أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/238.jpg?v=1768301522&w=220&q=100&f=webp

عبده خال

إسعاف لجمل داخل الدوّار..!

أسمع وأشاهد ثمّة عملاً على (قدم وساق) حول دوّار الجمل، وتدور الأقاويل أن هذا الدوّار سيزال، ويتحوّل الشارع إلى مسارات أربعة تحجز كل مسار إشارة ضوئية، فهل وصلت الأمانة أو المرور إلى هذا الحل؟ أليس في الجهتين مهندسون أكفاء، يستندون إلى حل هندسي من غير إزالة دوّار له إرث في قلوب الناس، نعرف أنه أُزيلت (دوارات) عديدة، وتم ركن مجسماتها في زاوية أدّت إلى موات المجسم وكذلك مسمّى الشارع.

الإشارات الضوئية كانت إحدى المعرقلات في السير، وحمدنا الله حين تم إنشاء كباري، وكذلك إيجاد حل هندسي من خلال التحويلات، وغابت كثرة الإشارات المرورية إلا فيما ندر، وعودة إشارات المرور في مكان مزدحم ستساهم في فك الازدحام، ولن تكون إزالة الدوّار واستبداله بإشارة مرور حلاً مثاليّاً، ألم تكن هناك دراسة لأوضاع الشوارع، واجتهاد فعلي لتقليل الازدحامات المميتة؟

إنّ الحل يكون من قبل مهندسين قبل أن يكون من الإداريين سواء في الأمانة أو المرور.

ومن المعروف لدى الجهتين أنّ أحياء شمال جدة مختنقة مروريّاً، وإن أُزيل دوار الجمل ستضاف معضلة مرورية ليس لها داعٍ، فبقاء الدوار أفضل من إزالته، الآن الزحمة موجودة إلّا أن هذا الوضع الحالي أفضل ألف مرة من وجود إشارات مرورية. تصوروا أن الإشارة حمراء أمام النازلين من الكوبري، من الآن أقول إنّ أرتالاً من السيارات ستقف، وتوقف كل الناس القادمين باتجاه الشارع.

يا إخواننا ابحثوا لنا عن حلٍّ مريحٍ، وأيضاً دوّار الجمل تحفة فنية غارقة في قلوبنا وتاريخنا، سيكون مؤسفاً لو تم ترحيل الجمال إلى شوارع أخرى، نعم سينزوي في مكان آخر، وستموت جملة «نلتقي عند دوّار الجمل».

00:04 | 17-06-2026

رحلات ميتة

من وقت مبكر قرأت كتاب «أعجب الرحلات في التاريخ» لأنيس منصور، ذلك الكتاب الذي ذكر قصصاً ممتعة عن الرحلات المختلفة عبر التاريخ، وظللت أتتبّع خطوات الرحالة في كل مكان، ومن خلال مجلة «العربي» أدمنت قراءة الاستطلاعات التي كانت تجوب أماكن في العالم العربي، لتمنحنا زاداً من المعلومات الثرية عن المكان الذي تمّت زيارته، وتابعت رحلات ابن بطوطة، وكولومبوس، الذي قادته سفنه إلى أمريكا، وأعجبت بكتاب ياقوت الحموي «معجم البلدان»، وظلت تلازمني متابعة الرحلات الاستكشافية للمواقع، إلا أن رحلة «سلام الترجمان» ظلت الرحلة المثيرة التي تيبست في كتب التاريخ، ولم تتحرك مياهها رغم أهمية الرحلة دينياً واجتماعياً، فهي رحلة استكشاف مثيرة، وسبب تلك الرحلة أنّ الخليفة العباسي الواثق رأى في ما يرى النائم، أن «سد يأجوج ومأجوج» فتح، فاستيقظ فزعاً، وأخذ في البحث عما يهدئ باله، فأشار عليه وزراؤه أن يجهز بعثة استكشافية للتأكد مما يكون عليه سد «يأجوج ومأجوج»، وقع اختياره على «سلام الترجمان» الذي يعرف ثلاثين لغه، فجهزه بالأموال والعتاد ليذهب كي يأتي له بخبر السد، وقد استغرقت الرحلة ثلاث سنوات ذهاباً وإياباً. كانت هذه الرحلة في عام 227 للهجرة.. تيبست هذه الرحلة في بطون الكتب، ولم يتم تقليب الأرض السوداء المنتنة، ولم يعرف أين وقف سلام الترجمان، وماتت القصة والرحلة بعد موت الواثق العباسي.

بعض الرحلات القديمة لم يتم إنعاش المعلومات القديمة في زمن تكشّفت كل الأماكن، ولم يعد «خرم إبرة» غير مكشوف، فهل كانت رحلة سلام الترجمان مجرد خرافة سقطت في كتب الأقدمين أم رحلة يتم الاستيقاظ منها كما تستيقظ من نوم ثقيل؟

أعتقد أنها رحلة سردية يمكن استعادتها كتابياً، كأجمل رحلة تم الإنفاق عليها بسخاء فادح، من غير أن نصل إلى حقيقة المكان الذي ساح فيه سلام الترجمان.

00:21 | 16-06-2026

هدير الأقوال

كلمات تصب كمطر هادر، في كل حين هناك كلمات تتساقط، تتساقط، وتتساقط، وما زالت النفس تتأرجح بين مقولات عديدة، إلا أنّ الزمن يثبت أنّ المقولات المتداولة تظهر وتختفي وفق ظروف اجتماعية أثرت فيها حالات بعينها؛ ولأني ما زلت على يقين بأنّ كل إنسان لديه فكرة ما يسير عليها من غير تمحيص، وقد كتب مقالة سابقاً بعنوان «في حنايا النفس زوايا أرحب»، وهي مقالة رديفة لمقالة أخرى بعنوان «سقوط السقوط»، والكتابات في الغالب لا تصمد زمناً طويلاً خاصة الكتابة الصحفية، فهي كتابة استهلاكية، تظهر وتختفي وفق ما يمور في المجتمعات، ولأن الواقع متغيّر تستجيب المقالة الصحفية لانجرار مع المتغيّرات اليومية، وليس هناك مقالة صحفية استطاعت الصمود لسنة أو سنتين خاصة إن كانت تعليقاً على حدث سيّار.. لننتقل خطوة لتغيير الموقع في هذه المقالة.

كان الفلاسفة (عبر الأزمان) يعتبرون العامة هم من انتهج الفكر البسيط مكوّنين مكنة أو مضخة لنقل الأحاديث الرخوة من غير تمحيص، وعادة يكونون وسيطاً جيداً لنقل الاتهامات والشائعات، وهذا الاعتبار تم بناؤه على ما يجده الفلاسفة من تنكيل إزاء أفكارهم، حين يتم الاستناد على العامة في محاربة أي فكرة فلسفية تناقض أو تناهض السائد.

وفي العصور الماضية تمّت محاربة الفلاسفة أو أصحاب الفكر النيّر، وتمّ اتهامهم بأنهم زنادقة مبتدعون وأصحاب رؤى فاسدة، هذه التهم يحرص العامة على نقلها والتواصي بنبذ فكرة مستحدثة أو عالم قدم مخترعاً يحيل المجرد إلى مشخص، أو مفكر وقف مناهضاً لأفكار قديمة، وفعلاً تقوم فئة (السمعية) أو الناقلون سمعاً ببذر ما يسمعون على زوايا الأرض ولا يعنيهم فحص ما يسمعونه أو يقولونه سواء أكان حسناً أم رديئاً.

وإزاء أو اعتبار أن أصحاب الرأي السديد هم من يضعون قواعد الراجح والأرجح وقد جرت العادة اعتبار العامة هم الداء، وأطلقوا مفردات عدة لهؤلاء العامة: الغوغاء، والرعاع، وسقط القوم، ولم يخر الناس أو يستكينوا، بل نهضوا، وهمّهم تبادل القذف بالمفردات مع المفكرين.

فقال العامة إن المفكرين ما هم إلا أناس خارج التوقيت، وليس لهم من شيء سوى دلق الكلمات.. دلق كلمات لا تفهم.. هنا يصبح الحكمان ساقطين كون كل منهما اتخذ من التعميم سبيلاً، والتعميم غالباً يجافي الحقيقة.

وفي زمن متأخر ظهرت مفردة النخبة، وتعني أصحاب الرأي السديد من فلاسفة ومفكرين، ومثقفين، وأدباء، ومفردة النخبة كان ظهورها ملتصقاً بمجموعة صغيرة من الأشخاص المسيطرين على الحياة الاجتماعية لهم المقدرة الفاعلة في التأثر ولديهم قدرة التغيير أكثر من غيرهم.

وحدث أيضاً استلال هذه المفردة (النخبة) من أصحابها والتصق بها الكتّاب والمفكرون، واعتبار بقية الشعب عامة (استحياء من القول إنهم غوغائيون)، وكذلك تم (تشريط مفردة النخبة، فيقال: النخبة السياسية والنخبة الاقتصادية والنخبة الاجتماعية...)!

وهذه النعرات الثقافية ليست وليدة الحاضر، بل هي متجدّدة وفق العصر وأحداثه والأفكار التي تنتجها عقول الحكماء أو الفلاسفة الذين لا يظهرون في الصورة وإنما في مقدّمة البرواز.

وعندما كتب غوستاف لوبون عالم النفس الجماعي الفرنسي (7 مايو 1841 - 13 ديسمبر 1931) كتابه ( سيكولوجية الجماهير) نقله إلى العربية المفكر هاشم صالح. هذا الكتاب يعتبره الدارسون الركيزة الرئيسة للحكم على الشعوب أو الجماهير كتصنيف معترف به خاصة بعد ظهور علم النفس الاجتماعي.. ومن البديهي أن (لوبون) حكم على زمنه بظروف ذلك الزمن ولا يمكن اعتبار السيكولوجية النفسية للجماهير ثابتة، فالمتغيّرات مهولة وأدوات الزمن طرأ عليها تغيّرات جوهرية، فالناس الآن يعيشون في غرفة واحدة، فهل هذا يعني توحيد آراء العامة؟ بالضرورة لا. إلا أن أهم ما يميّز الوقت الراهن في زمن مواقع التواصل الاجتماعي أنها أسقطت مفردة النخب، فهل انتصر العامة على تلك العقول، التي تعتبر نفسها مسيّرة للمجتمعات؟

وعودة للبدء، المقالة الصحفية لا تصمد طويلاً، وإزاء السؤال الأخير أجد من الجسارة القول إن العامة لا يستطيعون تسيير مركبة فضائية من خلال خطام الجمل..

وما زالت في حنايا النفس أقوال تحتاج إلى مساحة أرحب.

00:07 | 15-06-2026

كآبة

«لكي لا تفقد عقلك اهرب إلى حقول الفن».. جملة قلتها ذات يوم، وأوصيت بها الأصدقاء في مواقع التواصل، فالفن يمتلك التعويذة التي تنجيك من قساوة الواقع، كلٌّ منا يعيش حياة باردة، وعادية، وأحياناً يتم الاتفاق على صياغتها من خلال الأحداث المكررة، أو المستفزة، ويكون حالك وفق الدور الذي وجدت نفسك فيه، دور له مسؤوليات تحرص على أدائها بكفاءة المحب لدوره، ذاك الحب الذي نما بالعشرة، والذي طوقك بالمثالية المثلى في التناسق، والتناغم مع خطوات أيامك، هي حياة مثالية في نظر الآخرين، ومثالية في نظرك أيضاً، وحين تلجأ إلى الفن كمنظار يمنحك الأبعاد الحياتية للناس، فكل حكاية تختلف أبعاد مقاسيها، ويكون البعد الرابع أو السادس، هو الفارق في حكايات الناس، بُعد يجلي ما ران على حياتك، يقشع العادي، ويريك لوناً زاهياً لم تعتد عليه في أيامك السابقة. الفن (جلاية) وقد يكون أداة تغير للأفكار، أو الحالة النفسية التي دأبت على الظهور بها كحالة توازن في أعين من هم حولك، نحن في حالات خلاف بين الظاهر والباطن، الباطن هو كنزك الخاص، الذي لا يعرفه إلا أنت، وأحياناً تغيب عنا الأبعاد، ويتجسد واقع كابوسي، تتوقعه، أو تخشى منه، الباطن يتجسد في أعماقك، واقع مرعب يخالف ما عشته من دعة وراحة بال، الهروب منه خطوة ضرورية قبل أن تتداعى الأشياء، وليس لنا من منجأ سوى الفن، الذي يعيد إليك توازنك النفسي، الفن ميزان الحياة، يظهر جلياً حين تتفرد بذاتك من خلال رواية أو لحناً، أو فيلماً، يحدث ذلك أثناء توحدك بما يتجسد فنّاً، يلامس أعماقك، فجأة تجد نفسك تتطابق مع خيال منشئ الرواية أو المجسد لحالة أبطال الفيلم، أو متماهياً مع لحن، مما يساهم في اجتثاث المكررات الخبيثة التي عشت بها، أو تعيش بها، الفن يمنحك حيوات الناس، فتتنقل من حياة إلى حياة، فتجد من يشبهك، ومن يختلف عنك، ومن هو خارج تفكيرك، أو من يكون نافذة لحياة حلمت بها طويلاً، ولم تصل إليها.. ووصيتي للهروب إلى حقول الفن صادقة حين تكتشف أن لك حياة لم تعشها بعد، والانتقال اليها يحتاج عمراً إضافيّاً، نحن نتحاج أعماراً إضافية؛ لكي نعيش وفق الصورة المجسدة قرائيّاً أو بصريّاً أو شدواً. هذا يذكرني بالحوارية التي تجاذبتها مع موسى محرق (رحمه الله)، كانت حوارية حول العمر القصير، الذي يمضي وأنت تؤدي دوراً وجدت نفسك فيه، وواصلت مشوارك من غير التفكير بافتراق العمر عما تتخيله في أعماقك.. وأعيد كتابة هذه المقالة بعد مشاهدة فيلم (برا المنهج) الذي أكد أن خصلة الكذب تؤدي بك إلى حياة كاذبة تواطأ الجميع على تصديقها إلا أن جماليات الفيلم تدفعك للخروج من تلك الخصلة، وتصويب حياتك على قضبان الصدق. والسؤال: متى يمكنك الخروج من الحياة الكاذبة لكي تلتصق بحياة تحلم بها في داخلك، ولم تصل إليها؟ ولأن العمر قصير لا يفي بأي تصويب، ولا يفي في أن تعيشه من جديد.. يصبح أمامك أن تتوقف أو تهمل كل أمر، وتعيش في العدم؛ ولأن أدوار الحياة لا تتركك على حالك بل تقحمك (غصباً عنك)؛ لاستكمال الدور الذي أنت فيه، فلا يصبح أمامك من شيء سوى أن تجر من الترقوة، وتمسح أرض الواقع بناصيتك، فلا مسعف لك سوى جماليات الفنون، عش بها وبجوارها قبل أن تُمسح كلك.

00:14 | 14-06-2026

تحرق نفسك لماذا؟

كيف للكره أن يتغلغل في النفس البشرية ؟


هو سؤال لا أستطيع استيعابه، وإيجاد المسبّبات التي تؤدي بالفرد إلى الانغماس في هذه المشاعر من غير فحصها بميزان العقل، فالكره حالة نفسية يمكن للفرد اجتثاثها أو محوها حينما تتوسع مداركه، وأعتقد أن الكثيرين غافلون عن تربية النفس بأن الحياة لن تطول أو تقصر بالكره، ومواقف الإنسان متبدلة بتبدل الظرف المعيشي، أو تصويب ما لم تعرفه أو تجهله، وكلما تفهّم الإنسان أن مشاعر الكره نار تحرق صدره فقط ابتعد عن المشاعر السالبة، كما أن الكره لن يتوسع بمعرفة بواطن ما تجهل، فالمعرفة تقود المرء إلى تبدل المواقف.


أجد أن تلك المشاعر الحارقة لا تصيب إلا صاحبها، و لن تصيب من تكره بأي أذى، وستظل المشاعر السلبية تحرق الكاره طوال عمره.


* *


نحن نقف متضادين، جمعتنا مناسبة عامة، فلم يتريث لكي أنهي السلام على المجموعة، فعجّل لسانه بما في داخله: أنا أكرهك كرهاً بغيضاً.


صدمني بهذا التصريح المفاجئ الذي ليس له معنى بالنسبة لي، فليس بيننا علاقة بأي صورة كانت، سوى أني كاتب، ولا أعرف هل قرأ شيئاً فتحامل عليّ، ومع المفاجأة قلت له: القلب الكاره لا يرى ولا يسمع، اهدأ؛ لكي أعرف السبب الذي دفعك لهذا الكره رغم عدم معرفتي بك، أريد معرفة السبب، كانت حركاته وملامحه معكرة تماماً، فواصلت قولي:


ومن باب الإنسانية سأقول لك: وأنا أحبك.. وإن كنت غاضباً مما أكتب، دعنا نتناقش، في كتاباتي أركّز على معاداة الأفكار، وليس الناس، والحوار ضوء يكشف ما غمّ عليك من مغالطات الأيديولوجيا التي سُجنت فيها، وربما تقنعني بأني أنا المسجون بما أكتب.


مرة أخرى سبقه لسانه:


- أقول لك، أنا أكرهك.


- رددت: ستحرق قلبك، ولن يصلني شيء من نارك المتأججة.


غادر مقعده وانفعالات حركته تزداد غيظاً !

00:19 | 10-06-2026

كيف تتسرّب الأوحال..

كتبت ذات يوم مقالة بعنوان (قلمك حصانك)، وفي كل ما قرأت من سير ذاتية، لا أجد الحقيقة الساطعة لما مر بحياة الكاتب، هي كتابة (تجمل) وليست كتابة صريحة، ولهذا أصفح عرضاً عما يكتب.

فإذا كانت النصيحة بلجم لسانك في المثل الشهير (لسانك حصانك...)، والآن يمكن تغير المثل بالقول (قلمك حصانك)، وقد سبق أن كتبت مقالاً بعنوان (شمعٌ أحمر على الأفواه)، إذ ما زال الأصدقاء من الكتاب والنقاد مغرمين بتحفيز الكتاب على كتابة السير الذاتية، ومنذ وقت طويل وأنا أشكك في كل سيرة ذاتية عربية؛ لأسباب جوهرية، وأجدني أعيد القول لما يثار حول هذا الأمر، فقد سبق أن كتبت مقالاً بعنوان (لا تفتح السيرة) منطلقاً من المثل الشهير: (سيرة وانفتحت)، ذلك المثل الذي يقال للتحفيز على كشف الأسرار المخبأة، ويمكن فتح تلك الأسرار أمام مجموعة محددة وغالباً تكون بين أصدقاء، ومع ذلك التقارب الوجداني مع الأصدقاء يظل فتح أي سيرة هو حديث على الهوامش، فليس هناك سيرة عربية عارية بكل تفاصيلها، وما زلت ثاوياً عند رأيي السابق عما تكون عليه السيرة الذاتية العربية من اختباء العاري منها خلف التنميق والبهرجة غير الصادقة، فالثقافة العربية قائمة على عدم المجاهرة عكسها تماماً الثقافة الأوروبية القائمة على البوح، فالاعترافات التي تحدث بين الكاهن (أو القس) والتائب، هي حالة بوح أسست لفكرة تعرّي الشخصية من كل ما تم ستره. بينما ثقافتنا الإسلامية تؤسّس قناعة الكتم وعدم البوح، ولذلك لا يمكن لأي سيرة ذاتية عربية المجاهرة بما اكتنفته الأيام، وإن حدثت مجاهرة ما فغالباً يتم اللجوء إلى كتابة الرواية والاختباء خلف شخصية من الشخصيات، وإن كان ثمة سيرة ذاتية عربية كُتبت من غير (تزويق)، فهذا يعيدني إلى سؤال قديم كتبته حول اعترافات الروائي كاتب لبناني مشهور:

- هل كانت اعترافات ذلك الأديب تأسيساً لمصداقية كتب السير الذاتية العربية؟

- هل من محاجة لو أنني قلت إنه كتاب (ذكريات الأدب والحب) أول سيرة عربية كُتبت بتجرد. تجرد فيها كاتبها للوصول بها إلى الحقيقة الواقعية التي عاشها الكاتب.. ليكن ذلك.. لن أصم ذلك الأديب بالشجاعة، فما رواه عن أبيه وعلاقته به يجعلك من البدء تدخل في دهاليز التنظير وأن هذا الفعل هو تكرار لنظرية قتل الأب، تلك الشخصية التي تمثل السلطة المكررة في حياتنا والتي سعى (الأديب المشهور) من البدء إلى إدخالها حيز المواجهة والكشف (لم أكن أحب أبي) إلا أن هذه النظرة ستكون قاصرة عن فهم السياق الحياتي للطفل (الكاتب)، فهو يقف موقفاً من أبٍ صدمه صدمة عنيفة، تلك الصدمة التي وقف عليها خلسة، فالحياة الشاذة التي عاشها أبوه جعلت الكره يستيقظ لهذه الشخصية الشاذة التي تتصالح مع واقعها باقتفائها السبل الخيرة من وجهة نظر الآخرين إلا أن حياته السرية حياة مشينة وشاذة.

وأول وقفة للكاتب على هذه الحالة يقود إلى نفور من ذلك الأب، نفور يجعله لا يتورع عن ذكر صفات مستنكرة من ذلك الأب (كان لأبي كرش أنفر منها لأنه لم يكن يتورع عن تنفيسها بريح يطلقها بين الفينة والفينة دون تحرج!).

فالأب ليس هو المعني بمفهوم قتل الأب، بل هو الأب الإنساني المكسور بحالته المختلفة، التي تصنعها ظروفها ومزاجها على أية حال..

وهذا الطفل يؤكد أنه بدأ حياته بشاهدي زور وقعا على تزييف عمره الحقيقي، فهل يكون اعترافنا بمثل هذه التزويرات تصحيحاً للتاريخ أم شهادة على حالة مجتمع لم يكن معنياً بتتبع الأخلاقيات، وإنما كان معنياً بتتبع أين تقع المصلحة..

ويرسم (الكاتب المشهور) صورة رائعة لأول علاقة له بالجنس الآخر من خلال تلك الطفلة التي كان أهله وأهلها يجتمعون لسماع أم كلثوم، بينما خدر لذيذ ينساب بين طفلين في غفلة عن عيون الكبار.. هذا المشهد سيحرك قلوب الكثيرين ممن سيقرأ هذه السيرة؛ لأنه مشهد تكرر في كل بقعة إنسانية.. مشهد الوقوف على أول حالة تلذذ بالجسد.

وستمر بالطالب (الكاتب) الذي يخطئ في عملية حسابية، سيكون ناتجها محرضاً لأستاذه أن يصفه بـ (طالب عدمان حمار).

وستجد نفسك فجأة تقف مع هذا الأديب الذي بدأ يشق طريقه لعالم العلم والأدب منذ أن كان ابن الخامسة عشرة، ذاكراً بداياته ورحيله للغرب وعلاقته بالكثيرين من رموز الأدب في لبنان وفي العالم العربي..

وهو في سرديته تلك يسجل ماضياً عبر دولة عربية (لبنان ) بحرفية روائي متمكن، لدرجة أن يصل إحساسك بيقين تلمسك لشخصيات عشت معها وتجعلك تشم عبق المكان وتزاحم الأحداث والحياة الاجتماعية التي صنعت واقعاً ثقافياً عربياً كان له أثره على بقية بلدان العالم العربي..

انهمار الذاكرة هذا كان بالإمكان أن يواصل تدفقه من خلال الجزء الثاني لسيرة الأديب المشهور بمتعة مواصلة جراءة البوح والدخول إلى المناطق المحرمة في السير العربية، إلا أن وقوف (العيب) كان الشمع الأحمر الذي أخرجته الأسرة لتسد به ثقب الصنبور المفتوح قبل أن تخرج كل الأوحال!

00:19 | 9-06-2026

الفنون.. نقضاً واستحساناً

كثير من القضايا الإنسانية ذات طابع جدلي، فما تؤمن به يأتي آخر على نقض ذلك الإيمان.


ولأنها قابلة للاستحسان والإعراض تكون أي قضية ذات أبعاد تتطابق مع أناس وتتعارض مع أناس آخرين.


ولأن للنفس البشرية مطامع كثيرة، فهي ترغب الاستحواذ على كل شيء، سواء كان ذلك في السلم أو الحرب، وإذا رأينا هذه النفس في زمن السلام، تتقدم بعض الأصوات التي ترى أن تقوية ذلك الهزال بحاجة ماسة إلى حرب مدمرة تعيد المأساة الإنسانية إلى الواجهة، وفي هذا الرأي قدر من المبالغة، ومع الادعاء أن الحرب تعيد توضيب السلوك العالمي، وتأسيس قواعد أخلاقية جديدة فليفرح بعض المنادين بحرب شاملة، فالواقع الراهن يبشّر بتلك الحرب، فنحن نعيش واقع ارتباك المفاهيم السياسية، ونتخوف من إطالة المراوغات الكلامية المؤدية إلى وقوع اختلاف حاد بين المصلحة الوطنية وبين الدخول في ذلك الارتباك، لإحداث حرب شاملة. وتلك الحرب تأتي من كسر العمود الفقري للمجتمعات، والسطو على الممتلكات، والحقوق، وجعل الحق باطلاً، والباطل حقاً لما تعانيه أجزاء من هذه الخارطة الجغرافية أو جزء منها، وتسهم بعض السياسات والمواقف الدولية الراهنة في زيادة حدة التوترات التي قد تدفع إلى مزيد من التصعيد.


وليس من الفطنة الدخول إلى فرنٍ عالي الحرارة؛ كي نؤكد أن الحرب تنتج فنّاً عظيماً.


وكذلك لسنا في حاجة إلى مسرحية (جنرال الشيطان) التي ركّز فيها كارل تسوكماير على الماضي النازي المرتهن على الصراع بين الضمير والطاعة، وتفسخ الأخلاق التي ولدت ذلك الوحش النازي المدمر للبشرية، كما أننا لسنا في حاجة إلى لوحة تشكيلية تمتدح القرارات السياسية، أو ترفضها، ولسنا في حاجة لمشاهدة مسرحية فجّة. نعم الواقع به مسرحيات عديدة لا نكتشف أبطالها إلا بعد أن تدهسنا دواليب عربة خشبية، كما أننا لن نُخدع بروايات توصف بالإبداع بعد موت الملايين، وهذا ما تفعله بعض الأعمال الفنية والأدبية بعد حدوث الدمار، فتكون كالنائحة المستأجرة، تقيم بكائية لمن لا تعرفه، وبمثل هذه الصورة يكون منتج الفنان أو الأديب بعد (حرق مالطا).


فما يكتب من رواية أو شعر بعد أي دمار- حربي- يكون المنتج كتوزيع شطائر مكوّناتها الرئيسة دم متلبد.


وحين تعود الذاكرة للمنتج الأدبي بعد الحرب العالمية الثانية، وبقليل من التروي تكتشف الحقيقة المرة المتمثلة في تأخر الأدب عن الواقع، فالاستشراف كان كليل البصيرة، ومهما كانت روعة المكتوب عن الدمار إلا أنه لا يفي أو لا يحيط بحجم كارثة الحروب، فلوم الروائي الألماني هاينريش بول في رواية (صورة جماعية مع السيدة) بأن الحرب كسرت القيم والمثاليات إلا أن قيام الحرب هو الكسر الفعلي للإنسانية، فهاينريش لم يأتِ منتجه الأدبي إلا لاحقاً للحرب، وللدمار، فكيف أسّس لومه؟، لم يكن هناك تأسيس للوم أو الحزن، فمثله روائيون كثر كانت كتاباتهم ردة فعل لما أحدثته الحرب من دمار، وحين كتب الروائي غونتر غراس رواية (الطبل والصفيح) أراد لذاته أن لا تكبر، وليس بطل روايته هو المعني بذلك، هو أراد بتلك الحيلة السردية البقاء في أزمة وأزمنة الحرب لكي يتماسك حيال انكسار الذات وعدم تلاؤمها مع ما حدث، كما أن روايته (سنوات البؤس) جاءت لاحقة في تجسيد بؤس الكتابة الإلحاقية، المتأخرة تأكيداً على عجزها من الاستشراف لذلك الدمار.


كل الآداب والفنون اللاحقة للحروب ما هي إلا صور فوتغرافية أُخذت بعد وقوع الدمار، إلا أن تلك الأعمال الأدبية والفنية صور تزيّن مدخل مقهى لاحتساء مشروب عتيق، وتوهمنا على طقاقات الكؤوس أن الصور المأخوذة كانت جميلة في حلتها الأدبية، وقاسية في تجسيد ما حدث، وشاهدة على أن الحرب هي تفتيت للإنسانية.


وكلما بعدنا عن زمن الحرب نتواطأ على الجماليات الفنية عمّا كتب عن كوارث الحروب.


الآن، ونحن نعيش تموجات الحروب المتناثرة، التي يمكن لها أن تصبح شاملة، إلا أن ما ستنتجه من أدب وفن سيكون فطائر إفطار للأجيال القادمة تحمّسهم على تناولها بتلذذ، وعلى أنها الإبداع الحقيقي لهذه الفترة الزمنية.


نعم، ستخرج تلك الحروب الطاحنة فنوناً، سيحمل منتجوها أوصافاً وألقاباً إبداعية، وسترتفع الأصوات بأنهم ناصروا يقظة الضمير الإنساني- في الجانبين- إلا أن الحقيقة هي: موت الإنسان تحت وطأة قصف المدافع والقنابل المتفجرة، والطائرات المسيّرة، وحقاً، لم يكن للمتحاربين ضمير إنساني أثناء كل الحروب، فليس هناك إنسانية في فترة الحرب ذاتها، أو بعد انتهائها.


الواقع الجاف يُخلط بجماليات زائفة تتزيّن بالإنسانية طوال الوقت حتى وإن كانت صورية أو مغشوشة، فالأحداث الجارية- في حينها- غير إنسانية البتة.


ولو تفرد بك صحفي سائلاً: عن أهم الروايات أو الأفلام السينمائية التي حازت على إعجابك شريطة أن تكون نتاجاً للحرب العالمية الثانية، فما الذي يمكنك قوله؟


هنا يكون السؤال باذخ الاسترخاء، اكتسب برودة الوقت، وتجمد الآهات، وتبلد الجراح، لابتعاده عن لهيب وشظايا فزع تلك الحرب المدمرة، فالحوار خارج دائرة الدمار الذي أحدثته الحروب، وإن أراد الصحفي مد مساحة الألم بذكر أفلام أو روايات جسّدت تلك الكارثة الإنسانية، فسيأتي بأمثلة عديدة لذلك المنتج الفني. وتستطيع دفع السؤال بتأكيد أن الحرب هي مقصلة الوقت، والأفراد معاً، وأنها الثنائي الحقيقي للحياة، فهي دفانة لها، مثلها مثل الكبد يكون مقبرة ومفرخة في نفس الوقت.


فلماذ الوقوف على المنتج الأدبي والفني للحروب الشاملة؟


فالسؤال الحقيقي هو: لماذا لا تموت الحرب عبر الأزمان، فعمرها مديد ولم تشب، ففي كل فترة زمنية تتولد، وتضع كل ابن لها في رقعة جغرافية من الأرض، الحرب نتاج رغبة إنسانية تولد الدمار، والثنائية تحمل بذرتين (الحياة والموت) كل منهما تنشط لتحقيق غاياتها.

00:00 | 5-06-2026

البحث عن نبل الكتابة

مهما كتبنا ووصفنا شخصيات مرت بنا أو مررنا بها لن تكون الكتابة طبق أصل الواقع، فبين الواقع والتجسيد، فروقات مهولة لا يمكن تجسيدها، مع أن الحالة الشعورية التي كُتبت بها تلك السيرة يمكن لها أن توصلنا إلى حالة الكاتب أو مزاجه.

لنقف هنا من المبتدأ.

كتبت هذا التجسيد:

الجراح تحمل سجلاً تاريخياً يفسر صعودنا أو هبوطنا هكذا انسكبت خواطر مخيلتها وهي ترمق أخاها مقبلاً على ازدراد الطعام غير مكترث بوقفتها على رأسه:

- لم يكن إبراهيم بشعاً إلا بعد أن استقر هذا الجرح في وجهه.

الجرح الممتد من أسفل عينه اليمنى إلى ذقنه عكر ملامح وجه الجميلة.

لم يكن جرحاً عابراً بل كان أخدوداً فاضت زوائده على مجرى الشفرة التي شطرت وجنته فتقبقب خده الأيمن ولم يكن التئامه منشرحاً فعبس على كتل لحمية تدلت على ضفاف الجرح، أحدث العبوس نفسه في حياته، إذ بدأ بخسارة وسامته التي كانت مضماراً لتسابق عيون صبايا الحي بالتفرس فيها واشتهائها وانتهى بصعلوك يعشق الدوران بدراجته النارية بين أزقة الحي بحثاً عن شجار ينتصر فيه لمن يستعين به.

ملامح اشتركت عروق عديدة لإنضاجها، عروق إيطالية وإسبانية وتركية سافرت في سلالته وأناخت بحمولتها على وجهين: وجهه، ووجه أخته أميمة.

لم يكن يدر بخلد أحد من أهل الحي أن تنتهي وجاهة تلك العائلة بتثبيت مشهد بائس لأخوين يعيشان في فاقة مدقعة بعد أن أودع أبوهما السجن العام.

كبار السن يتحدثون أن جده أول رجل من رجالات الحارة يركب طائرة، ويسافر إلى بلدان بعيدة، كانوا يخطئون في نطق أسمائها نطقاً سليماً، فيقولون: بلدان بعيدة تصل إليها الشمس في اليوم التالي، ومع كل رحلة يعود محملاً بصفائح الذهب، ويجزم الكثير منهم أن قطع الذهب التي يعثر عليها البعض في مواسم الأمطار هي من تلك الصفائح المدفونة داخل الدار الكبير.

كان دارا كبيرا تهاوى بأسرع من المتوقع.

هذا اقتطاف جزء من رواية الصهريج، ليكون السؤال حاضراً:

- أين تذهب سيرة الرجال؟

عشرات الشخصيات كانوا هنا، وتلحفوا بالتراب، ولم يعد لهم من وجود سوى الحكايات.

فهل تكون تلك الحكايات أمينة على سيرهم، وإن كانت أمينة على الأحداث، فلن تستطيع أن تكون أمينة على مشاعرهم.. الكتابة اقتراب من الحدث وليست الحدث نفسه.

وكل شخصية تُكتب نكون قد سلبناها حقيقة مشاعرها.

ندعي أننا نستبطن تلك الشخصيات إلا أن ذلك الاستبطان قادم من نفس أخرى، وإذا آمنا بأن لكل نفس بصمة خاصة فلن تكون النفس البديلة هي الأصل.

وكمثال واضح، نحن نعيش الآن مع شخصيات فذة، وحين تلتحف بالتراب لن تستطيع أي كتابة أو دراما تجسيد تلك الشخصية، فهل نقول من ارتحل بكيفه أنه كان موجوداً، ويكفيه ذلك الوجود من غير محاولة استعادة وجوده.

هي مسألة حساسة فنياً، ولا ترتهن لما نقول أو نفكر حين نستعيدها فنياً.

فقط لتكن الاستعادة أكثر صدقاً وأكثر نبلاً مع من تواجد بذاته، وليس تواجداً فنياً.

00:16 | 1-06-2026

ذكريات مضيئة في ذهنية الحاج

بدءاً، الحمد لله على نجاح حج هذا العام، وهو نجاح تراكمي تحقّقه المملكة عاماً بعد عام، كيف لا وهي مصدّرة الامتياز في كل حين.

تالياً، ومنذ عقود، ظلّ الحج مشروعاً سنوياً تُعيد فيه المملكة تعريف التنظيم، وترسم في كل موسم معادلةً صعبة: كيف تخدم ملايين ضيوف الرحمن، وتبقى قريبة من كل حاجّ، وكأنك تخاطبه وحده؟

وحين يتكرّر هذا السؤال، لا تأتي الإجابة فقط من التنظيم، بل من تلك المشاريع التي تعمل في صمت، وتتقدّم بهدوء، لتترك أثرها في صميم التجربة.

وهناك مشاريع تقدّم الإجابات الهادئة لما تحدثه المملكة من تغيّرات تستهدف إراحة الحجاج، وهي مشاريع عديدة، لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في العدد، بل في المعنى الجديد الذي تمنحه هذه التفاصيل للتجارب المختلفة التي تراعي راحة الحاج، وتنصت لاحتياجاته، وتمنحه الخصوصية والأمان، فهذه ليست رفاهية، بل هي امتدادٌ لصوت الرؤية الطموحة.

وما فعلته تلك المشاريع أنها وضعت الحاج في قلب المعادلة، ليس بوصفه ضيفاً عابراً، بل ضيفاً عزيزاً تُبنى له المساحة التي تليق بحضوره، ويُحترم فيها جسده المتعب، وروحه المقبلة على الطمأنينة. وليس سرّاً أن المملكة، في رؤيتها، لم تعد تنظر إلى الحج على أنه فقط حدث موسمي، بل تجربة إيمانية يجب أن تكون محاطة بأقصى درجات العناية، من الأرض التي يطؤها الحاج، إلى السقف الذي ينام تحته.

الجميل في تلك المشاريع أنها لا تحمل ملامح «العاجل المؤقت»، بل ملامح التخطيط العميق الذي يرى المستقبل من نافذة احترام الحاضر، وأن تُبنى المشاريع بالسرعة والجودة تكون الفكرة قد اكتملت، مدللة على نضج في الرؤية، ووضوح في ما أرادته منظومة الحج من مشاريعها.

قد لا يعرف كثير من الحجاج أسماء الشركات المنفذة أو الجهات المتعاونة، ولا يحتاجون لذلك؛ ما يهمهم أنهم وجدوا مكاناً لا يشعرهم أنهم مجرد رقم في كشف، بل ضيوف في بيت يُحسن استضافتهم، وهذا هو جوهر المشاريع المقدّمة للحجاج، وما هذا القول ليس مستهدفاً للدفاع أو التطبيل، بل توصيفاً لمشاهد خُطط لها وتم تنفيذها واقعياً، لتكون إشارات ذكية مضيئة أن المملكة تمضي إلى الأمام، بخطى واثقة وثابتة.

وفي زمن أصبحت فيه الضيافة مؤشّراً حضارياً، وإذ تتقدّم المنظومة خطوة نحو الإنسان، فإنها لا تسعى لإراحته فحسب، بل تمنحه شيئاً يُشبه الذكرى... ذكرى يعود بها، ويحملها معه طويلاً.

00:17 | 31-05-2026

لا حج بلا تصريح.. عبادة صحيحة وتجربة آمنة

قبل أن تُحرم وتُلبّي، وقبل أن تخطو أولى خطواتك نحو البيت الحرام، هناك خطوةٌ واحدة تسبق كل شيء، هي التصريح، الذي يُفرِق بين حجٍّ صحيح مكتمل وبين رحلة تبدأ بالأمل وقد تنتهي بالأسف، فالحج عبادةٌ عظيمة تستحق أن تُؤدَّى على الوجه الأكمل، وهذا لا يتحقّق إلا بالتصريح الرسمي، الذي يجعل كل خطوة في المشاعر المقدسة خطوةً آمنة وصحيحة.

والتصريح بوابتك لحجٍّ آمن ومنظَّم، فمئات الآلاف القادمين من أصقاع الأرض يتّجهون في وقتٍ واحدٍ نحو بقعة واحدة، ومن دون منظومة تصاريح رسمية تُرتّب هذا الوجود الهائل وتُنظّمه يتحوّل الحلم إلى فوضى. والتصريح هو الخيط الذي يربطك بمنظومة خدمات متكاملة أُعدّت لك مسبقاً، مكانك في منى، ومسارك في الطواف، وموعدك في الرمي، وكل التفاصيل التي تجعل تجربتك الروحية هادئةً لا مضطربة، عميقةً لا مشتّتة.

والحج بتصريح يُجنّبك المخاطر، وكثيرون خاضوا تجربة الحج في السنوات السابقة دون تصريح ظنّاً أن الأمر مجرد إجراء شكلي يمكن تجاوزه، فاكتشفوا في قلب المشاعر أنهم محاصرون بين الزحام دون حماية ودون خدمات ودون خيارات، والنيّة الصادقة فريضة القلب، والتصريح فريضة الطريق، وإهمال أحدهما يُخلّ بالتجربة كاملةً ويُحوّلها لمعاناةٍ بدلاً من أن تكون ذكرى تسكن الروح إلى الأبد.

والتصريح ضمانٌ لسلامتك وراحتك، ومَن يحمل تصريحاً رسميّاً يجد أمامه رعايةً صحية ميسَّرة، ونقلاً منظَّماً، وإرشاداً مستمراً في كل منسك. والمملكة العربية السعودية تُسخَّر طاقات استثنائية لتقديم هذه الخدمات لضيوف الرحمن، وما الحملة الوطنية الإعلامية لتوعية ضيوف الرحمن هذا الموسم بشعارها «الحج عبادة وسلوك حضاري» إلا تجسيدٌ حيٌّ لهذا الحرص وتأكيدٌ أن التصريح بوابةٌ لا تُفتح إلا لمن أخذ بالأسباب الصحيحة.

وتصريح الحج مسؤوليةٌ دينية ووطنية في آنٍ واحد. الحاجّ الملتزم بالتصريح يُسهم في نجاح هذاالتجمّع الإنساني الفريد، ويُريح نفسه ويُريح مَن حوله، ويُؤكد أن الانضباط قيمةٌ دينية قبل أن تكون قيمةً إدارية.

وأقول بقناعة راسخة، إن التصريح ليس عائقاً بين الحاجّ والفريضة، بل هو الجسر الذي يُوصله إلى أكمل صورة لهذه العبادة العظيمة وأهنأها وأسلمها، فمَن أراد حجّاً صحيحاً وتجربةً آمنة، فليبدأ من التصريح.

00:26 | 25-05-2026