يتابع الوسط الفني والموسيقِي حالة الموسيقار عمر خيرت بعد نقله إلى العناية المركّزة بتوجيه من الرئيس المصري، إذ يواجه أزمة صحية صعبة..

عمر خيرت فارس رحلة موسيقية طويلة بدأت في القاهرة 1948م، حيث نشأ ضمن أسرة موسيقية، انتقلت به إلى معهد الكونسرفتوار 1959م، حيث درس البيانو على يد البروفيسور الإيطالي «كارو»، ثم أكمل دراسته في كلية ترينيتي بلندن لتأليف الموسيقى، ما منحه أُطراً منهجية ومعرفية قلّما شهدها مؤلف عربي في جيله.

في بداياته، لم يكن خيرت محصوراً في البيانو الكلاسيكي فحسب، بل انضم إلى فرقة الروك المصرية «Les Petits Chats» كعازف درامز، ما أحدث تغييراً في وعيه الموسيقي فاكتسب حسّاً إيقاعياً مختلفاً.

هذا التنوع المبكر بدا لاحقاً في أعماله، إذ نلاحظ تفاوتاً بين اللحظة الحركية المُفعمة والإيقاع المنبثق من تجربة الروك، وبين العمق التصويري الذي تحقّق في مؤلفاته السينمائية. فعندما بدأ تقديم الموسيقى التصويرية 1983م، في فيلم «ليلة القبض على فاطمة»، لم يعد خيرت مجرد خلفية موسيقية للدراما، بل صار عنصر بناء سرديّاً بامتياز، يُعوّض أحياناً ما لا يُقال بالكلمة أو يُرى بالصورة.

استطاع خيرت أن يُدخل البيانو في السياق العربي بخطاب موسيقى معاصر، يجمع بين الإطار الأوركسترالي الغربي والنغمات الشرقية، بين الانسياب الصوتي والحركة الإيقاعية، وبين الشعور الجماعي والفردي. لكن هذا التوازن هو ذاته ما يضعه تحت عدسة النقد: فبينما يكمن فيه سرّ جاذبيته، يرى البعض أن هويته الصوتية أصبحت مألوفة لدى المستمع، وأن التحدي الآن يكمن في تجاوز ما تمّ بناؤه إلى تجديد أكثر جرأة وإنتاجٍ يصوغ لغة موسيقية جديدة.

تكريماته تأتي دليلاً على المكانة الفنية التي بلغها؛ إذ احتضن «موسم الرياض 2024-2025م» حفلاً خاصاً له، تكريماً لمسيرته الموسيقية، وهو ليس الأول ولا الأخير من نوعه، فقد ذاع اسمه في أوساط الجوائز العربية والدولية كثِمن مؤلّف موسيقى تصويرية متميّز.

هذا التكريم لا يشير فقط إلى ما أنجزه في الماضي، بل إلى موقعه في الثقافة الموسيقية المعاصرة التي تبحث عن رموز تحقق الاستمرارية والفرادة في آن واحد.

عمر خيرت فنان استطاع أن يجعل من البيانو صوتاً عربياً معاصراً، ومن الموسيقى التصويرية سرداً حسياً لا يقل شأناً عن النص أو الصورة. واليوم، يتعلّق الأمر ليس فقط بتمنّي الشفاء، بل بانتظار تطوّر مرحلة جديدة في مسيرة الفنان، توازن بين ما أنجزه وما قد يُقدّمه من تجدد، وإمكانية أن يكون التجديد ذاته هدية لبيانو عربي حمله بيديه إلى آفاق صوتية لم تُستنفد بعد.