من أسماء المدعوين مقابل أسماء سعودية وعربية ليس لهم إنجازات مسموعة وبعضهم يحضر وينتقد وهم في دولهم ليس لهم أعمال من عشرات السنين، ولا يضيفون أي قيمة للصناعة في الوقت الحالي، إضافة لمشاهير السوشيال ميديا الذين يحضرون ويملأون المقاعد وغيرهم أولى بها.
- نريد مهرجاناً ثقافيّاً يثري الحركة الثقافية الفنية وليس للصور فقط، فالإعلاميون كفيلون بتغطية هذا الحدث.
- ⁠نريد حفل افتتاح يبرز ثقافتنا وهويتنا للحضور العالمي، وليس أسماء فنية مستوردة، في الوقت الذي تشارك فيه وزارة الثقافة ثقافتنا وفنوننا في محافل عالمية في نيويورك وباريس ولندن، نرى حفل افتتاح بفقرات غربية لا تمثلنا.
- للأسف كثير من الصُنّاع أصبحوا يخافون من النقد البنّاء لما يسمى حالياً بالقائمة السوداء التي ممكن تجعلهم في خانة المغضوب عليهم من كل المحافل.
وثمة ملاحظات تتمثل في عدم الاهتمام بالتواصل مع الجهات المختلفة المعنية بصناعة السينما، وعدم التواصل يعني عدم التجاوب مع المعنيين، فربما فكرة تأتي إدارة المهرجان تغفل عن التواصل مع صاحبها، ويضاف إلى ذلك إذا تم الاتفاق مع جهة بعينها يتم قطع التواصل وعدم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
ويغدو المرء أو المؤسسة غير قادرة على معرفة ما سيحدث معهم، وإلى أين وصلت الأفكار التي تم الاتفاق عليها.
بعد هذا، أقول إن مهرجان البحر الأحمر السينمائي حقّق الشهرة العالمية، وماذا بعد، شهرة من غير استفادة للشباب السينمائيين المحليين، أن تقدم شهرة من غير استفادة أشبه بالمثل ذائع الصيت «أسمع جعجعة ولا أرى طحيناً».. وسلامتكم.

00:00 | 26-04-2026

ماذا قال المخرج عبدالله المحيسن؟

في إحدى المشاركات الأدبية -في دولة عربية- كان عنوان المشاركة (المركز والأطراف في الثقافة العربية)، فوجدتها فرصة لأن أعيد حواراً (على هامش ذلك المهرجان) دار بين عدد من المشاركين في المهرجان، وكنت اعتبر أديباً من دول الأطراف، وغالباً كان يقال إن دولتنا تمثّل الرجعية، وكان المتحدث أحد أدباء دول المركز، نظام الحكم في دولته جمهوري يمثله العسكر، وبعد أن زاد وأفاض عن الرجعية ونظام الحكم الوراثي، طلبت منه أن أتحدث عن أنظمة الحكم في العالم، وذكرت له أكثر من عشر دول نظام حكمها وراثياً ملكياً تنتقل فيه السلطة بيسر وسهولة من غير ثورات وقلقلة البلاد، وذكرت له عشرات الأنظمة الجمهورية التي جاءت من خلال الانقلاب والثورات، وطلبت منه المقارنة بين استقرار تلك الدول ونموها.

أغلب الدول الجمهورية العسكرية فاشلة، وقد دمرت مكتسبات دولها، أما عن الرجعية فمن يحمل لواء التنوير فهي الدول التي كان يطلق عليها الدول الرجعية، وقد أثبت الواقع أن الشعارات القديمة سقطت، وأن مفهوم دول المركز والأطراف تغيّرت تماماً، حتى أن دول المركز سقطت وأصبحت دولاً تتصف سياسياً بأنها دول فاشلة (وكلمة دولة فاشلة لها معانٍ كثيرة أهمها أنها دولة عاجزة عن النهوض)، وأن ما كان يطلق عليها دول الأطراف غدت دولاً حاملة لواء النمو والحداثة معاً، ومواطنوها يعيشون في رغد العيش.

لماذا أتذكر ما حدث سابقاً في زمن مفهوم المركز والأطراف؟ حدث ذلك حينما استمعت لكلمة المخرج السعودي عبدالله المحيسن حينما تم تكريمه في مهرجان (مالمو) السينمائي في السويد في دورته الـ16، والتكريم جاء تتويجاً لمسيرته السينمائية المبكرة. وحين تحدّث المخرج عبدالله المحيسن في تكريمه السينمائي، وصفت مقولاته الواقع وما حدث في المملكة من الاستفادة من التجارب العربية وتلافي أخطاء تلك الدول، وأثبتت أن المملكة وانتقالها السياسي منذ عهد الملك عبدالعزيز، وصولاً إلى الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده وصلت إلى الرؤية المستقبلية للدولة، واستطاعت نقل المجتمع في مأمن رغم المتغيّرات السياسية الكبيرة، واستطاعت نقل المجتمع ضمن دائرة النمو والارتقاء، ذاكراً أنه كان شاهداً لتجمع الخبراء من جميع الدول العالمية للاستفادة من خبراتهم؛ كي تكون المملكة ضمن الدول المتقدّمة في الجانب التقني، حتى أنها خصّصت هذا العام لأن يكون عام الذكاء الاصطناعي. وقال المخرج عبدالله المحيسن الكثير عما فعلته الدولة ضمن رؤية 2030 بقيادة الأمير محمد بن سلمان؛ لكي تكون المملكة في مقدّمة دول العالم.

قوله ذكّرني بما بدأت به المقال، وهي حقيقة يعززها الواقع.. الآن ثُبُتَ أن المملكة هي مركز العالم العربي، بل هي مركز عالمي يسعى الجميع لأن يكون شريكاً مع بلادنا في المشاريع الضخمة في جميع مستويات المعيشة والتقنية العالمية.

ولا أشك أن مفهوم المراكز الثقافية العربية سقط واقعاً، وغدت السعودية مركزاً ثقافيّاً واقتصاديّاً وتقنيّاً.

00:01 | 23-04-2026

موات.. يحييه الفن سلماً وحرباً

الحروب أداة تقليم البشرية، وفي أي حرب تُخلف أنقاض من الناس إما قتلى أو مهجّرين، وقد سبق أن كتبت مقالاً بعنوان (هل يأتي الفن من رحم الدمار؟). وإن كان السؤال يشير إلى تمجيد الأعمال التي كتبت عن الحروب بعد انتهائها، منطلقاً من أن للنفس البشرية مطامع كثيرة، فهي ترغب في الاستحواذ على كل شي، سواء كان ذلك في السلم أو الحرب، وإذا رأينا هذه النفس في السلام، يتقدم إلينا الناعقون، فهناك من يشتكي من هزال الفنون، ويرون أن تقوية ذلك الهزال بحاجة ماسة إلى حرب مدمرة تعيد المأساة الإنسانية إلى الواجهة، وفي هذا الرأي (شطط التطرّف أو أنه تدليس محض)، ومع الادعاء أن الحرب تعيد توضيب السلوك العالمي، وتأسيس قواعد أخلاقية جديدة!

وليفرح أولئك المنادون بحرب شاملة، فالواقع الراهن يبشّر بتلك الحرب، فنحن نعيش واقع ارتباك المفاهيم السياسية، ونتخوف من إطالة المراوغات الكلامية المؤدية إلى وقوع اختلاف حاد بين المصلحة الوطنية وبين الدخول في ذلك الارتباك، لإحداث حرب شاملة، وتلك الحرب تأتي من كسر العمود الفقري للمجتمعات، والسطو على الممتلكات، والحقوق، وجعل الحق باطلاً، والباطل حقاً لما تعانيه أجزاء أو جزء من هذه الخارطة الجغرافية.

وليس من الفطنة الدخول إلى فرن عالي الحرارة كي نؤكد أن الحرب تنتج فنّاً عظيماً.

وكذلك لسنا في حاجة إلى مسرحية (جنرال الشيطان) التي ركّز فيها كارل تسوكماير على الماضي النازي المرتهن على الصراع بين الضمير والطاعة، وتفسخ الأخلاق التي ولدت ذلك الوحش النازي المدمر للبشرية، كما أننا لسنا في حاجة إلى لوحة تشكيلية تمتدح الحرب، أو ترفضها، ولسنا في حاجة لمشاهدة مسرحية فجة لتدمير العالم.

نعم، الواقع به مسرحيات عديدة لا نكتشف أبطالها إلا بعد أن تدهسنا دواليب عربة خشبية، كما أننا لن نُخدع بروايات تُوصف بالإبداع بعد موت الملايين، وهذا ما تفعله الأعمال الفنية والأدبية بعد حدوث الدمار، فتكون كالنائحة المستأجرة، تقيم بكائية لمن لا تعرفه، وبمثل هذه الصورة يكون منتج الفنان أو الأديب بعد (حرق مالطا)، فالأعمال الفنية الخارجة من أتون الحروب أبشع تمثيل لها ما يفعله حيوان (الضبع) الذي يعيش على الجيف بينما لا يكون له دور أمام الأحياء، أو يكون أشبه بعمل (المتسبب) الباحث في الانقاض عن أي شيء يجده ليبيعه.

فما يكتب من رواية أو شعر بعد أي دمار -حربي- يكون المنتج كتوزيع شطائر مكوناتها الرئيسية دم متلبد.

وحين تعود الذاكرة للمنتج الأدبي بعد الحرب العالمية الثانية، وبقليل من التروي تكتشف الحقيقة المرة المتمثلة في تأخر الأدب عن الواقع، فالاستشراف كان كليل البصيرة، ومهما كانت روعة المكتوب عن الدمار إلا أنه لا يفي أو لا يحيط بحجم كارثة الحروب، فلوم الروائي الألماني هاينريش بول في رواية (صورة جماعية مع السيدة) إبّان الحرب كسرت القيم والمثاليات إلا أن قيام الحرب هو الكسر الفعلي للإنسانية، فهاينريش لم يأتِ منتجه الأدبي إلا لاحقاً للحرب، وللدمار، فكيف أسّس لومه؟، لم يكن هناك تأسيس للوم أو الحزن، فمثله روائيون كثر كانت كتاباتهم ردة فعل لما أحدثته الحرب من دمار، وحين كتب الروائي غونتر غراس رواية (الطبل والصفيح) أراد لذاته أن لا تكبر، وليس بطل روايته هو المعني بذلك، هو أراد بتلك الحيلة السردية البقاء في أزمة وأزمنة الحرب؛ لكي يتماسك حيال انكسار الذات وعدم تلاؤمها مع ما حدث، كما أن روايته (سنوات البؤس) جاءت لاحقة في تجسيد بؤس الكتابة الإلحاقية، المتأخرة تأكيداً على عجزها من الاستشراف لذلك الدمار.

كل الآداب والفنون اللاحقة للحروب ما هي إلا صور فوتغرافية أُخذت بعد وقوع الدمار، إلا أن تلك الأعمال الأدبية والفنية صور تزيّن مدخل مقهى لاحتساء مشروب عتيق، وتوهمنا على طقاقات الكؤوس أن الصور المأخوذة كانت جميلة في حلتها الأدبية، وقاسية في تجسيد ما حدث، وشاهدة على أن الحرب هي تفتيت للإنسانية.

وكلما ابتعدنا عن زمن الحرب نتواطأ على الجماليات الفنية عما كتب عن كوارث الحروب.

الآن، ونحن نعيش تموجات الحروب المتناثرة -التي يمكن لها أن تصبح شاملة- إلا أن ما ستنتجه من أدب وفن سيكون فطائر إفطار للأجيال القادمة تحمسّهم على تناولها بتلذذ، وعلى أنها الإبداع الحقيقي لهذه الفترة الزمنية.

نعم، ستخرج تلك الحروب الطاحنة فنوناً، سيحمل منتجوها أوصافاً وألقابا ابداعية، وسترتفع الأصوات بأنهم ناصروا يقظة الضمير الإنساني -في الجانبين- إلا أن الحقيقة هي: موت الإنسان تحت وطأة قصف المدافع والقنابل المتفجرة، والطائرات المسيّرة، وحقاً، لم يكن للمتحاربين ضمير إنساني أثناء كل الحروب، فليس هناك إنسانية في فترة الحرب ذاتها، أو بعد انتهائها.

الواقع الجاف يُخلط بجماليات زائفة تتزيّن بالإنسانية طوال الوقت حتى وإن كانت صورية أو مغشوشة فالأحداث الجارية -في حينها- غير إنسانية البتة.

ولو تفرد بك صحفي سائلاً: عن أهم الروايات أو الأفلام السينمائية التي حازت على إعجابك شريطة أن تكون منتاجاً للحرب العالمية الثانية، فما الذي يمكنك قوله؟

هنا يكون السؤال باذخ الاسترخاء، اكتسب برودة الوقت، وتجمد الآهات، وتبلد الجراح، لابتعاده عن لهيب وشظايا فزع تلك الحرب المدمرة، فالحوار خارج دائرة الدمار الذي أحدثته الحروب، وإن أراد الصحفي مد مساحة الألم

بذكر أفلام أو روايات جسّدت تلك الكارثة الإنسانية، فسيأتي بأمثلة عديدة لذلك المنتج الفني، وتستطيع دفع السؤال بالتأكيد أن الحرب هي مقصلة الوقت، والأفراد معاً، وأنها الثنائي الحقيقي للحياة فهي دفانة لها. فلماذ الوقوف على المنتج الأدبي والفني للحروب الشاملة؟

السؤال الحقيقي هو: لماذا لا تموت الحرب عبر الأزمان؟ فعمرها مديد، ولم تشب، ففي كل فترة زمنية تتولد، وتضع كل ابن لها في رقعة جغرافية من الأرض. الحرب نتاج رغبة إنسانية تولد الدمار، والثنائية تحمل بذرتين (الحياة والموت)، كل منهما تنشط لتحقيق غاياتها.

00:15 | 20-04-2026

من يعالج أخطاء مهرجان البحر الأحمر؟

الآن،‭ ‬وبعد‭ ‬انتهاء‭ ‬موسم‭ ‬مهرجان‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬السينمائي،‭ ‬الذي‭ ‬يذهب‭ ‬ويأتي‭ ‬بنفس‭ ‬السياق‭ ‬والأخطاء،‭ ‬هل‭ ‬يحق لنا توجيه النقد له‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬مضى؟‭ ‬بأثر‭ ‬رجعي،‭ ‬فقد‭ ‬فرحنا‭ ‬كثيراً‭ ‬بمهرجان‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬خيّب‭ ‬فرحتنا،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬دورة‭ ‬نقول‭ ‬سوف‭ ‬يعالج‭ ‬أخطاءه‭ ‬المتكررة،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬أمعن‭ ‬في‭ ‬تعميقها،‭ ‬فمن‭ ‬من‭ ‬المسؤولين‭ ‬يمكن‭ ‬له‭ ‬إيقاظ‭ ‬تلك‭ ‬الغفلة؟‭ ‬كنت‭ ‬أظن‭ ‬أني‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يقف‭ ‬ضد ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬المهرجان،‭ ‬لكن‭ ‬وجدت‭ ‬الكثيرين‭ ‬يحملون‭ ‬الآراء‭ ‬المنتقدة‭ ‬للمهرجان،‭ ‬والكثيرين‭ ‬أيضاً‭ ‬يُعرضون‭ ‬عن‭ ‬إبداء‭ ‬آرائهم‭ ‬فيما‭ ‬يحدث‭. ‬
ولأن‭ ‬قاعدة‭ ‬من‭ ‬ينتقدني‭ ‬هو‭ ‬ضدي،‭ ‬كف‭ ‬المتابعون‭ ‬والمنشغلون‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬السينما‭ ‬عن‭ ‬انتقاد‭ ‬المهرجان‭ ‬‭.‬
هذه‭ ‬ليست‭ ‬مقالتي،‭ ‬وإنما‭ ‬آراء‭) ‬مخرجة‭ ‬سعودية)‭ ‬وجدت‭ ‬عنتاً‭ ‬لما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬المهرجان،‭ ‬وسوف‭ ‬أبدأ‭ ‬بآرائها،‭ ‬فقد‭ ‬رأت‭ ‬أن‭ ‬السلوكيات‭ ‬الماضية‭ ‬كشفت بعض اختلالات‭ ‬إدارة‭ ‬المهرجان،‭ ‬وسوف‭ ‬أعرضها‭ ‬كرأي‭ ‬واحد‭ ‬(من‭ ‬آراء‭ ‬كثيرة)‭ :‬
‮«‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬تكررت‭ ‬حالات‭ ‬إقصاء‭ ‬الأفلام‭ ‬السعودية‭ ‬خلال‭ ‬دوراته،‭ ‬رغم‭ ‬إسهام‭ ‬صنّاعها‬‭ ‬في‭ ‬النهضة‭ ‬الفنية‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬المملكة.‭ ‬كما‭ ‬يتكرر‭ ‬رفض‭ ‬الأعمال‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬مختلفة‭ ‬دون‭ ‬معايير‭ ‬واضحة‭ ‬أو‭ ‬نقد‭ ‬فني‭ ‬مهني‭ ‬يمكن‭ ‬البناء‭ ‬عليه. ‬هذا‭ ‬التكرار‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فهمه‭ ‬كحالات‭ ‬فردية،‭ ‬بل‭ ‬كنمط‭ ‬يعكس‭ ‬خللاً‭ ‬بنيوياً‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الفنان‭ ‬السعودي‭ ‬المستقل،‭ ‬خصوصاً‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬قابلاً‭ ‬للاستخدام‭ ‬الدعائي‭ ‬أو‭ ‬التوظيف‭ ‬الرمزي‭.‬
الإشكال‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬المنافسة‭ ‬أو‭ ‬الاختلاف‭ ‬الفني،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬تُكافئ‭ ‬الاستعراض‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬التجربة،‭ ‬وتستثمر‭ ‬في‭ ‬النجومية‭ ‬المستوردة‭ ‬بدل‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مسار‭ ‬مستدام‭ ‬لصنّاع‭ ‬السينما‭ ‬السعوديين.‭ ‬تُصرف‭ ‬ميزانيات‭ ‬ضخمة‭ ‬على‭ ‬الواجهة،‭ ‬بينما‭ ‬يُهمَّش‭ ‬الفنان‭ ‬السعودي‭ ‬الذي‭ ‬راكم‭ ‬خبرته‭ ‬عبر‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬الجاد،‭ ‬أو‭ ‬يُستدعى‭ ‬كحضور‭ ‬شكلي‭ ‬لا‭ ‬كصاحب‭ ‬مشروع‭ ‬ورؤية‭.‬
ويزداد‭ ‬هذا‭ ‬الخلل‭ ‬وضوحاً‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬مع‭ ‬سيطرة‭‬‭ ‬بعض الأسماء‭ ‬على‬‭ ‬مفاصله؛‭ ‬حيث‭ ‬تتكرر‭ ‬الأسماء‭ ‬ذاتها‭ ‬في‭ ‬الترشيحات،‭ ‬والجوائز،‭ ‬واللجان،‭ ‬والورش،‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬مغلقة‭ ‬تُعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬نفسها‭ ‬عاماً‭ ‬بعد‭ ‬عام‭. ‬المشكلة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬تهميش‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬خارج‭ ‬هذه‭ ‬الدائرة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬شبكة‭ ‬علاقات‭ ‬نافذة،‭ ‬بغضّ‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬كفاءته‭ ‬أو‭ ‬تاريخه‭ ‬المهني‭. ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬ليس‭ ‬سراً،‭ ‬بل‭ ‬ملاحظة‭ ‬شائعة‭ ‬بين‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬الحقل‭ ‬السينمائي،‭ ‬ويؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إقصاء‭ ‬التنوع‭ ‬الحقيقي،‭ ‬ويُضعف‭ ‬مبدأ‭ ‬تكافؤ‭ ‬الفرص،‭ ‬ويحوّل‭ ‬المنصّة‭ ‬من‭ ‬مساحة‭ ‬اكتشاف‭ ‬إلى‭ ‬دائرة‭ ‬مغلقة‭.‬
ويتجلّى‭ ‬هذا‭ ‬الخلل‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬ممارسات‭ ‬تنظيمية‭ ‬داخل‭ ‬المهرجان‭ ‬تخلق‭ ‬تصنيفاً ‬‬داخل‭ ‬الفعاليات‭ ‬نفسها؛‭ ‬حيث‭ ‬تُقسَّم‭ ‬الدعوات‭ ‬إلى‭ ‬فئات‭ ‬متعددة‭ ‬من‭ ‬بطاقات‭ ‬الـVIP‭ ‬ والمساحات‭ ‬المغلقة،‭ ‬بما‭ ‬يضع‭ ‬الفنان‭ ‬السعودي‭ ‬في‭ ‬مواقف‭ ‬مُحرِجة‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يحمل (البطاقة‭ ‬الصحيحة)،‭‬‭ ‬وكأن‭ ‬حضوره‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إذن‭ ‬إضافي‭ ‬داخل‭ ‬فضاء‭ ‬يُفترض‭ ‬أنه‭ ‬مخصص‭ ‬له‭. ‬
والأكثر‭ ‬إشكالية‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التقسيم‭ ‬يكرّس‭ ‬مسافة‭ ‬مصطنعة‭ ‬بين‭ ‬الفنان‭ ‬السعودي‭ ‬وبين (المشاهير)‭ ‬الذين‭ ‬صُرفت‭ ‬عليهم‭ ‬ميزانيات‭ ‬ضخمة،‭ ‬فيُمنع‭ ‬الاختلاط‭ ‬الطبيعي،‭ ‬ويُرسَّخ‭ ‬شعور‭ ‬بأن‭ ‬المبدع‭ ‬السعودي‭ ‬عنصر‭ ‬ثانوي‭ ‬داخل‭ ‬حدث‭ ‬يُقام‭ ‬على‭ ‬أرضه‭ ‬وباسمه‭. ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬مسألة‭ ‬تنظيم،‭ ‬بل‭ ‬مسألة‭ ‬كرامة‭ ‬ثقافية‭.‬
الأكثر‭ ‬إيلاماً‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الفنان‭ ‬السعودي‭ ‬لا‭ ‬يُكرَّم‭ ‬بوصفه‭ ‬ابن‭ ‬هذه‭ ‬الأرض،‭ ‬ولا‭ ‬يُحتضن‭ ‬بوصفه‭ ‬حاملاً‭ ‬لذاكرة‭ ‬وثقافة‭ ‬وتجربة‭ ‬معاصرة،‭ ‬بل‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬يُقابَل‭ ‬بالشك،‭ ‬أو‭ ‬يُختزل‭ ‬في‭ ‬هويته،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬منجزه‭.‬
أنا‭ ‬لا‭ ‬أطلب‭ ‬استثناءً،‭ ‬ولا‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬مجاملة‭. ‬ما‭ ‬أطالب‭ ‬به‭ ‬هو‭ ‬إنصاف‭ ‬مهني‭ ‬حقيقي:‭ ‬معايير‭ ‬واضحة،‭ ‬شفافية‭ ‬في‭ ‬الاختيار،‭ ‬وإعطاء‭ ‬الفرص‭ ‬بين‭ ‬المبدعين،‭ ‬واحترام‭ ‬للتجربة‭ ‬المتراكمة‭. ‬فالعالمية‭ ‬لا‭ ‬تتناقض‭ ‬مع‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية،‭ ‬بل‭ ‬تنطلق‭ ‬منها‭. ‬وأنا‭ ‬مخرجة‭ ‬عالمية‭ ‬من‭ ‬بلدي‭ ‬السعودية،‭ ‬لا‭ ‬ضيفة‭ ‬عابرة‭ ‬ولا‭ ‬واجهة‭ ‬مؤقتة‭.‬‮ ‬
السينما‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬بالسجاد‭ ‬الأحمر،‭ ‬ولا‭ ‬بالصور‭ ‬السريعة،‭ ‬بل‭ ‬بالثقة،‭ ‬والاستمرارية،‭ ‬والاعتراف‭ ‬الحقيقي‭ ‬بالفنان‭ ‬السعودي‭ ‬بوصفه‭ ‬شريكاً‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الثقافة،‭ ‬لا‭ ‬أداة‭ ‬تكميلية‭ ‬لها.‭ ‬وأي‭ ‬مهرجان‭ ‬لا‭ ‬يضع‭ ‬الفنان‭ ‬في‭ ‬مركزه،‭ ‬سيبقى‭ ‬حدثاً‭ ‬عابراً،‭ ‬لا‭ ‬ذاكرة».‮‬‭ ‬(انتهى‭ ‬كلام‭ ‬المخرجة)‭‬،‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬هناك‭ ‬أقوال‭ ‬أخرى‭ ‬تُظهر‭ ‬قصور‭ ‬مهرجان‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬عن‭ ‬أداء‭ ‬دوره‭ ‬السينمائي‭ ‬الفعلي‭.‬‮ ‬
انتهى‭ ‬رأي‭) ‬المخرجة‭ ‬السعودية)‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬هناك‭ ‬سؤال‭ ‬يحوم‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬السينما‭ ‬السعودية‭: ‬
‭- ‬ من‭ ‬يستطع‭ ‬إيقاف‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المهرجان‭ ‬الذي‭ ‬فرحنا‭ ‬به‭ ‬داعماً‭ ‬للسينما‭ ‬السعودية‭ ‬فإذا‭ ‬به‭ ‬يغلق‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬نهضة‭ ‬الأفلام‭ ‬السعودية،‭ ‬من؟‭ ‬
وبعد‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬تكون‭ ‬الأمنية‭ ‬متجدّدة‭ ‬باستعادة‭ ‬هذا‭ ‬المهرجان‭ ‬بعد‭ ‬تغيّر‭ ‬الإدارة‭ ‬السابقة‭.. ‬ فقط‭ ‬أمنية.

00:04 | 19-04-2026