كان الزمن ولا يزال وسيظل ركيزة فنية وخطابية ورمزية في قصائد الشعراء عبر التاريخ، باعتباره معادلاً موضوعياً للمكان والإنسان، والشعراء أفضل من وظف الزمن في نصوصهم قديماً وحديثاً، ولعل الشاعر فاروق جويدة من المعاصرين الذين رصدوا تحولات الزمن من خلال نصه الفريد «العطر عطرك والمكان هو المكان، لكن شيئاً قد تكسَّر بيننا، لا أنت أنت ولا الزمان هو الزمان» كما حضر الزمن في القصائد الغنائية (دارت الأيام) «وفي يوم في شهر في سنة، تهدى الجراح وتنام، وعمر جرحي أنا، أطول من الأيام»، كما أن الشعر العربي عامرٌ بالكثير من استحضار الزمن فالمتنبي قال «ومن عرف الأيام معرفتي بها، وبالناس روَّى رمحه غير راحم»وقال «أفاضلُ الناس أغراضٌ لدى الزمن» وقال«أريدُ من زمني ذا أن يبلغني، ما ليس يبلغه من نفسه الزمن».
ويعد الشاعر بديوي الوقداني أحد رموز الشعر الشعبي في القرن الثالث عشر الهجري ولد وعاش في مدينة الطائف ونال لقب شاعر الحجاز كونه جمع في شعره كل أغراض الشعر بما فيها الحكمة، وفي قصيدته الذائعة «أيامنا والليالي كم نعاتبها، شبنا وشابت وعفنا بعض الأحوالي، توعد مواعيد والجاهل مكذبها، واللي عرف حدها من همها سالي» يقف شاعرنا موقف العتب وكأنما الزمن إنسان قابل للعتب يسمع ويحس بل ويشيب ويشيِّب، بعدم التزامه بوفاء مواعيده، ما يجعل العاقل يسلى الهموم ويرتاح من تعقب الساعات والدقائق والثواني، وكعادة الشعراء المتقدم بهم العمر في التعامل مع الزمن الماضي كأيقونة جمالية واستدعائه من خلال نوستالجيا وكأنه يود أن يعود كما قال جميل بثينة «ألا ليت أيام الشباب جديدُ، وعهداً تولى يا بثينُ يعودُ» وبما أن الزمن أشبه بمنظومة هلامية فإنه لا يدوم على حال، ولا يعبأ بمن يرضى ومن يغضب، وربما في حالة الفرح يقع الحزن، وفي قمة الانتشاء يحضر الشقاء، وهاهو شاعرنا يؤكد هذا المعنى، فالزمن سيد وليس مملوكاً «إن أقبلت يوم ما تصفى مشاربها، تقفي وتقبل وما دامت على حالي».
وتظل عجائب الأزمان مشتركاً حكائياً يتسامر به الخلق في منتدياتهم وخلواتهم فالغالب الأعم أن المأساة أكثر حضوراً في ذاكرة الآدمي ما يجعله يحمل الزمن مسؤولية ما يرى ويسمع من غير المألوف خصوصاً حين يتقدم به العمر ويفتقد الصحاب ويأتي جيل جديد له لغته وزيه وحياته المفارقة لحياة من سبق، وبديوي يستحضر هذه الدلالة في قوله «في كل يوم تورينا عجايبها، واليوم الأول تراه أحسن من التالي». ويتحول الزمن في بصيرة الشاعر إلى مصارع ومعارك شرس، ومن خلال المباراة والمبارزة يتعرض الشاعر لما يمكن أن يتعرض له أي محارب «أيام في غلبها وأيام نغـلبها، وأيام فيها سوا والدهـر ميالي».
ولا ينسى شاعرنا أن يبرز مواهبه ومهاراته في التعاطي مع كتلة ثابتة بينما هو المتحول، إلا أن عنصر الوقت ممكن أن يمنح الفنان والموهوب الحكمة والخبرة التي تخوله نقل تجاربه في المداراة والمجاراة والصبر والتلذذ وتفهم أثر الزمن باعتباره يطبع بصمته في الإنسان وقل من أفاد منه واتعظ به «جرَّبت الأيام مثلي من يجربها، تجريب عاقل وذاق المر والحالي، نضحك مع الناس والدنيا نلاعبها، ونمشي مع الفي طوع حيث ما مالي». لتظل أبيات هذه القصيدة من أجمل الأبيات التي تسكن الناس.
بديوي الوقداني يؤنسن الزمن بعتابه الأيام والليالي
25 يناير 2019 - 01:40
|
آخر تحديث 25 يناير 2019 - 01:40
لوحة تشكيلية تجسد الصراع بين الإنسان والوقت.
تابع قناة عكاظ على الواتساب
قراءة: علي الرباعي
