أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/global_files/author-no-image.jpg?v=1

محمد عبده يماني

الحجاج عهد ووعد وميلاد جديد






 


ما أروع هذا المنظر العظيم لحجاج بيت الله الحرام ونحن نراهم يقدمون من أنحاء الدنيا أداء لهذا المنسك .. وطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وهم يتحركون بنية مخلصة واستجابة لدعوة أبينا إبراهيم الذي سمانا المسلمين من قبل .. عندما طلب من الله عز وجل بأن يجعل هذه الأفئدة تهوي إليها..

ولكن ليت كل الحجاج والمعتمرين بل وحتى الطائفين والعاكفين والركع السجود يدركون ويتذكرون أهمية الأثر الذي يجب أن تتركه هذه العبادة على سلوكهم وتعاملهم وتعايشهم في الحياة مع الآخرين.. فالحاج الذي يقف في عرفات وينعم بهذا الشرف العظيم وهذه النعمة الكبرى وهذه اللحظات التي يتجلى فيها الله على عباده ويباهي بالحجيج ملائكته.. هذا الحاج وقد أحرم وتجرد لله عز وجل.. فمن الواجب أن يدرك أهمية أن هذا الحج هو ميلاد جديد له يخرج به من ذنوبه كيوم ولدته أمه.. وهذه فرصة لكي يجدد حياته ويقوم سلوكه ويتقي الله في تعامله: أمانة.. وخلقا.. وسلوكا.. وإيثارا.. وحبا للخير وإخلاصا في العمل.. حتى لا يكون مجرد عادة.. أو رحلة عابرة يؤديها الإنسان دون أن تترك أثرا على حياته الفعلية.. وحتى لا تكون العبادات مجرد عادات نؤديها أو نمارسها.. وثمرة العبادة حسن الخلق.. والعبادات الصحيحة تأخذ بصاحبها بعيدا عن الرذائل.. فتبعده عن الكذب والخيانة والغش والحسد والنفاق والرياء والكبر ونحو ذلك.. وتدفعه نحو الأمانة والوفاء والصدق والفضل والخلق الحسن.. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا فيقول: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا» ويقول صلى الله عليه وسلم وهو يعلمنا أهمية الاستفادة من العبادات: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب» وسبحان الله الذي يعلمنا فيقول: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} فليتنا نتعلم الدرس ونطبق كل القيم ونحرص على الفضائل..

وكم هو عظيم أن ندرك جميعا أن هذا الحج يشكل مجموعة منافع وما على الحاج إلا أن يستفيد في هذه المناسك ويستغل هذه الفرصة لتحقيق وكسب أكبر قدر من هذه المنافع.. ولا شك أن أولى هذه المنافع وأفضلها هي الاستجابة لأمر الله عز وجل.. وأداء الركن الخامس من أركان الإسلام وهو نعمة عظمى..

ولكن المنافع الأخرى كثيرة.. ومن أهمها الأدب الذي يكتسبه الحاج بوجوده في هذه الديار وقربه من هذه الأماكن المقدسة.. واتباعه أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم التي فعلها في هذه المواقع .. والآداب التي تأدب بها صلى الله عليه وسلم وتبعه في التأديب بها مع الله عز وجل ومع حجاج بيته صحابته رضوان الله عليهم في مثل هذه المواقع.. وفي هذا الوقت الهام الذي له حرمته التي علمنا إياها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وحثنا على تعظيمها: ((ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه)) ودلنا على ما فيه من خيرات وبركات ونعم كبيرة..

ومن الواجب استغلال هذه الفترة للدعوة الصحيحة إلى الله عز وجل.. وتدارس قضايا الأمة الإسلامية.. والجهاد الصادق الذي يبدأ بالكلمة المخلصة.. والسلوك القويم.. ويدعو المسلمين لمفهوم العمل المخلص والدعوة الصادقة..

والدعوة الإسلامية واجبة في موسم الحج والذي نعنيه هنا بالدعوة هو الإرشاد.. والتعليم وتصحيح المفاهيم..

ومن المنافع الالتقاء الذي يجب أن يتم بين العلماء والمفكرين في مختلف أنحاء العالم وفي شتى التخصصات حتى يتدارسوا القضايا ويتعارفون ويتعاونون وتتوثق بينهم الصلات.. ومن المنافع ربط الناشئة بهذه الديار المقدسة.. وبهذه الشعائر.. وتوثيق الروابط بينهم..

ومن المنافع تعريف المسلمين بعضهم على أحوال بعض.. وليتنا ننظم في الحج معارض نعرض فيها إنتاج الدول الإسلامية ومنتجاتها والفرص الموجودة فيها.. ونعطي الفكرة عن كل ما فيها ومن فيها ونقرب المسلمين بعضهم من بعض.. ونعرف المسلمين بعضهم ببعض.. وهكذا تعم المنافع.. ويستفيد الحجاج من فترة وجودهم في الحرمين الشريفين ولقاء إخوانهم المسلمين..

والله الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل..



د. محمد عبده يماني

00:12 | 22-11-2010

عبد الله أبو السمح .. على الرايق

سعدت بما كتبه الصديق اللدود الأستاذ عبد الله أبو السمح في مقاله (خطوة للأمام) الذي نشر في صحيفة عكاظ بتاريخ 24/11/1431هـ عن موضوع تقنين الشريعة في عصرنا الحاضر، وتعليقه على حديث معالي وزير العدل الشيخ الدكتور محمد العيسى، وهو من الرجال الذين تحترم أحاديثهم وتعليقاتهم، لأنها تتصف بالعقل والحكمة، وأنا شخصيا ممن يؤيد تقنين الشريعة وتدوين الأحكام الشرعية في شكل قانوني يعتمد على ثورة التقنية الحديثة، واستخدام طرق الأنظمة العصرية بحيث يسهل الرجوع إليها للقاضي وللمتقاضي، خصوصا أن كثيرين من قضاتنا اليوم يحتاجون إلى مثل هذه الأنظمة المبرمجة لاستخدامها في إطار ما استجد من قضايا تحتاج إلى تقنين وفق الشريعة الإسلامية السمحة، تعتمد على فقه جديد وتتيح لمن أراد أن يستفيد من القضاة، أو حتى من غيرهم من العلماء والفقهاء الرجوع إلى هذه الأنظمة للاستفادة منها، إذا ما قننت الشريعة ودونت الأحكام الشرعية وفق قانون حديث للتقاضي.
وأما ما ذكره معالي الوزير من ناحية المبادئ القضائية التي تلتقي مع التدوين والتقنين فذلك أمر يختلف، لأنه هدف إلى ضبط الأحكام، والذي نتحدث عنه هو استخدام الوسائل الحديثة في تقنين القضاء لسهولة الوصول إليها.
ولعل ما أسعدنا هو اتجاه هيئة كبار العلماء إلى تدوين الأحكام القضائية وفق آلية معينة رفعتها إلى المقام السامي، ونتمنى أن تحقق الآمال التي نسعى إليها، وتتفق مع معطيات العصر، والحمد لله إن الهيئة قد فعلت ذلك، لأنها سبق أن تحفظت وربما تخوفت من هذا الموضوع.
وإني أشكر للاستاذ عبد الله أبو السمح تطرقه لهذا الموضوع، فوضعنا الدولي واحتكاكنا بالعالم وارتباطاتنا في القضايا والمعاملات تستوجب أن نقدم شريعتنا الإسلامية في إطار علمي حديث يسهل الرجوع إليه وهو مطلب يأمل فيه الجميع ويتمنون أن يكون واضحا وجليا بحيث تقنن الشريعة بأسلوب عصري يعتمد على فقه جديد يأخذ في اعتباره القضايا التي تمر بالأمة اليوم.
وفي الوقت الذي احترمنا فيه مطالعة الاستاذ عبد الله أبو السمح، فقد عتبت عليه في الزج بالعولمة في هذا المجال، فاتصالاتنا العالمية تختلف كثيرا عن مذهب العولمة، خاصة في القضاء، ونحن لا نتخوف من الاستفادة من كل الثورات والتقنيات الحديثة ولكننا نركب موجتها، ونستفيد منها وفق قيمنا وشريعتنا السمحة.
ولا بد أن نؤمن بأن مثل هذا التقنين يساعد في تجنب خطأ القضاة، لأنه يسهل لهم الوصول إلى الأحكام المناسبة في الوقت المناسب، وبالتالي نبتعد عن قضية أقلقتنا، وهي صدور أكثر من حكم في قضية واحدة من عدة قضاة.. هذا متشدد.. وهذا متساهل.. وهذا بين بين.. ومن هنا سوف يخدم تقنين الشريعة إن لم يكن في إزالة الأخطاء، فلا أقل من التقليل منها مرحليا.
وقد سررت باقتراح الأخ الاستاذ خالد الغنامي عندما تحدث في صحيفة الوطن في 25 صفر 1431هـ وطلب عرض الموضوع على مجلس الشورى تمهيدا لعرضه على مجلس الوزراء.
وعلينا أن نتذكر جوهر التقنين كما يقول الشيخ عبد المحسن العبيكان: الذي نطالب به هو إثبات الأقوال الراجحة عند أهل العلم وتدوينها، فكيف إذا أخذنا في الاعتبار معطيات الفقه العصري الجديد.
وتحية في الختام للاستاذ عبدالله أبو السمح.. وشكرا له ولمعالي وزير العدل على طرح هذه القضية الجوهرية التي تحتاج إلى التبني والعمل الجاد لوضعها موضع التنفيذ.
والله من وراء القصد .. وهو الهادي إلى سواء السبيل.
20:55 | 5-11-2010

فهد العرابي .. قدم فكرا

سررت بالدعوة التي وجهها الدكتور فهد العرابي.. وطرح من خلالها كتابه (المعرفة قوة والحرية أيضا)، وقدمه لصفوة من رجال العلم والفكر والتعليم.. وقد سررت بأنه أعادنا إلى تلك الأيام التي كنا نرى فيها كتابا لديهم الجرأة لطرح كتبهم وقبول النقد وتحمل ما قد يأتي بعد ذلك من تبعات.. وهي خطوة يشكر عليها الأخ الدكتور فهد.
كما سرني أنه قدم الكتاب بنفسه للناس، وطرح ما اشتمل عليه من أفكار بصورة علميه وشجاعة أعجب بها الذين حضروا الاحتفال.. وأتيحت له الفرصة للحديث معهم.
وأحسب أن الكتاب عمل علمي وجريء.. طرح قضايا الأمة العربية بصورة علمية شخصت أبعاد التعثر الذي تعيشه الأمة.. وحاولت أن تجيب: لماذا يحدث لنا هذا؟؟.. وماذا تعلمت الأمم عندما مرت بمثل هذه الكوارث؟؟.. وماهي أدوات معالجة هذه المحنة؟؟.. وأين هو مفتاح النهضة الذي يمكن أن يعيدنا إلى مكانتنا يوم كنا نقدم للعالم علما وفكرا وأدبا شهد به العدو قبل الصديق؟؟.
ومما أسعدني أنه قدم وثائق علمية تجسد عناصر التخلف التي تشد الأمة العربية إلى القاع.. ثم كان شجاعا في أن يرفض مقولات إعلامية في إطار نظرية المؤامرة.. والتي رفضها بعض ممن سبقوه أيضا.. ونبهوا إلى أننا نتخبط ونحاول إلصاق التهم بالآخرين.. مع أن الفاعل شيء والقابل شيء.. ولولا قابليتنا وضياعنا وغياب احترام الإنسان عندنا ما هنا على طريقة:
من يهن يسهل الهوان عليه
ما لجرح بميت إيلام
ولا شك أن الكتاب يستحق أن يقرأ.. وأن يناقش.. وأتمنى من مؤسسات العالم العربي وعالمنا الإسلامي أن تدرس هذه الأفكار.. لأنه من الممكن التخلص من كثير من العوائق التي أبقتنا في القاع وخدعتنا بمجموعة عوامل ترفيهية أو مالية عابرة.. فلم ننظر إلى وضعنا الحقيقي بين دول العالم.. ولم نحس حتى كدول عربية أننا في القاع.
إن الكتاب ــ في رأيي ــ يطرح قضايا مهمة تستحق الوقوف عندها.. ومناقشة المؤلف في أفكاره لمحاولة وضع خطط صحيحة تعمد إلى تصحيح المسار.. وجامعاتنا ومؤسساتنا التعليمية من حقنا عليها في إطار رسالتها أن تدرس هذه الأفكار.. وتحاول طرحها على العلماء والأساتذة والباحثين فيها.. بل وحتى طلابها.. ليقدموا لنا طروحات تعيننا على التحرك.. أو على الأقل أن ندرك ما نحن فيه.. وهذا أمر سبقتنا إليه كثير من دول العالم الأول ــ كما يقولون ــ وفي مقدمتها أمريكا عندما أدركت أن هناك خللا في جوانب اقتصادها.. وبالذات في الميزان الاقتصادي لصالح دول أخرى تميزت بمنتجاتها.. وأثرت في السوق الأمريكية.. وأدت إلى زيادة البطالة وتردي الإنتاج.. فلم ينفعلوا.. ولم يغضبوا.. ولم يتهموا الآخر.. وإنما اجتمعوا بصورة علمية وفكرية.. ووضعوا دراسة عميقة لهذا المشكل الذي دخلوا فيه.. وتركز البحث على أين الخطأ: «أمريكا أين الخطأ؟».. ثم نشروا ذلك العمل العلمي.. وقدموه للجهات المسؤولة.. لتعلم أن الخلل والتردي في هذا الجانب الاقتصادي وهو إغراق السوق الأمريكية ببضائع يابانية وصينية أساسه تردي التعليم في أمريكا.. فهم يعتقدون أن مفتاح النهضة في التعليم.. وأن أي خلل يصيب الأمة حتما ينطلق من تعليمها.. فمنطلق التنمية الحقيقية هو التعليم الصحيح الذي يحقق نهضة الأمة.. ويأخذ بأسباب الثورة التعليمية والتقنية في العالم.
وكذلك فعلت دول أخرى.. كاليابان التي خرجت من كارثة حربية.. أو الصين بكل مشاكلها.. حتى الهند في آخر المطاف التي استطاعت رغم فقرها وبؤس شعبها أن تقفز بتعليمها خلال ثلاثين عاما إلى المستوى الذي نراه الآن.. والذي لمع الصورة الهندية.. وأتاح الفرصة للقوى العاملة الشابة فيها أن تنهل من علم صحيح يأخذ بأسباب التقنية.. ويضع في اعتباره أبعاد الثورة الصناعية.. وثورة الاتصال.. وما استجد في العالم من تقنيات.. فلا بد من أن نسلك هذا الاتجاه العلمي بدلا من إلقاء اللوم على الآخر.
وشعرت وكأن الدكتور فهد يريد أن يقول بوضوح: من هنا تبدأ النهضة، والمعرفة ضرورة مهمة.. والتعليم الصحيح يقود إلى معرفة صحيحة.. ويوسع مدارك الأمة.. ولكي يتحقق ذلك فإن الحرية أمر ضروري.. وقضية حتمية.. ويجب أن لا نتخوف من الحرية المسؤولة إذا ما تربى الأولاد عليها منذ نعومة أظفارهم وشعر بها المواطن والكاتب والمفكر والأستاذ ورجل الأعمال والصانع.. وهكذا نعيد بناء الثقة التي بيننا في البلاد العربية.. ولا تزال الفرصة أمامنا.. خاصة في هذا العصر الذي ألمح إليه الأخ الدكتور فهد بأن الأمور تتسارع والقفزات تتوالى فيه في مجالات العلم والتقنية.. والقطار يسير، فإما أن نلحق به أو نظل نتفرج عليه ونحن وقوف في مكاننا.
وقد ذكرني حديث الدكتور فهد العرابي بيوم تحدثت فيه لمجلة عربيات بتاريخ 11/9/2004، وكان السؤال عن الفجوة التي تحصل داخل أمتنا.. وغياب الوعي عن هذه الفجوة والطروحات العامة التي تتحدث عن وحدة الصف، فقلت يومها: إننا عندما نتحدث عن وحدة الصفوف أقول ليس هناك صف حتى تكون له وحدة.. فالساحة تعج بالفوضى.. وكل يغني على ليلاه.. ومن الصعب أن تتحد دول كل منها منشغل بشأنه وهمه الخاص.. أو تتجمع أقليات لا تفكر إلا بمصالحها.. نحن اليوم أمة تمزقت من الداخل.. وانشغلت بالصراع فيما بينها.. فنجد العلماء يهاجمون بعضهم البعض.. والشعوب متنافرة.. وحتى الإخوة في البلد الواحد يتنابزون بالألقاب.. وأقول مع الأسف لسنا على قلب واحد.. لأننا ابتعدنا عن جوهر الدين الذي جعلنا أمة واحدة.. ولن نتوحد من جديد إلا إذا اتفقنا على أن نعود للمنهج الأساسي ونجتمع على كلمة سواء.
وعن نظرية المؤامرة قلت يومها ما يؤيد ما ذهب إليه الدكتور فهد عن موضوع التخوف من الضغوط الأمريكية وتدخلاتها في المنطقة، فقلت: لا بد أولا أن نتخلص من ضعفنا وشتاتنا.. وأن نعي أبعاد التحديات التي تواجهنا وتستوجب اجتماع أهل الفكر والعلم والسياسة لإيجاد المخرج.. وأكدت يومها على أن أي ارتباك وخلل في أنظمة التعليم ينعكس مباشرة بصورة سلبية على تقدمنا كأمة على مختلف الأصعدة.. ولا بد أن نعي أهمية احترام التعليم وإعادة النظر في برامجه لنخرج شبابا قادرا على العمل والإنتاج.. ونغرس فيهم القيم منذ المراحل الدراسية الأولى ليدركوا عند تخرجهم أنهم سوف يستمدون قيمتهم في المجتمع من خلال عملهم الشريف في أي مجال يخدم الوطن.. وإجبار الجامعات ومعاهد التدريب على الاهتمام بالتخصصات التقنية والعلمية لتخريج كوادر مؤهلة على أعلى مستوى في هذه المجالات الهامة.. فمن العار أن يحصل الشاب على شهادة تخرجه دون أن يتقن الحاسب الآلي، ونحن نعيش في عصر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الذي من المتوقع وخلال الخمس سنوات القادمة أن يصبح من لا يتقن لغة العصر وأدواتها من الشباب في عداد الأميين مهما تفوق بشهاداته في تخصصات أخرى.
وختاما، فقد سرني تركيز الأخ الدكتور فهد على قضية البحث العلمي في البلاد العربية.. وغياب القطاع الخاص في عملية البحث والتطوير.. وانخفاض حجم الإنفاق.. وهذا الأمر من القضايا الخطيرة التي نواجهها اليوم لغياب البنية التحتية اللازمة للبحث.. وانخفاض الإنتاجية العلمية.. وقد تطرق الدكتور نزار قنوع والدكتور جمال العص (من جامعة تشرين السورية)، والدكتور غسان إبراهيم (من جامعة دمشق) في بحث نشروه بعنوان: «البحث العلمي في الوطن العربي واقعه ودوره في نقل وتوطين التكنولوجيا» إلى العوامل التي أوصلت العالم العربي إلى مستواه العلمي الحالي، وهي:
• عدم توفر التمويل المالي.
• عدم الاهتمام بالباحث العربي.
• أوضاع النظم السياسية.
• غياب السياسات والاستراتيجيات العلمية الواضحة.
وأنا أضيف إليها أن من أهم الأمور قبل ذلك غياب القناعة بأهمية البحث العلمي عند القطاع الخاص.. وضعفها عند القطاعات العربية الحكومية.. وأرجو ــ إن شاء الله ــ أن أعود لهذا الموضوع في المستقبل لخطورته.. ولكني من الذين استمتعوا بالكتاب وطريقة عرضه.. كما فرحت بحديث الأخوين الدكتور سعود كاتب والدكتور عبد الله مناع والطريقة التي استعرضا بها أفكار الكتاب.. وشكرا للأخ الدكتور فهد العرابي.. وسيكون لنا ــ إن شاء الله ــ لقاء مع هذا الموضوع لخطورته وأهمية إقناع المسؤولين بتبني هذه الأفكار المهمة ومثيلاتها بالنسبة للنهضة القادمة في عالمنا العربي.
والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.
20:42 | 2-11-2010

عكاظ.. إنه عمل حضاري

تحية لصاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل على هذا الإنجاز الذي تمثل في إحياء سوق عكاظ كعمل حضاري مبدع.. ولقد فرحنا بذلك التنظيم الكبير والإبداع في جوانب مختلفة من السوق.. قدمت ذلك التراث العريق بين أيدينا وأيدي الناشئة من أبناء المملكة.. بل قدمته للعالم خلال الخطوة التي قامت بها وزارة الثقافة والإعلام.. وعلى رأسها أخي الدكتور عبدالعزيز خوجة بنقل هذا الحدث التاريخي والتراث العريق إلى العالم.
وقد استحق د.عبدالعزيز خوجة وأسرة وزارة الثقافة والإعلام كل تقدير.. لأن العمل فعلا، وأقولها باختصار: عمل حضاري كبير.. وقد ارتحت إلى حديث أخي سمو الأمير خالد الفيصل -ونحن نهنئه في نهاية الحفل-: بأن القادم إن شاء الله سيكون أكبر وأوفى وأوسع وأكثر إبهارا ومكانة وجرأة على تقديم هذه السوق.. واسترجاع أحداثها الكبرى.. وكأنني أقول لسمو الأمير خالد: أن ما تم حتى الآن هو شيء كبير.. ولكن نتمنى أن يتصل شباب البلاد بهذا الإنجاز.. ويعطوا الفرص للاتصال بتاريخهم العريق.
وكان اختيار الشاعر الجاهلي العملاق طرفة بن العبد موفقا.. لأن هذا الشاعر -على صغر سنه- قدم تلك الروائع في معلقته المشهورة.. وأطلعنا على عمق التجربة.. واللغة العالية.. والتعابير التي كانت تجري على لسانه من روائع الحكم.. وكريم الصفات.. ونبل المواقف.. وكما قيل ولد الشعر في دمه وفي صلبه من أمه وأبيه وأخواله.. وكان متمردا منذ نعومة أظفاره.. فقدموا لنا هذا الشاعر الذي احتقر المال.. وقبل أن يعيش طريدا.. ولكنه يعتز بكرامته.
وطرفة بن العبد عندما قدموه لنا ذكرونا بفروسية هذا الإنسان.. ورغم ما صاحب حياته من صخب ونزوات.. إلا أن شعره ومواقفه وكرامته غطت على كل شيء.. حتى حجز لنفسه منزلة تلي امرأ القيس كشاعر جاهلي.. رغم فقدان الكثير من قصائده.. وحتى رأينا المستشرقين في الغرب يتحدثون عن طرفة.. والسوق.. والشعر في عكاظ.
وعندما نقول شكرا للأمير خالد وهيئة السوق ووزير الإعلام ووزير التربية والتعليم ورئيس هيئة السياحة والآثار الأمير سلطان بن سلمان.. فذلك لأنهم جعلونا نعيش في أجواء مواقف تاريخية خصبة وكأننا ننظر إلى تلك البادية وهي تخرج شابا بدويا دائم الشجار مع الآخرين.. سليطا اللسان عنيف الطباع.. هو طرفة بن العبد.
وأحسب أن الطريقة التي قدمت بها جوانب السوق صورت لنا عظيم ذلك التاريخ وأهمية التراث الذي يجب أن لا نفرط فيه.. ونستفيد منه.. ونعلمه لأجيالنا.. والروعة كانت في ترتيب جوانب السوق في الطائف عندما حضرناها هذا الأسبوع.. وتلك الصورة التي استرجعناها لسوق عكاظ قبل نحو من 1500 عام.. وأنه سمي سوق عكاظ من معاني الفخر ومواقع الجدل.. وإقامة الحجج.. والتعاكظ والتفاخر في أمورهم.. وكل من يحضر يريد أن يفخر بشعره وأدبه ومواقفه.. ويسجلها في ذلك السوق.. حتى ازدحمت السوق بفحول الشعراء.. ونوابغ الخطباء.. الذين تباروا في إلقاء أروع القصائد.
ورغم تعدد الأسواق فقد ظلت عكاظ هي القمة.. واستحقت بذلك هذا الإحياء.. وتلك العناية.. فقد كانت تجمع بين السوق الأدبية والاقتصادية والسياسية.. وكان لهذه السوق موسم كبير بجوار (قصر مشرفة).. والذي بقيت آثاره حتى اليوم.. وفي جانبه الخيمة الحمراء للنابغة الذبياني.. وقد كان رأس هذا السوق.. والمحكم الأساسي في الشعر.. والذي يمنح الجائزة.. ثم يأمر بتعليق القصائد على جدار الكعبة.. وكان للسوق حكومة تنسق نظام السوق ومجرياته.. وحركة الناس فيه.. ومراعاة الآداب والشيم والأصول.. وكان من حكومة السوق: عامر بن الظرب.. وسعد بن زيد مناة.. وحنظلة بن زيد.. وذؤيب بن كعب.. ومازن بن مالك.. والاضبط بن قريع.. والأقرع بن حابس بن عقال.. وغيرهم.. وشكل هؤلاء الحكام والقضاة ما يسمى بحكومة عكاظ المركزية.. التي تشكل كل عام.. وعادة يكون أعضاء هذه الحكومة من قبيلتي تميم وعدوان.
ودعونا نقول بكل صدق: أن إحياء سوق عكاظ.. بل وأسواق العرب.. لا يعني أننا نعود إلى جذور جاهلية.. أو نحيي رموز التمرد على الدين في الجاهلية.. فقد كان القوم في جاهلية.. وإنما هو إحياء لجزء أساسي في تاريخ الأمة.. كانت فيه عطاءات عظيمة تمثل جوانب مهمة من تاريخ عميق.. وتراث لا بد أن نعتز به.
ويكفينا أن الله سبحانه وتعالى كرم لغتنا.. وأنزل القرآن الكريم بها.. واختار النبي العربي عليه الصلاة والسلام من هذه الأمة.. وهو بأبي وأمي لم يحارب سوق عكاظ.. بل حضرها.. وأعجب ببعض شعرائها.. وظلت كذلك في عهد الخلفاء الراشدين بعده.. ولم تدمر إلا على يد الخوارج في عام 129هـ وقاموا بنهبها.
وعندما نتجول في السوق نحس كأننا نرى النابغة الذبياني في خيمته الحمراء التي ذكرها المؤرخون وصوروها.. ومن أجمل تلك الصور عندما وردت الخنساء على النابغة وانشدته:
وإن صخرا لتأتم الهداة به
كأنه علم في رأسه نار
فأعجب النابغة بشعرها وقال لها: والله لولا أن أبا بصير أنشدني وكان يقصد الأعشي لقلت إنك أشعر الجن والإنس.
واحسب أن الذين تناولوا سوق عكاظ -وخاصة أولئك الذي تتبعوا تفاصيل السوق- مثل الباحث محمد قجه عندما تكلم عن «سوق عكاظ قراءة معاصرة» نجح في إلقاء الضوء على جوانب مهمة من هذا السوق.
ورحم الله الشيخ محمد عبدالله بن بليهد الذي أثبت مع مجموعة من الباحثين موقع السوق.. وحدده في هذا المكان الذي أقيمت فيه الذكرى الرابعة لإحياء السوق هذا الأسبوع وهو يبعد مسافة عشرة كيلو مترات من مطار الحوية من الجهة الشرقية.. وعن الطائف 40 كيلو مترا تقريبا.. وهو المكان الذي يلتقي فيه وادي شرب ووادي الأخيضر.. ويوجد بشرقه ماء يطلق عليه المبعوث عند الحرة السوداء.. ويوجد جنوبيه أكمه العبلاء منذ العهد الجاهلي وقد حددت اللجنة بدقة كروكيات الموقع.. ويراه المتجه خارجا من الطائف على يمين الذاهب إلى الرياض.. وحرصوا على إبقاء مواقع مهمة مثل عين الخليص.. وكانت تغذي السوق بالمياه.. وقصر مشرفة الذي ذكرناه.
ثم تلك القبائل التي كانت تسكن عكاظ في وقت السوق.. وفي غير وقت السوق.. مثل قبيلة هوازن.. ومنهم بنو نصير.. وقبائل عدوان.. وثقيف.. وذكر أن سكان عكاظ هم القثمة.. وهي قبيلة دريد بن الصمة.. وتسكن الآن في وادي قران من السيل الصغير والعقيف.. ويسكن قرب عكاظ قبيلة عدوان التي ينتمي إليها ذو الإصبع العدواني من المحكمين في سوق عكاظ.. وهذه القبيلة تسكن قرية العقرب.. كما تسكن قرب عكاظ قبيلة الصمة من عتيبة.. وكذلك قبيلة من قريش من منطقة القريشات.. وجماعة من الأشراف ذوو جود الله.
إن هذا العمل يملي علينا أهمية العناية بهذه السوق.. وأن ندرك أنها ثروة كبيرة من تراثنا.. وتاريخنا.. وقيمنا.. ولغتنا.. وشعرنا الذي كان النشاط الأكبر في هذه السوق التي تلقي فيها الأشعار.. تراقب النصوص.. ويحيى الإبداع.. حتى برزت تلك الصفوة من روادها مثل امرئ القيس.. وطرفة بن العبد.. وقس بن ساعدة.. وذي الإصبع العدواني والشاعرة الخنساء.. فكيف ننسى هذا التاريخ وعظيم شأنه بالنسبة لنا.. ولو اقتربنا أكثر من معالم هذا السوق لرأينا أنه مركز اقتصادي واجتماعي وسياسي.. تحل فيه المشاكل بين الأمم والقبائل.. وتعقد فيه العهود والسلام.. ويتم تسليم الأسرى.. بل وتقويم الفرسان وتحديد المراكز المتقدمة بين فرسان العرب.
وكما ذكرت المصادر.. وتحدثت عنه في بداية مقالي هذا عن أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد سوق عكاظ في حروب الفجار مع أعمامه.. ومن أجمل المراجع التي يعود إليها الباحث عن هذا السوق كتاب: «سوق عكاظ في الجاهلية والإسلام» للدكتور ناصر الرشيد والذي توسع.
ولقد أحسنت لجنة السوق عندما قدمت مجموعة من أبرز المراجع في سوق عكاظ مثل «سوق عكاظ» لمحمد موسم المغربي، و«ديوان عكاظ» لمحمد السالمي، و«سوق عكاظ من ذاكرة التاريخ» لهند با غفار، و«سوق عكاظ الرمز والتاريخ» لمناحي القثامي، و«عكاظ وحي الإبداع» لعالي سرحان القرشي وعاطف السيد بهجت، و«عكاظ الأثر المعروف سماعا المجهول مكانا» لعبدالله محمد الشائع.
وختاما فإن ما يحدث في سوق عكاظ مفخرة نعتز بها.. فقد أعدت إعدادا جميلا.. وتم توفير المعلومات والمراجع الأساسية.. بل وحتى آخر ما صدر.. وجعلت بين أيدي الناس ونظم موقع السوق.. وتم إخراج الحفل بشكل رائع لم يقتصر على الكلمات ولا على القصائد.. وإنما قدم صورا حية في «طريق المجنة» أو «جادة عكاظ» عن سوق عكاظ كركن من أركان الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في تاريخ العرب في هذا السوق وكأني بسوق عكاظ اليوم أعادت لسوق عكاظ مكانته وقدمته علما موثقا أصيلا يلقي الضوء على الحياة المعرفية والأدبية والعلمية في تاريخنا حيث تخرج الثقافات والفنون.. ولقد سرني تكريم تلك الصفوة في هذا السوق ومبادرة البيوت التجارية.
وختاما.. فشكرا للأمير خالد الفيصل وللجنة الإشراف على السوق.. وشكرا لسمو الأخ الأمير فيصل بن عبدالله وزير التربية والتعليم.. والابن سمو الأمير سلطان بن سلمان رئيس هيئة السياحة والآثار.. وأخي الدكتور عبدالعزيز خوجة وأسرة الإعلام.. وشكرا وتهنئة لمحافظ الطائف معالي الأخ فهد بن عبدالعزيز بن معمر.. فقد نجح في تحويل الطائف إلى مدينة سياحية جميلة أعادت لها بهجتها وشجعت الناس على قصدها.. وانتشر العمران في شتى أنحائها بشكل يبعث على السرور ويدفع إلى التفاؤل بمستقبل أكثر إشراقا لهذه المدينة.
20:17 | 11-10-2010

لو نتعلم دروس الفتح

فتح مكة .. هذا الحدث العظيم الذي تحقق فيه وعد الله عز وجل .. ونصر سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) .. وأعز جنده .. فكان فتحا عظيما .. وتحولا مهما .. ومن هنا ينظر الكثير من العقلاء إلى أهمية الاستفادة من هذه المناسبات الخالدة لدراستها وتعلمها وتعلم أسرارها وما جرى فيها على يد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بفضل الله وتوفيقه، وهذه الأيام تمر بنا ذكرى هذا الحدث العظيم والنصر المبين الذين يعد منعطفا مهما في مسيرة الدعوة الإسلامية، والسيرة النبوية، فقد جاء بعد صلح الحديبية الذي لم تمض عليه سنتان حتى نقضت قريش عهدها، وأعانت بني بكر على بني خزاعة الذين دخلوا في حلف النبي وعهده، فقتلوا منهم عشرين في ليل وهم لايشعرون!.. فذهب عمرو بن سالم الخزاعي إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فأخبره بما صنعت قريش وبكر ببني خزاعة قال له النبي (صلى الله عليه وسلم): نصرت يا عمرو بن سالم .. ثم تجهز للخروج وخرج من المدينة في رمضان في المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى القبائل التي دخلها الإسلام يخبرهم بمسيره، وبالاستعداد للسير معه، فكانوا كلما مروا بقبيلة انضم إليهم المسلمون، فلما وصل المسلمون مر الظهران قريبا من مكة بلغ عدد جيش الفتح عشرة آلاف من الصحابة يريدون فتح مكة.
ومن يتعمق في قصة الفتح يرى ذلك المظهر الرائع، والتحرك الميمون عندما دخلت جيوش الفتح مكة من أقطارها، وأمر النبي (صلى الله عليه وسلم) قواد الألوية أن لايقاتلوا إلا من قاتلهم، فلم يقع إلا قتال يسير، ودخل النبي (صلى الله عليه وسلم) على راحلته، وإنه ليضع رأسه تواضعا لله على ما أكرمه به من الفتح، وخرج أهل مكة إلى جبل أبي قبيس، ينظرون الجيوش المظفرة تهز الأرض هزا، وهم في ذهول، لا يكادون يصدقون ما يرون، فلما دخل النبي (صلى الله عليه وسلم) المسجد بدأ بالأصنام فحطمها بقضيب كان يشير به إليها، فما أشار لصنم على ظهره إلا وقع على وجهه، وما أشار لصنم على وجهه إلا وقع على ظهره، مع أن هذه الأصنام كانت مثبتة إلى الأرض بالحديد والرصاص المذاب!!.
ثم طاف النبي (صلى الله عليه وسلم) بالبيت سبعا على راحلته، يستلم الركن بعصاه، ثم دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له فوجدت فيها الصور والأصنام فأمر النبي (صلى الله عليه وسلم) فأخرجت وحطمت، وأمر بلالا الحبشي أن يصعد فوق الكعبة فأذن، فارتفع الأذان في المسجد الحرام لأول مرة في التاريخ، بصوت العبد المهاجر الذي كان يصبر على العذاب الشديد، ويتحدى طواغيت قريش وهو يقول أحد أحد!!.
وقفت قريش على جبل أبي قبيس تسمع وترى ما لم يكن يخطر لها على بال، فهذه الأصنام تهوي ذليلة، فلا تملك لنفسها نفعا ولاضرا، وهذا صوت بلال يعلن كلمة التوحيد وهي في ذهول، وهذه كتائب الصحابة تدخل مكة فاتحة منتصرة، وتطوف بالبيت خاشعة راضية، فلا تسفك في مكة دماء، ولايقع فيها ثأر ولا انتقام!!.
لقد صحت قريش من سكرتها، وأيقنت أنها أمام الحقيقة التي طالما بذلت المهج والأموال لئلا تراها، وأيقنت أنها مغلوبة لا محالة، فطمعت أن تنال من محمد وأصحابه عفوا، فنزلت عن الجبال المحيطة بالوادي، وخرجت من بيوتها في يأس صامت، وطرف خاشع حسير، فلم تعد المكابرة تغنيها شيئا، ولم يبق أمامها إلا الإذعان والاستسلام!! فدخلت المسجد ترقب عن قرب، وتنتظر ما سيقول ابنها الأمين في صمت وخوف!!..
ووقف النبي (صلى الله عليه وسلم) على باب الكعبة فحمد الله حمدا كثيرا، وأثنى عليه ثناء جميلا ثم قال: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء!!.
أصحيح ما يسمعون؟ أم هم في نوم يحلمون؟ لقد نظر بعضهم إلى بعض وقد زال عنهم يأس قاتل وكرب عظيم!! فقد نالوا من العفو ما لم يكونوا يأملون!!.
ومن هنا فإن فتح مكة فيه دروس عظيمة، وأهمها ذلك التواضع النبوي العظيم فقد ظن أهل مكة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سيدخل عليهم ويبيدهم ويفعل بهم مثل ما فعلوا به، ويذلهم كما فعلوا، ولكنه (صلى الله عليه وسلم) دخل في تواضع جم لله عز وجل، الذي أعزه، ونصره، ودخلت قريش في دين الله أفواجا، وحقق الله لنبيه (صلى الله عليه وسلم) قوله تعالى: «ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين».
وقد كانت الآيات القرآنية تتنزل بعد هجرته تبشره بهذا الفتح: «إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد»، وحقق الله تعالى له دعاءه عندما خرج مهاجرا من مكة وهو يقول: «رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا» وكان صلى الله عليه وسلم يقول وهو يكسر الأصنام يوم الفتح: «وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا».
وكان فتحا بالعفو العام، وفتحا بالتواضع، وكان فتحا للقلوب بالإيمان، وفي سماحة المنتصر، وحقن الدماء، ولقد كان الفتح إعلاء لمعاني الوفاء للبلد والأهل والعشيرة، ومن هنا فإن من ينظر بعمق في تصرف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عند دخوله مكة يحس بأنه علم الدنيا كلها درسا في التواضع إلى يوم القيامة، فقد دخل بهذه الصورة العظيمة من التواضع ــ كما ذكرت ــ ولم يأمر أحدا بالقتال، بل نبه الجميع بأن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، فكان فتحه رحمة وعفوا لأهل مكة، رغم أنه دخلها بجيش لم تشهد له مكة مثيلا من قبل، جيش عظيم قوي يزيد عدده على عشرة آلاف مقاتل لا قبل لأهل مكة ولا طاقة لهم به، لكنه يقول تلك الكلمات العظيمة: «من دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن» وأكرم أبا سفيان فجعل من دخل بيته فهو آمن.
ودخلت جيوش الفتح من جهات كثيرة دون قتال، كما أمرها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ولكن خالد بن الوليد اضطر أن يقاتل الذين قاتلوه، وقتل عددا منهم، حتى تفرقوا أمامه، فلما علم النبي (صلى الله عليه وسلم) بذلك أصدر إليه أمره أن يرفع يديه عن القتل، ودخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على ناقته خافضا رأسه، يكاد وجهه الشريف يمس الرحل، شكرا لله على نصره وتأييده وعنايته، لقد دخل دخول نبي كريم رؤوف رحيم، دخول من أرسله الله رحمة للعالمين. ولم يدخل دخول المنتصرين الجبارين الذين يبطشون وينتقمون وينكلون بأعدائهم الذين أخرجوهم من ديارهم وصادروا أموالهم وآذوهم وقاتلوهم، بل قابل ذلك بالصفح الجميل، والعفو الرحيم، ولو شاء أن يثأر وينتقم لتساقطت الرؤوس كما يتساقط ورق الخريف، ولسالت الدماء أنهارا، ولكن هذا ليس من طبعه ولا من أخلاقه، ألم يأته ملك الجبال حين أخرجوه وآذوه فعرض عليه أن يطبق عليهم الأخشبين ــ الجبلين ــ فقال: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله»، ثم دخل مكة في حماية المطعم بن عدي.
وها هو ذا اليوم في قمة انتصاره وقدرته، يقطف ثمار صبره وصبر أصحابه وجهادهم، فتحا مبينا، دون علو في الأرض ولا فساد، ولا زهو ولا استكبار، بل في تواضع وتذلل لله وانكسار، ثم قال لهم قولته الخالدة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، وهذا من دلائل نبوته، فعلها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليعلم الدنيا كلها تلك المواقف الأخلاقية العظيمة التي شهد له بها الله عز وجل: «وإنك لعلى خلق عظيم» فلنعلمهم .. ولنعلم أهلنا وأولادنا هذه الصورة المشرقة من السيرة النبوية لسيد البرية (صلى الله عليه وسلم).
والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.
22:12 | 29-08-2010

ملك إنسان وسنوات بيضاء

نشعر أن من واجبنا أن نشكر الله سبحانه وتعالى الذي وفق هذا الملك الإنسان وأجرى على يديه كل هذه الخيرات، ووفقه لاتخاذ مواقف عالمية ترفع الرأس وقرارات وطنية تتصل بحياة المواطنين على اختلاف أعمارهم، فلم يفرق بين حق الرجل والمرأة، ولا الفقير والغني، وإنما جعلهم أصحاب حقوق على هذا الوطن، وأن للوطن حقا عليهم، ومضت سنوات خمس هي سنوات بيضاء، انفق فيها الملك، وأمر بالإنفاق، وساهم بصورة إنسانية في تلمس مواطن التنمية الحقيقية، ووجه الإنفاق إليها، فبدأ بالتعليم ووجه بأهمية تطوير التعليم، ثم اعتنى بالجامعات وركز على إنشاء عدد من الجامعات، حتى بلغ مجموع جامعاتنا 20 جامعة، ولكن الأهم أنه وجههم بكل صراحة إلى أن يخرجوا للوطن مواطنا قادرا ومؤهلا للعمل.
ثم وجه من خلال مجلس الوزراء ومجلس الشورى إلى العناية بتغيير المخطط التعليمي لنتجه نحو كليات ومعاهد التقنية التي بدأت تؤتي ثمارها وأتاح الفرصة للقطاع الخاص للمساهمة في هذه القضية الوطنية الملحة، والاستفادة منها وتحقيق أرباح في وقت يخدم فيه هذا الوطن.
ثم شاء الله أن يجري على يديه قضايا مهمة في توفير مصادر المياه لكل المواطنين، والعناية بهذه القضية والوقوف عليها، وظل عبد الله الإنسان عند حدوث الكوارث ينتقل من ذلك الأب الرحيم والرجل اللطيف المعشر سهل التعامل إلى إنسان صارم، لا يقبل بالظلم ويرفض الفساد الذي قاد إلى الكوارث في مناطق المملكة، وأمر القضاء بقول كلمته في كل من ظلم وأجرم في حق الوطن والمواطنين.
ومضت هذه السنوات البيضاء منذ أن تولى الزمام، وحتى قبل أن يبايع ملكا تحمل المسؤولية، وحمل الراية، ووقف موقف الرجال الذين يعرفون أبعاد المسؤولية.
ورأينا كيف توزع هذا الخير على أنحاء الوطن، ثم كيف رفع رأسنا جميعا بتلك المواقف السياسية والإنسانية العالمية حتى شهد له العالم قبل أن نشهد نحن، ونادى بصوت واضح بأن الأمانة تقتضي علينا أن نعطي كل ذي حق حقه، وأن نعطي الإنسانة السعودية حقها الذي أعطاه الله لها وفق الشريعة السمحة وأن من حقها أن تكسب رزقها بعرق جبينها، وأن تعمل وتخدم هذا الوطن وتساهم في بنائه وفق تلك الضوابط التي ارتضيناها جميعا، ونادى بفقه جديد يستوعب دخول المرأة في إطار التنمية بصورة فعالة؛ لأنهن كما علمنا الشارع الحنيف شقائق الرجال، ورفض الملك عبد الله تعطيل نصف المجتمع.
هذه السنوات البيضاء نراها وقد التفت الملك فيها إلى موضوع الحرمين وأدرك عظيم المسؤولية عليه كخادم الحرمين الشريفين وعلى حكومته، بل على كل مواطن، تجاه خدمة الحجاج والمعتمرين، وكل من يقصد هذا البيت الحرام ومسجد رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم، فأمر بكل تلك التوسعات التي هي نوع من الخيال في السابق، وأصبحت حقيقة، ثم أمر برفع العناء عن الناس الذين يفدون إلى الحرم النبوي الشريف في أوقات متأخرة، وأن لا يقفل في وجوههم، وأمر بفتح أبواب الحرم والسماح للناس من الرجال والنساء بالدخول إلى المسجد النبوي الشريف للصلاة فيه والسلام على سيدنا محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ في أي وقت.
ثم لم يكتف بذلك بل رأيناه يأمر بفتح قنوات نقلت تلك الصور العظيمة للحرمين الشريفين إلى العالم أجمع، وربطت الناس بالحرمين وشكرت له ولحكومته هذا العمل الصالح، ورأينا كيف عمت الفرحة كل قادم أو كل مشاهد لهذا العمل الطيب الصالح.
وهناك لفتات إنسانية تدل على حقيقة هذه السنوات البيضاء، يوم يقوم الملك بزيارة المستشفى ليطمئن على توائم ويجبر خواطرهم، وهو غير مكلف بذلك، ولكنها لفتة إنسانية أكرمه الله بها، وأدخل السرور على قلوب هؤلاء الفقراء بالعطف عليهم وعلى أسرهم، وسجل له التاريخ ذلك.
والتفت إلى قضايا قد يراها الناس عابرة، ووقف موقفا صارما فيها وألغى أحكاما بالطلاق من نساء تزوجن على سنة الله ورسوله وأنجبن أطفالا وتم الزواج بولاية آبائهن، فرفض رفضا قاطعا أن تمزق العائلة، ولعل الناس تذكر موقفه من فتاة القطيف وما لقيته من بلاء وعناء فوقف إلى جانبها وأمر بإطلاق سراحها.
والتفت لأولئك الأطفال الذين أصبحوا ضحية تصرف آباء ذهبوا إلى بلاد عربية وتزوجوا، ثم هربوا وتركوا الزوجات والأطفال، ورأيناهم ينامون في المقابر لفقرهم فعطف عليهم وأمر بصرف مكافآت لهم تعينهم على الحياة هم وأمهاتهم، وطلب دراسة كيفية أعطائهم حق الجنسية لأنهم ضحية ظلم آبائهم.
هذا هو عبد الله الإنسان، وفي غمرة كل هذا يذهب الملك لتكريم العلماء والأدباء ورجال الفكر ويزورهم ويدعوهم إلى مرابع التكريم في الجنادرية، وغدا في سوق عكاظ، ويعلن من خلال وزير إعلامه أننا نرحب بالفكر والنقد الهادف البناء، وأكرمهم وجعل ذلك اللقاء لقاء تاريخيا وفكريا وثقافيا شهد له القريب والبعيد.
ولم يقف عبد الله عند هذا، بل رأيناها سنوات بيضاء يقدم فيها العون من بلاد الحرمين وبأمره، إلى منكوبي الزلازل والبراكين في مناطق العالم، ولم يفرق في عطائه، وأوصى بمساعدة حتى تلك الدول الفقيرة التي تضم غير المسلمين، وأن لهم حقا علينا، ورأينا هذا الملك الشهم كيف تصرف وكانت غضبة لما أصاب الأشقاء في غزة وفلسطين عامة، غضبة لهم وألم لما أصابهم، وغضبة عليهم وعتاب لتشتت كلمتهم وتفرق كلمتهم حتى أصبحوا لقمة سائغة لعدوهم الظالم.
وختاما، فلا نستطيع في مثل هذه العجالات أن نحصي كل مواقف هذا الملك الإنسان، ولكننا نقول: اللهم أعنه وزد في توفيقه واحمه وارزقه البطانة الصادقة التي تعينه على إكمال هذا المشوار الإنساني.
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
21:21 | 12-06-2010

الأمير عبد المجيد .. وتحية لدار الحكمة

أسعدتني المشاركة مع كلية دار الحكمة والدعوة التي وجهت لي من قبلهم بخصوص يوم المهنة فقد كانت خطوة موفقة أثبتت الكلية أنها تشارك في قضايا المجتمع الذي من أهم قضاياه قضية البطالة وكيفية توفير المهن المناسبة للشباب بمختلف المستويات ثم أهمية ربط جهات التعليم والعمل مع بعضها البعض للقضاء على البطالة وتوفير المهن المناسبة.
وقد كانت جلسة تثلج الصدر من أهم ما فيها أن الكلية أخذت تركز على قضايا مثل هذه ثم تذكرت وأنا أتجول داخل الكلية تلك الجهود التي بذلت لتأسيس هذه الكلية الرائدة، والتي انطلقت منذ عشر سنوات، وبدأت بأربعين طالبة، واليوم تضم أكثر من ألف طالبة.
ولاشك أن من واجبنا أن نحيي الأمير المرحوم عبد المجيد بن عبد العزيز، فقد أعطاها من وقته وجهده وتشجيعه الشيء الكثير، وذلل الكثير من العقبات التي وقفت أمام الكلية، وتحية للرجال الذين قدموا له الفكرة، ووقفوا صفا واحدا حتى خرجت إلى حيز الوجود، ليس بمالهم فقط ولكن أيضا بجهودهم وفكرهم ووقتهم ورغبتهم في تحقيق هدف أساسي وهو تعليم المرأة بصورة جعلت دار الحكمة اليوم تنافس كليات جامعية عالمية، حتى فازت أربع طالبات من هذه الكلية بتكريم الرئيس أوباما.
وأتذكر يوم كنت أتابع وأتشرف بالاجتماع مع الإخوة: الأستاذ هشام زينل علي رضا، والابن خالد طاهر، والأستاذ محمد بن محفوظ رحمهما الله، والمهندس ياسين قاضي، والمهندس قيس إبراهيم جليدان، والمهندس يحيى محمد بن لادن والمهندس زهير حامد فايز الذين حرصوا على انطلاقتها الأولى.
وتحية للابنة العزيزة الدكتورة سهير حسن قرشي ابنة شاعرنا وأديبنا بل ورائد من رواد الحركة الثقافية المرحوم الأستاذ حسن عبد الله القرشي، ولأسرة الكلية جميعا، ولكل من ساهم بسهم خير.
وكم أتمنى أن نولي نحن كأمة قضية البطالة عناية خاصة، فهي من أخطر الأمور التي تواجهنا، لأن نجاحنا فيها ينطلق في الأساس من عنايتنا بالثروة البشرية قبل الثروة المادية، فللبطالة أخطارها التي أصبحنا نحس بها، وأن من حق هؤلاء الضعفاء علينا أن نقضي عليها، قبل أن تقضي على شبابنا وتمزقهم وتقذف بهم إلى الطرقات، خاصة أن بعض مؤسسات التعليم قد ساهمت فيها بعض الشيء بتخريج آلاف مؤلفة، وقذفت بهم إلى الشوارع دون تأهيل يتفق مع حاجة البلاد وحاجة هؤلاء الشباب والشابات لعمل صالح يكسبون منه رزقهم بعرق جبينهم.
تحية من الأعماق لهذه الكلية، ورحم الله صاحب السمو الملكي الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز وجزاه عنا خيرا لدعمه ورعايته لها، وجزى الله خيرا كل من ساهم في هذا العمل البناء بسهم خير والذي نرجو له مستقبلا زاهرا لتحقيق المزيد من الأهداف التي ننشدها.
والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.
21:46 | 2-06-2010

وتحتاج الليث إلى نظرة

لقد زرت محافظة الليث قبل سنوات طويلة يوم كنا ندرس المناطق الجيولوجية والصخور القريبة من المنطقة، وكانت فعلا محافظة جميلة فيها مراع كثيرة للأغنام والإبل وأهلها يتميزون بنشاط كبير في مجال الرعي والزراعة، وهناك مجموعات منهم تشتغل بالصيد ومنطقة البحر عندهم زاخرة بألوان كثيرة من الأسماك، بالإضافة إلى أنها بيئة صالحة لبعض الأحياء البحرية الأخرى.
وكانت هناك منطقة مهمة في الليث اسمها (الغالة) تتميز بقربها من مناطق يصطاد بعض الأهالي منها الصقور التي تأتي مهاجرة ويحققون أرباحا طيبة، ولكني عندما زرتها هذا الأسبوع ضمن وفد مدارس جمعية القرآن الكريم فوجئت بأن المنطقة أصبحت تعاني من تخلف كبير في الخدمات، وارتفاع في بطالة الشباب، فكثير منهم يحمل البكالوريوس والليسانس ولا يجد عملا في وقت تقوم فيه الشركات وحتى بعض الأجهزة الحكومية بتعيين شباب من خارج محافظة الليث في تلك الوظائف الذين هم أحق بها، وكأني بهم قد شعروا بإهدار حقوقهم، وأتمنى من المسؤولين في الخدمة المدنية الالتفات لهذه الحاجة الملحة لأبناء الليث، وفي الوقت نفسه تناقص الصيد وأصبح ضعيفا لتلوث المنطقة بكل أسف ببعض المواد الكيميائية والمخلفات التي تقذف في المياه، وانقطع رزق كثير من هؤلاء الصيادين الذين ظلوا ينعون حظهم بجوار قواربهم المحطمة.
هكذا أصبحت الليث تعاني من غياب دعم البنك الزراعي للمزارعين والأخذ بيدهم، وكذلك الرعاة، وعدم توفر الوظائف لأولادهم، وتدهورت الخدمات الأساسية، وهناك أكثر من مائتي قرية تحيط بالليث، وهي قرى فقيرة ومحتاجة، ولم أجد في كثير منها أبسط مقومات الحياة وهذا من المؤلم أن تغدو هذه المحافظة ذات التاريخ العريق بهذا الشكل الذي يحتاج من رجال التنمية إلى العناية به.
ومن المؤسف أن بعض شركات رجال الأعمال وهم من كبار رجالات الأعمال في المملكة قد أنشأوا مزرعة لزراعة الروبيان وتصديره إلى خارج المملكة ولكنهم لم يفيدوا مدينة الليث، بل على العكس من ذلك، فقد مدوا أسلاكا شائكة إلى منطقة تزيد على العشرين كيلو مترا وحرموا أهالي الليث من ممارسة صيد الصقور التي كانت تدر عليهم دخلا، ثم قاموا بحفر قناة طويلة من المصنع إلى الليث لتصب مخلفات المصنع بكل ما فيها من تلوث في البحر، وهذا فيه هضم لحقوق هؤلاء الناس، وإني أناشد هذه الشركة ومجموعة رجال الأعمال الذين قاموا بفتح هذا المصنع، أن يوقفوا هذا الضرر عن أهل الليث، وأن يزيلوا هذه الشبكات التي تضيق على الناس، وليس لهم حق في ذلك؟ ثم أن يقوموا بعمل برامج لتدريب أبناء الليث في شتى مرافق العمل، حتى ولو بتكلفة مرتفعة عن الأجنبي لأنهم أحق بها.
وحديثي هذا لأني أعرف أن هؤلاء الرجال عرفوا بكثير من جوانب الخير وعرفوا كذلك بنجاح الأعمال التي قاموا بها في أنحاء مختلفة من المملكة، فلا يحق لهم التسبب في هذه الأضرار في محافظة الليث وما حولها، وفي الوقت نفسه أتمنى من البنك الزراعي الالتفات لمثل هذه المنطقة وليمروا على كل القرى ليروا بأنفسهم حاجة أهل الليث إلى تنمية حقيقية تأخذ بيد الليث إلى مستوى أفضل وتنمي القوى البشرية عندهم، وتعينهم على كسب رزقهم، وتخفف الأضرار التي أحاطت بهم، ولم يجدوا من ينقل صوتهم إلى المسؤولين، لرفع هذا الظلم الذي حل بهم.
وإنه لأمر مؤسف أن تجد أن بعض القرى قد ضربت فيها مصائب المخدرات بألوانها المختلفة وهذه كارثة جديدة حلت بهم كنتيجة للفراغ وغياب فرص العمل، ولهذا فإني أطلقها كلمة حق وصرخة في أن محافظة الليث تحتاج منا إلى تحرك سريع لتصحيح أوضاعها وإعانة أهلها على حياة كريمة.
22:13 | 23-05-2010

فانوس للطائف المأنوس

إن مدينة الطائف ومنطقة الطائف أصبحت في أمس الحاجة إلى فانوس يضيء لها الطريق، وأعني بالفانوس خطوات إعلامية، ترتكز على خطة تعرف الناس أكثر وأكثر، وبصورة علمية تتركز على استغلال كل وسائل الإعلام الحديثة لجذب الناس إلى هذه المدينة، ويقابلها ثورة في الخدمات، وإعطاء الفرص لرجال الأعمال للاستثمار في الخدمات التي تجعل كل من يفد إليها يستمتع بمباهجها وثرواتها الطبيعية ومعالمها الأثرية، فهذه المدينة هي ثانية مدن المنطقة بعد مكة المكرمة، وذات تاريخ يعود إلى ما قبل ميلاد النبي عيسى بن مريم عليه السلام، أو حتى إلى ما قبل زمنه.
ليعرف الناس حقيقة هذه المدينة لا بد من إعلام قوي وجذاب يضع الحقائق الكاملة أمامهم عن مدينة هي أول مدينة قصدها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قرر الخروج من مكة للدعوة إلى الله.
وهي أول مصيف عرفه الناس من أهالي مكة المكرمة وما حولها، بل والمنطقة الغربية والمملكة، حيث كانت الطائف المكان الذي يأنس الناس بزيارته.
وهي أول مدينة أنشئت فيها مدرسة للدراسات الإسلامية وكانت رمزا من رموز التعليم، وهي دار التوحيد، وفي هذه المدينة عقدت أول قمة إسلامية، وهي مدينة عرفت بمدينة الورود، وشلالات المياه التي تأنس بها النفس.
إنني أناشد الإخوة في هذه المدينة العزيزة إشعال فانوس لإضاءة الطائف وأعني الدور الإعلامي المطلوب لإلقاء الضوء عليها.
والله الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
22:52 | 23-04-2010

كأني بالهدهد مر من هنا في طريقه إلى سبأ

شعرت وأنا أحيي سمراء الجنوب.. هذه المدينة العزيزة على أنفسنا جازان ذات التاريخ العريق، والأصالة الزاخرة بآثار تمتد عبر سنين طويلة وتضم بين جنباتها أهلا من أهلنا، وقوما من قومنا، عرفوا بالكرم والنبل والأصالة والجدية والقناعة وحب العمل والصبر على كل شيء، حتى عندما اشتدت عليهم الحياة، وقست عليهم الظروف عبر آلاف السنين، وشعرت وكأنها أرادت أن تنبهنا إلى غفلتنا عنها بعد أن أخذت ترمينا بفلذات أكبادها وتزف إلينا عرسانها، فوجب علينا أن نقول شكرا ياجازان. فأنت ذات ارتباط بنا هنا في الحجاز منذ شروق الإسلام، بل إنك طريق ورافد من طرق الحج إلى مكة المكرمة.

وقبل ذلك لعبت أدوارا في التاريخ الجاهلي، وتعمق مجموعة من العارفين في تاريخك العريق، حتى وجدوا أنه يمتد إلى سيدنا سليمان عليه السلام، وكأني بالهدهد قد مر من هنا، هذا الطائر الذكي الجميل، في طريقه إلى سبأ يوم جاء بالنبأ والخبر اليقين عن الملكة بلقيس وملكها وما فيها ومن فيها، وأعطى صورة رائعة لتلك المدينة وهو ينقل خبرها إلى سيدنا سليمان عليه السلام: {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ}.





الهدهد

هذا الهدهد يا جازان مرفوق جبالك ووهادك، جبال فيفا وبني مالك والجبل الأسود وجبال الحشر وجبال الصهاليل وجبال هروب وبني سلا وبني حريص، هذه الجبال الشامخة الغنية الخضراء الجميلة، فقد كنت ممن يستمتع بالتجول فيها مع زملاء الدراسة وأستاذنا الشيخ المعلم الدكتور إبراهيم فرج وطالبه الشاب في تلك الأيام الدكتور زغلول النجار، وفرحنا ونحن نرى تلك القبائل العريقة والرجال والنساء الذين تميزوا بذلك الكرم الطيب والروح العالية، وظللنا نستمتع ونحن ندرس الصخور لهذه الجبال والوهاد، ونهبط إلى الوغرة شرق سد جازان بعيونها الحارة في الخوبة وعيون وادي ضمد وما تحتويه من أملاح الصوديوم والبوتاسيوم والفلورايد والمغنيسيوم والحديد والكالسيوم والكبريتات والسيليكات والفوسفات والزنك.

وكنا نطالع يا جيزان ذلك الوادي الكبير.. وادي جيزان كأكبر الأودية في المنطقة بين أبو عريش والعارضة، حيث تكسوه أنواع الأشجار من الحمضيات والمانجو وألوان من الفواكه، وبه مياه عذبة وأراض خصبة، وفرحنا ونحن نرى وادي جيزان وقد أنشئ فيه سد ليساهم بمزيد من العطاء.

عسل وزهر

ما أروعك ياجيزان بتلك الجبال الشامخة التي تزخر بكل ألوان العطاء والخير من عسل وزهر وفل، ومن يتجول ناحية الغابات الجميلة في منطقة الجبل الأسود، ويرى تلك النباتات العطرية والمياه الجارية يحس بنقاء الطبيعة، ويتمتع بمشاهدة تلك الشلالات العذبة تهطل منها المياه الباردة الوفيرة وبكميات كبيرة، ويلمس الزائر أشجار الزيتون ويشم الورد.. وكم كنا نسعد ونحن نمر والأمطار تهطل والجبال متصلة ببعضها البعض ومكثنا بعض الوقت في جبال فيفا، ووجدنا فيها أشجارا مثمرة وزراعة البن والموز والزيتون والتمر الهندي وهي تمر بنهضة تبشر بخير.

ومررت بتلك القلعة الشامخة على ارتفاع زاد على 200 متر فوق سطح البحر، قلعة الدوسرية، وقد كانت في يوم من الأيام هي الحصن المنيع والثكنة العسكرية، تطل من علو على البحر في شموخ، إنها معلم من معالم التاريخ وأثر من آثار المدينة.

وحتى عندما وصلنا إلى شاطئ البحر كنا نطالع هذه القلعة كشاهد من شواهد التاريخ، وقد حاولنا يومها أن نبحث عمن يدلنا على تاريخ هذه القلعة، ولم نجد من يعيننا على ذلك، وفرحنا بجهود علمناها للشيخ القرعاوي وهو أحد علماء المنطقة في تلك الفترة الذي جعل منها في يوم من الأيام مركزا للتعليم حرص فيه على جمع مجموعة من طلاب العلم ودرسوا داخل هذه القلعة. وقد ألقى الباحث في الآثار الدكتور فيصل الطميحي أضواء على تاريخ هذه القلعة والباب الرائع الذي يدخل منه الإنسان وعرفها بحصن الدوسرية، وهي أثر من الآثار الرائعة التي تحكي تاريخا عريقا يستحق أن نلقي عليه الضوء بصورة أكبر، ويقدم كأثر من آثار تستحق الوقوف عندها، وقال عنها الطحيمي: «تعد القلعة بشكلها الراهن أفضل أثر شاخص في مدينة جازان والسهل التهامي والمنطقة، ولكنها تحتاج إلى عملية ترميم لتعيد للقلعة رونقها».

شعر وآثار

وظللت أتابع أخبار هذه المدينة في هذه المنطقة العزيزة على قلوبنا، ولاحظت تلك الآثار السبئية المنتشرة التي ذكرت في كتابات جازان وتناولها المؤرخون وذكرها بعض الشعراء في أشعارهم التي ضمنت في كتب جازان وفي المصادر التاريخية القديمة منذ العصر الجاهلي وكتاب الطواف حول البحر الإريتري (البحر الأحمر) لمؤلف يوناني مجهول والشعر في العصر الجاهلي وما ذكره زهير ابن أبي سلمى في معلقته:

أمن أم أوفى دمنة لم تكلمي

بحومــــانة الدراج فالمتثلم

ودار لها بالرقمتين كأنها

مراجيع وشم في نواشر معصم

والدراج أو سلامة الدراج: قرية من قرى منطقة جازان تقع بين مدينتي جازان وأبو عريش.

وقد توالى الاهتمام بهذه الآثار عبر العصر الإسلامي وكيف أنها سميت بالمخلاف السليماني.. وقد أصبحت هذه الآثار والنقوش ميسرة للبحث والاستقصاء وذكرها ويسر الوصول إليها الدكتور محمد علي العروسي من قسم السياحة والآثار في جامعة جازان في بحثه جازان في المصادر التاريخية القديمة، ولفت النظر إلى نقوش جديدة عثر عليها في الجبال والوديان في مناطق جازان تحكي وقائع تاريخية مهمة يرجع بعضها إلى النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي.

وقد ذكر أن هناك محاولات عدة حدثت لترجمة بعض هذه النقوش من قبل مستشرق إنجليزي اسمه البرت جام، وبعده مطهر الإرياني ولكنها لم تكتمل مع أنني أوافق كل أولئك على أن ترجمة هذه النقوش وتحليلها يضيف بعدا مهما ويعطي مفاتيح لمعرفة مزيد من ذلك التاريخ العريق.

ومن العجيب ما ذكر في تلك الأبحاث عن قبائل وجدت أسماؤها منقوشة منذ القرن الثالث مثل قبيلة غامد وقبيلة حكم وقبيلة أيداع، وكذلك الوديان التي ذكرناها في مرورنا بجازان.

وأعجبني ما ذكر عن نقش عثر عليه عن طريق المستشرق البرت جام في معبد ملكة سبأ ويعد معروف حاليا في منطقة مأرب باسم محرم بلقيس، وقد نشرها المستشرق البرت جام وهذا النقش كما ذكر يعود إلى مملكة سبأ ووادي ريدان.. وقلت في نفسي: الهدهد مر من هنا في طريقه إلى سبأ.

تاريخ عريق

وهذه الآثار والنقوش تحكي قصة تاريخ عريق.. وقد توقفت كثيرا وأنا اقرأ في بحث جازان على وادي لية، وقد كنا نمر به في مدينة الطائف العزيزة وما سرني هو أن بعض هذه النقوش ذكر وادي ضمد الذي ورد عن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره في حديث سئل فيه عن البداوة، فقال صلى الله عليه وسلم: «اتق الله ولا يضرك أن تكون بجانب ضمد»، وذكر بعض من المؤرخين العلاقة بين ضمد وجازان في زمن الهمداني. إنها منطقة ذات تاريخ عريق وتستحق منا إلقاء مزيد من الضوء عليها.

ويوم مررنا بالقرى اكتشفنا أن أهلها يكرهون أكل الأسماك رغم ما تزخر به الشواطئ من أنواعها المختلفة حتى أن بعض أسماكها يصل وزنه إلى طن بكامله، ورقصنا معهم رقصة جميلة اسمها رقصة السيف تتم على قرع الطبول. ومما استرعى انتباهي أن هناك أسماء سيدات عرفن باسم السيدة والطيبة والطاهرة في بعض الشواهد التي كتبت عليها هذه الأسماء مثل «فرات بنت علي محمد الجريبي» واسمها مسبوق بالحرة والطاهرة، والحرة هنا كما يروي صاحب البحث بأنها الإنسانة غير المملوكة والطاهرة هي الأم الكريمة المتنزهة عن الأدناس الخالية من العيوب، وهذا ما كنا نجده في الآثار يوم جمعناها عن منازل السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها زوج المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقد كان قدماء مكة وحتى عصر حديث يسمونها بالسيدة خديجة أم المؤمنين الجيدة الطاهرة.

أشجار شامخة

هذه جازان بآدابها وفنونها وجمالها وآثارها تستحق منا وقفات لمزيد من العناية بها، وتشعر بارتياح وأنت تمر بين جنباتها وترى تلك الأشجار الشامخة والشواطئ والنسمات الجميلة، ثم العطور تفوح من بين الأشجار والعروس وهي تزف يغمرها الطيب، والحناء المنقوشة في يدها وتحمل فوق رأسها سلة جميلة (سحلة الفل).

هذه هي جازان التي كنا نتحفز منذ سنوات للدعوة للمزيد من العناية بها وبتاريخها الخالد، ولكن ملك البلاد وخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله حمل الراية، وزارها بنفسه، واعتنى بصورة خاصة بخطة تطويرها، ولو سارت الأمور كما يجب لأصبحت جازان مدينة تزخر بالآثار والتاريخ وبالخير والعطاء والمفتاح هو مزيد من العناية بتعليم أبنائها وتطوير خدماتها وإمكاناتها وتيسير الوصول إليها برا وبحرا، وستكون رافدا مهما من روافد السياحة والاستثمار في هذه المملكة العزيزة على أنفسنا جميعا.

ولقد جاء تعيين الابن الأمير محمد بن ناصر بن عبد العزيز خطوة تبشر بخير، خاصة أنه قد شمر للعناية بهذه المنطقة وتنفيذ خططها التي أمر بها خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين.

وختاما فشكرا يا جازان وأنت تلقين إلينا بفلذات أكبادك وتزفين إلينا العرسان، وآخر عريس فرحنا به الابن عبده محمد خال، وقد فرحت وأنا أساهم في تكريمه وقلت أدفعوا بالجائزة والتكريم للأرض الخصبة التي نبت فيها هؤلاء، وامنحوا الجائزة لجازان العزيزة.

تحية من الأعماق.. لك أيتها السمراء العزيزة في الجنوب، فأنت مهد حضارة، وتاريخ يخلد، ورحم ضم رجالا ونساء نعتز بهم، وذكرى لمرور الهدهد في سمائك وهو يطير نحو سبأ وأحسب أنه شاهد ذلك الجمال، وتلك الوديان المتقاربة والناس تشم فيها عطور الأشجار وروائح الزعفران ورجال ونساء اقبلوا على حب جازان.

عشت.. يا جازان.
21:52 | 21-04-2010