أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/238.jpg?v=1768301522&w=220&q=100&f=webp

عبده خال

غير متوقع

كُلّما طالت مدة المفاوضات بين الأمريكان والإيرانيين، أظهر الطرفان عدم ثقة كلٍّ منهما في الآخر. ووفق التصريحات الإعلامية الأمريكية عن موعد إيقاف هذه الحرب المجانية، انفعل الجيش الإيراني وأصرّ على أن مصالح أمريكا سوف تُضرَب، فما هي هذه المصالح؟ هي ضرب مقدرات دول الخليج. ومنذ قيام هذه الحرب، ودول الخليج كاظمة غيظها، فهي دول رافضة لهذه الحرب، وأعلنت مليون مرة هذا الرفض، وأنها لم تُسخّر أرضها لانطلاق السلاح الأمريكي، ولم تساند الضربات الأمريكية. هذه الممانعة لم يحفل بها الجيش الإيراني، ولم تحفل بها أمريكا وهي تنظر إلى ضرب مصالحنا، وكأننا نتلقى الضرب عنها.

وفي الحالتين يقع الضرر علينا من الطرفين، نحن المتضررون من طرفي الحرب.

والطرفان لا يقدّران مصالحنا، ولا جيرتنا، والتباطؤ الأمريكي يضر بنا قبل الإضرار بأمريكا، وقد سمعت خبراً، أن ثمة احتمالاً أن يلتقي الطرفان على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة هذا الأسبوع، وهذا لن يحدث، كون القرار الإيراني لا ينطلق من رأس سياسي واحدة، فالرأس الأيديولوجي منفصل عن القرار السياسي، والحروب الغيبية لا تنتهي، وسوف تستمر إلى أبد الآبدين... وعلى الطرفين التخفف من الشروط، إن رغب كل منهما في الاكتفاء بما حدث، فالحل الأمثل الاتجاه إلى الجانب التنموي لإيران تحديداً، والعمل على جريان المصالح الوطنية لدول العالم... أعلم أن الأذان في مالطا لن يسمعه كلا الطرفين!

منذ 19 ساعة

وطننا مستهدف

اليوم الوطني هو تذكير بالذات، وتكون كبيراً بذاتك. فالمصالح الوطنية لكل دولة قد تتعارض مع مصالحك، فالتنسيق بين الدول ليس بالضرورة يحقق أهدافك، ربما تكون محصلته الإضرار بأهدافك.

ولأننا مستهدفون من دول وأفراد، يكون الحرص من العدو والصديق في درجة واحدة، ولأن السياسة متقلبة، والمصالحة متغيرة لا تركن لأي اتفاقية كُتبت، فالواقع هو المكتوب، ووفق الواقع تكون الغاية في تحقيق مصالحك.

هذا ليس درساً للساسة، وإنما خبرة التاريخ، التي تستوجب معرفتها لدى الشعوب كأفراد، بينما قيادتنا تتحرك وفق المنظور لتحقيق المصالح الوطنية، وعلينا كأفراد حماية وطننا بالوعي والإدراك لما يدار في الواقع ضد وطننا، والوعي يستوجب معرفة الخيوط المتشابكة المستهدفة وطننا بالقول أو الفعل.

الفعل المستهدف لوطننا تكفل به الجيش، أما الأقوال فعلينا التكفل بدحر كل قول خبيث يمس لحمتنا الوطنية، أو التشكيك في إستراتيجيتنا المستقبلية. وعلينا استيعاب أننا دولة مستهدفة في خيراتها ووجودها. ومن يقرأ كتب أو أفكار الأعداء سوف يجد أن نصوصهم الصريحة قائمة على استعدائهم لوجودنا وما نملكه من خيرات سواء كانت خيرات وثروات طبيعية أو أمناً جغرافياً.

في السياسة لا تثق بصديق أو عدو مهما ظهر منه من موالاة أو احتكاك أو صداقة مشروطة أو عداوة ظاهرة.

دام عزك يا وطن.

منذ يوم

الحوثي يُمزّق اليمن

جماعة الحوثيين هي جماعة منفلتة من كل شيء، وهي جماعة عاثت فساداً في اليمن، وكأنهم ليسوا يمنيين!


هي جماعة تتصرَّف تصرُّف المنبت؛ هذا المنبت قطع جذوره اليمنية، والتحف بإيران ذات المذهبية المغلوطة التوجّه. وإن كان شعار هذه الجماعة: «الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام»، فما تقوم به هو استهداف مكة والمدينة، وتحديداً المدينة (لأنها مقصدهم)، فأين أمريكا، وأين إسرائيل، وأيُّ نصر للإسلام، وعقيدة جماعة الحوثي تنطوي على ضرب الأماكن المقدسة؟!


أرى أنها جماعة في النفس الأخير، تضرب هنا وهناك، كتفريج عن النفس، فكيف لجماعة أو فصيل يقاتل الشرعية وحلفاءها، ويريد إرغام العالم على السمع والطاعة بإغلاق مضيق باب المندب، كيف؟


وما هذا الفعل إلا تقليدٌ لإيران، وكأننا نقول: من شابه أباه رفس مثله!


وأستغرب أن تقوم هذه الجماعة بضرب مركز الإسلام، في حين أن إيران لا تتنفَّس الآن إلا من خلال التهديد بإغلاق مضيق هرمز، إلا أن تقليد الجماعة لإيران يجعلها تهدّد بإغلاق باب المندب، وهو تقليد غبي، وطريقة تنفُّس غبية..


جماعة الحوثي المنشقة عن السلطة اليمنية منذ خروجها عام 2004، تقطّع اليمن، وتسلبه الأمن والاستقرار، وكان الأولى بها أن تقبل أنها فصيل سياسي، وتندرج ضمن الأحزاب اليمنية، وتقدّم أجندة حزبية كي تكسب السلطة في اليمن، إلا أنها اختارت الانشقاق وتقطيع اليمن مدناً وقرى، وتجميد أيِّ خطوة تنموية، والارتضاء بالفُرقة اليمنية.


اليمنيون يريدون وحدة وطنهم، إلا أن قيادة الحوثيين مصرّة على تمزيقه..


المشكلة أن هذه الجماعة تعرف - أو لا تعرف - أنها سلاح بأيدي الغير، لكن الغير (إيران) ليس لها قامة ممتدة الآن، أو ظهر منتصب، وهي طريحة الفراش، وأذرعها تُبتر.


جماعة الحوثي نهايتها اقتربت، وليس لها من منجى بعد أفعالها الأخيرة.

00:08 | 17-09-2026

فيلم «نازا».. هكذا تكون المقاومة

هناك فوارق كبيرة بين اليهودية والإسرائيلية، أهمها أن اليهودية دين سماوي، والإسرائيلية حركة صهيونية، وثمّة معلومات تاريخية عن نشأة الصهيونية والتصاق المكان الحالي بتلك الحركة، وهناك حقائق تاريخية من التوراة تنفي هذا الوجود، وتلك الحقيقة توارت بفعل رجالات الصهيونية، وثمّة رجال يهود، وكذلك رجال إسرائيليون شرفاء يقفون مع الحق. وفي هذه الأيام، ثار غضب الصهاينة بسبب الفيلم الوثائقي «نازا» للمخرج يوفال أبراهام، الذي فاز من خلال لجنة التحكيم في مهرجان (فينيسيا)، وحين أُعلن فوز هذا الفيلم تلقّى تصفيقاً غير مألوف من قبل جمهور قاعة الحفل.


الفيلم الوثائقي يؤكد أن جنود الجيش الإسرائيلي نفّذوا عمليات عسكرية في مدينة غزة بشكل ممنهج، وتحدّث في الفيلم الوثائقي رجال من الجيش الإسرائيلي، والمخرج أراد من الشعب الإسرائيلي مشاهدة الحقيقة التي ناضل النظام الإسرائيلي من أجل إخفائها بتصريحات عسكرية، من رأس الهرم السياسي إلى أدنى مسؤول في النظام، والمخرج أراد من الشعب الإسرائيلي مشاهدة الفيلم (لمواجهة حقيقة الجرائم المرتكبة والمطالبة بالمحاسبة والعدالة).


ذلك الفيلم قضَّ مضجع النظام، ليخرج معظم المسؤولين بتصريحات مختلفة، أهمها اعتبار المخرج ومساعدته خائنين للوطن (إسرائيل)، ويستوجب الأمر سحب جنسيتهما.


فيلم وثائقي قال الحقيقة ليكشف أن ذلك النظام ما هو إلا نظام وحشي (رغم الادعاء أن الجيش الإسرائيلي أفضل من يُطبّق الجانب الأخلاقي في الحروب).


نعم، الفن أداة كشف، وهذا الذي أريد قوله للمقاومة، فحين لا تكون لديك القوة لمواجهة عدو يملك كل أدوات القمع، اختر وسيلة أخرى للمقاومة، والفنون قوى ناعمة تصل إلى كل العالم، فبدلاً من إحداث فعل تلام عليه، كحركة 7 أكتوبر، قاوم بالفن، وانظر إلى من يساندك إنسانياً، سواء في إسرائيل أو في بقاع العالم، واعمل على تدعيم مقاومتك من خلال الفنون، ستجد المئات من فناني العالم يساندونك.


فقط التفكير بوسيلة المقاومة أمام جيش وحشي وجد أنه يفعل الأفاعيل من غير عقاب، وقنوات العالم تعتبر قوى ناعمة كشفت تلك الوحشية، فلماذا لا يُركّز على هذه القوى للحصول على الحق والعدل، على الأقل في حدها الأدنى؟

00:07 | 16-09-2026

طلال مداح أول من كتب للدراما المحلية

بحث قيّم للمخرج محمود صباغ عن الدراما السعودية، التي بدأت في عام ١٩٦٦ ميلادي، من خلال نصين قدمتا في تلفزيون جدة، وتلفزيون الرياض.. والملفت في البحث ان أول من كتب نصاً درامياً كان الفنان الكبير طلال مداح.

ومحمود صباغ مخرج لافت، يعمل على استيفاء مادته الإخراجية بحثاً وتنقيباً، يمضي في عمله بتؤدة، فاحصاً الزوايا والجنبات في مادته الدرامية، وفي هذا البحث قدم مادة توثيقية مهمة جداً في تاريخ الدراما المحلية.

وتصويب المعلومات التي ذكرها تعد خبراً طازجاً لمن يهتم بالدراما المحلية.

وقد سبق أن أشرت إلى بحث آخر عن أول مسرحية قدمت على مستوى الخليج، كانت في المدينة المنورة في عام ١٩١٠، بمعنى آخر أننا كنا جادين لاختراق سحب الفن والإبداع، إلا أن حجباً كثيفة غطت على البدايات الأولى لانطلاق الفن في المملكة، وأكثركم يذكر الظروف الاجتماعية التي حرمت ومنعت الفن بكل أطيافه باستثناء الشعر (والشعر مسموح به وفق شروط قاسية تمنع المخيلة من الإبحار في الخيال).

نعم، كانت البدايات الفنية طبيعية في جو طبيعي، إلا أن ذلك الظرف جمد حالتنا الفنية سنوات طويلة، والحمد لله أننا الآن نتنفس بكل ارتياح.

أخيراً، إن الباحث والمنقب سوف يجد في الماضي بدايات رائعة تم طمسها، وعلينا كشفها لإعطاء من مات حق الريادة، والافتخار بما حدث.

00:00 | 13-09-2026

الأمن والتاريخ (4)

مؤتمر الأمن والتاريخ ليس في حاجة إلى القول، بل في حاجة إلى العمل، وعمل دؤوب لتصفية الكثير من المرويات السابقة واللاحقة، فنحن عقدة السبحة أو الشاهد للسبحة (وهي الخرزة الكبيرة التي تجمع طرفي خيط السبحة، وتدل على بداية ونهاية دورة التسبيح)، إذاً نحن مئذنة السبحة، وهذا القول ليس له علاقة بالتفخيم، بل هو حقيقة تاريخية تثبتها سجلات التاريخ والأساطير. ولو فردنا القول إن آدم أبو البشرية دُفن في الكعبة، وأمنا حواء دُفنت في جدة، ربما يقول قائلٌ منكم: هذه أساطير الأولين، وأقول إن أي سردية أو أسطورة هي قابلة للنفي، وكذلك للتصديق، وأي أسطورة يتناقلها الناس تعتبر من الحكايات اللامنتهية في حكاياتها، وكل حكاية أو أسطورة تذكر أين تواجدت، ويكفي القول: إن هذه الحكاية أو الأسطورة تتواجد في المملكة العربية السعودية.

وسردية تواجد الكعبة المشرّفة، التي تتوجه إليها الأعناق والرقاب، هي أول بيت وضع للناس (تكون أم الحكايات).. وكل السرديات التي تُذكر، تذكر المكان عند استعادتها شفوياً أو كتابياً، فعلى سبيل الأمثلة: إن جاء ذكر مكة، أو جبل الرحمة (عرفات)، أو قبر أمنا حواء، أو قصة هدم الكعبة، أو مقام أبينا إبراهيم، أو قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، أو حجر إسماعيل، أو الأخدود، أو الحجر (مدائن صالح)، أو الفاو، أو المصمك، أو جدة التاريخية، أو الدرعية (حي طريف)، أو أسواق العرب التاريخية.. عشرات المواقع الموغلة في الزمن، إن ذُكرت يقال إنها متواجدة في المملكة العربية السعودية. وإيماناً نحن في أول السرديات ووسطها، وسنكون في آخرها من خلال قصة الدابة، القضية ليست تفاخُراً، وإنما تأكيد على أن التاريخ كتبنا عبر العصور، وتلك سرديات الأمكنة لدينا، وكذلك الأمن جاء متزامناً في نقاط زمنية موغلة، فقد دعا لنا أبونا إبراهيم: «وإذ قال إبراهيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ من الثمرات» - البقرة.

وأسكن الله الأمن في بلادنا عبر سورة قرآنية (إيلاف)، ولدينا قبلة المسلمين، وموقع الحج، فعلاً نحن ورثة كل العصور.

ولن أبالغ إذا قلت إن الكثيرين - الآن- يتمنون لو أن الملك عبدالعزيز مد نفوذه ليكون خيمة ينضوون تحت ظلها، وما شاء الله أن يكون كان، ويصبح أوجب الواجبات على أبناء هذه الدولة (قيادة وشعباً) المحافظة على هذه النعمة، (نعمة تواجدك في كل العصور، ونعمة الأمان الذي سخره الله لهذه البلاد).. وهبنا الله أمانته، والأمانة كبيرة، والأمر جلل، واليقظة - على بلادنا - تستوجب زرعها في كل منّا (الطفل، الكهل، الشاب، الذكر، الأنثى)، وتصبح جميع الوزارات والمؤسسات والأفراد تمتاز باليقظة، فالتاريخ لا ينام، وكل سردية تستوجب الإلمام بها، والنظر إليها كواجب وطني مهمتنا فرز وتنظيف - تلك السرديات- مما علق بها من دخن.

للمرة الألف نحن مستهدفون من قبل دولٍ وأفرادٍ، ومللٍ، وأحزابٍ، بلادنا نعمة عظيمة تستوجب علينا جميعاً اليقظة لتاريخها وأمنها.

وما نعيشه الآن نعرفه جيداً، وما هذه المقالات إلا تذكيرٌ بالأعمق في تواجدنا، والأعمق في مستقبلنا.

00:44 | 7-09-2026

الأمن والتاريخ (٣)

عمق مؤتمر الأمن والتاريخ، أعمق مما قيل ويقال، إن نحن تنبهنا لعمق المفردتين، فكل مفردة منهما لها عمق سحيق، يستوجب الغوص في المفردتين.

فلنا وجود سابقاً وحاضراً، وأثمّن تثميناً فخماً لوزارة الداخلية اختيار هذا العنوان، فهو عنوان يمكن التوغل فيه إلى أبعد نقطة في التاريخ، فالجزيرة العربية (ونحن نمثل مساحة كبيرة منها تكاد تكون هي الجزيرة نفسها، أيضا نحن ورثة لكل الأزمان السابقة)، ولذلك تأتي أهمية التاريخ في العنوان.

أقول ورثة الأزمان والسلطة السابقة، وإن كان الأمر يتعلق بالدين أو بالجغرافيا فنحن معنيون بذلك في كل السرديات السابقة، وحين أتكلم عن تاريخ الجزيرة العربية، أعمّق قولي بحثاً عن تلك السرديات التي كُتبت عن السجلات التاريخية للجزيرة العربية، نعم كانت في البدايات الأولى مجاميع من القبائل تعيش على هذه الأرض حتى ظهر الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن خلال (وثيقة المدينة) كون أول نواة لنظام الدولة، ومع الخلفاء (من عهد الخلفاء الراشدين، وبعدهم الأمويون، والعباسيون، والعثمانيون، اتسعت الدولة الإسلامية في جهات العالم حتى غدت إمبراطورية، وقد مثّل القرشيون ثلاثة أرباع الخلافة الإسلامية (إذ كان الانتماء لقريش صلباً ونسباً شرطاً إلزامياً أن يكون الخليفة قرشياً)، ومع الخلافة العثمانية، حدثت الحربان العالميتان الأولى والثانية، وكانت نتيجة الحرب العالمية الأولى توقيع اتفاقية سايس بيكو ١٩١٦م، تم الاتفاق فيها على توزيع دول الخلافة العثمانية (العربية منها) ورسم الحدود الحالية.. في هذا الوضع العالمي لم يتم احتلال المملكة، أو إضافتها لأي دولة كانت، ولم تظل في نزاع إزاء أي استعمار، أو وصاية، ونتذكر الدولة السعودية الأولى، وحربها ضد محمد علي باشا بإيعاز من الخلافة العثمانية، والذي أريد قوله، إن السعودية ظلت حرة أبية، ومع مجيء القائد العظيم عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل، استطاع بالحنكة ونفاذ البصيرة توحيد المملكة العربية السعودية ليسود الأمن على هذه الدولة القارية.. في كل مرحلة زمنية من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وهي مركز العالم الإسلامي. هذا السجل التاريخي الممتد لنا فيه كتابة، ووجود.

هذه الأرض لديها سجل ضخم تاريخاً ووجوداً.. فهل نستوعب مفردتي الأمن والتاريخ؟

00:00 | 6-09-2026

الأمن والتاريخ (2)

التاريخ أحداث سردية، سواء كانت شفوية أو مكتوبة، والشفوي يتحوّل إلى مكتوب ذات يوم، فكيف تتولّد السردية التاريخية المكتوبة؟ وقبل هذا، ليس هناك تاريخ مكتوب من غير سياج أمني للكاتب، حتى المناقض لتلك السردية بحاجة إلى أمن لكي يكتب ما ينقض التاريخ السيار بين الناس.

ولكل أمة سردية خاصة بها، يتم ترسيخها لدى الأجيال المتتابعة، وهناك سرديات تُمحى بفعل الزمن، وتغيّر سلطاتها، إلا أن هناك سرديات تعبر الزمن بزوائد أو نواقص أو مغلطات، يستوجب تصويب كل زائد أو ناقص، وإيضاح مسار المثبت، والسردية عبر التاريخ الأزلي نحن متواجدون به، كون مكة أول بيت وضع للناس، ويصبح تجلية التاريخ من مهامنا الوطنية، وهي مهمة جديرة بأن تنهض بها كل المؤسسات المعنية بالجانب الثقافي والمعرفي، وأعتقد أن دارة الملك عبدالعزيز هي في لبّ هذه المهمة.

فالسردية التاريخية بحاجة للاهتمام ومسايرة الأزمان بالتصحيح وبث المعلومة الصحيحة، ولا تقتصر المهمة على التصحيح، بل أصعب منها بثّ الصحيح إلى بقية العالم، من خلال مؤسساتها ومثقفيها واستخدام كل وسيلة تواصل مع العالم.. سأذكر مثالاً عن السردية التاريخية التي تجتمع عليها الديانات الثلاث، وهي معركة (هرمجدون)، كإشارة إلى أنها علامة من العلامات الكبرى ليوم القيامة. سردية هذه المعركة مثبتة في عقول أناس هذا الزمن، خاصة رجال الديانات الثلاث. ويطيب للبعض استرجاعها حدثاً تاريخياً سيتحقق ذات يوم، وكل منهم لديه سردية مغايرة في استقبالها، وتتحوّل هذه الفكرة إلى أجندات بعيدة المدى يجب العمل على تنفيذ خطواتها، نعم، هي سردية تاريخيّة، وأجزم أن كل سردية يجعل لها أصحابها خاصيّة، والبعض يورّث تلك الحكايات.

وكثير مما نعيشه هذه الأيام من حروب، ما هي إلا مقدمة للأيام القادمة (حتى ولو كانت الحرب الدينية العظيمة مؤجلة إلى زمن غائب)، ويقيناً أحمله بأننا مستهدفون، سواء من خلال السردية التاريخية القديمة أو من خلال السردية المحرّضة حديثاً، والالتصاق بهذه السرديات ونقضها بما هو صائب يحفظ أمننا ويحقق الاستقرار والنمو.

أحياناً، يكون التاريخ له بواعث لا تخطر على البال.. ربما جئت لكم بنقطة خلاف بين الأمم يستوجب بيانها والمسايرة معها حفاظاً على الأمن وتصويب التاريخ.

00:00 | 3-09-2026

الأمن والتاريخ (1)

في الأيام القليلة القادمة سيقام مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ» في نسخته الثانية. هو مؤتمر ناشئ تقوده وزارة الداخلية، ولا أشك أن مفردتَي «الأمن والتاريخ» هما دعامتان أو ركيزتان لأي بلد ينشد الاستقرار والتنمية.

فلذلك كان عنوان المهرجان لافتاً، ومن المؤكد أن له عمقاً أساسياً حول ما سيقال، فالأمن مطلب رئيس لأي بلد كان، منذ بداية التاريخ. ومن تلك النقطة الزمنية البعيدة بدأت سردية الوجود، فلا تهاون أو إغفال لتلك السردية، فالكتابة زرع يؤتى ثماره ولو بعد حين.

وتلازم المفردتين يوصل الباحث إلى مكان الأمان، فما كُتب سيعود، فالماضي به بذور خلافات اليوم، والعودة إلى سرديات الماضي ليس للركون لها، أو السكن فيها، العودة إلى السرديات القديمة هو التنقيب على ما هو مفيد لحركة الحاضر، ومحو ما هو معيق له.

وبيننا وبين الماضي سنوات طويلة تغيّرت بها المفاهيم الماضوية في جانب المسميات، إلا أن الجوهر ظل متحركاً مع الزمن. ومن المسميات الحديثة مفردة «المواطنة»، يظن البعض أن هذه المفردة وُلِدت من رحم الثورة الفرنسية، وأعتقد أنها أقدم بكثير، ربما التصقت بكل الدول والإمبراطوريات القديمة، إلّا أن مسماها اختلف من زمن لزمن، وبقي الجوهر، فلكل إنسان مكان أو بيئة زرع فيها، وزُرعت معه المواطنة.

ربما تكون مكوّنات المواطنة مختلفة في المسميات، إلّا أنها تشير إلى وجود قيم أخلاقية، تذود عن الإنسان ما يضر بحياته ومعيشته داخل ذلك الإطار المكاني، وبالضرورة تم إيجاد صيغ تحمي الإنسان من الإنسان، ومن الأزل بأن الخير من الشر، وبين هذين الطرفين كانت القيم للجذب والرفض أو الطرد، والحالتان أشرت لهما تاريخياً كزمن، والسردية كمحتوى قيمي، وكلاهما أمن الوجود من خلال الأمن.

المواطنة حلّت بوجود الإنسان، وستستمر ما دام الإنسان موجوداً.

وأمن ذلك الوجود هو المكان الذي يذود عنه أصحابه بحياتهم وكل ما يملكون.

والذي أريد تأكيده هو أهمية مرجعية السرديات في مختلف الأزمان لتثبيت ما هو صائب، وتصويب ما هو على خطأ وبيان المغلوط من معارف تناقلتها الأجيال من غير تصويب، فالمستقبل هو السير على المعارف والمعلومات الصحيحتين.

00:07 | 2-09-2026

ما الذي زرعه ابن ميمون؟

يقول اليهود: بين موسى وموسى لا موسى هناك.

موسى الأول هو موسى عليه السلام، وموسى الآخر قصدوا به موسى بن ميمون.

وهو طبيب صلاح الدين الأيوبي، ارتحل من قرطبة إلى فاس، وأسلم في ظل الظروف الدينية التي شهدتها مناطق خاضعة لحكم الموحدين آنذاك، ويقال إنه أضمر البقاء على ديانته اليهودية كتقية. في البدء برز في الطب، لذلك دخل إلى البلاط المملوكي طبيباً لصلاح الدين الأيوبي، وانشغل بالفلسفة، وكان معجباً بالفارابي، وابن رشد وإن لم يتقابل معهما. كتب الكثير، وأهم كتبه (دلالة الحائرين)، وهو كتاب ضاع فيه ابن ميمون، فبدلاً من إرشاد الحيارى للطريق، التبس عليه الأمر، وكان حائراً بالفعل، ظهرت تلك الحيرة في آخر هذا الكتاب. قد يكون انشغاله بالطب فوّت عليه التعمّق الفلسفي، إلّا أن تعمّقه الديني كان الأجود في اهتماماته، حتى إن ذلك الاهتمام أوصله إلى لقب الحاخام، وهو منصب يهودي فخم يُمثّل الزعامة الدينية والروحية لدى اليهود.

واهتم كثيراً بالجالية اليهودية، وبلغ اهتمامه باليهود في المنطقة حتى إنه حث أهل اليمن على استخدام التقية لإخفاء ديانتهم إن تم إرغامهم على الدخول إلى الإسلام.

أتحدّث عن ابن ميمون في جزء من سيرته، وكان من الأوجب الحديث عن فلسفته، ورؤيته عن القضايا الفلسفية الكبرى، تشبهاً بالفارابي أو ابن رشد، إلّا أن المقولة اليهودية التي بدأتُ بها هذا المقال جعلتني أعاود (الشك)، فالشك ميزة مهمة للباحث أو صاحب القراءة المكثفة، وكما تناقل الكُتّاب قديماً وحديثاً عن تسرّب الإسرائيليات إلى الحديث والسيرة، (وأهم من برز في هذا هما: كعب الأحبار، ووهب بن منبه).

والشك هو دعوة لقراءة الشخصية وما أحدثته من أقوال وكتابه، قراءة عصر الشخصية، وقراءة كتبه. وأرى أن ابن ميمون في تقيته لم يغطِّ اهتمامه باليهودية، والمنتمين لتلك الديانة، وأعتقد أنه من أوائل من سعى إلى التقارب الديني الإسلامي واليهودي، ذلك التقارب ليس كفلسفة عميقة يؤمن بها، وإنما لكونه في محيط إسلامي، وعاصر قمم الفلاسفة العرب.

ويدفعني الشك إلى المطالبة بالاهتمام بكل الأقاويل النائمة في الكتب، التي نراها الآن تتجسّد في الواقع، فإن كان الآخرون يؤسّسون أفكاراً تنفّذ بعد مئة سنة، فعلينا أن نقرأ الماضي ونكتشف ما الذي دخل إلى مرحلة التنفيذ.

00:14 | 1-09-2026