أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/342.jpg&w=220&q=100&f=webp

ناصر البقمي

راسخٌ كطويق

يأتي اليوم الوطني لبلادي العظيمة،
المملكة العربية السعودية، ولا تحضر معه الذكرى وحدها،
بل تنسدل معه حكاية المجد كلها.


قصة وطنٍ
كلما ظنّ البعض أنه بلغ ذروته،
قفز إلى المستقبل،
وفتح لذاته ولمن يعيش على ترابه
آفاقاً أرحب.


وطن عظيم،
كلما راهن خصومه على ظرفٍ عابر،
أثبت أن جداره الصلب
هو تلاحم أبنائه وبناته،
ولذلك لا تهزّه العواصف.


في هذا اليوم،
أنظر إلى بلادي
لا باعتبارها المكان الذي وُلدنا فيه وإليه ننتسب،
بل باعتبارها المعنى الذي كبر فينا،
والمستقبل الذي نطمح إليه
لنبلغ عنان السماء.


هذا وطن عظيم،
لا يزال يثبت للعالم،
لخصومه قبل أصدقائه،
ولمن شكّك فيه قبل من راهن عليه،
أن قوته لم تكن يوماً
في المال وحده،
ولا في الجغرافيا،
ولا في وفرة الموارد،
بل في ذلك الرابط العميق
بين قيادة حكيمة،
وشعب واثق بالله ثم بقيادته،
يعشق كل ذرة من ثرى هذه الأرض.


هذا الوطن،
يجمع بين الحزم والحكمة،
دون أن يلغي أحدهما الآخر.


ويثبت للعالم، عبر تاريخ يمتد
لأكثر من 300 عام،
أننا أمام كيان مختلف واستثنائي؛
قوي وصلب في مواقفه،
حكيم وهادئ في قراراته،
بعيد النظر في حساباته.


لأن القوة الحقيقية
ليست أن تملك القدرة فقط،
بل أن تعرف لماذا تستخدمها،
ومتى،
وكيف.


والأجمل في رحلة التحول العظيمة لهذا الوطن،
الذي يشبهنا ونشبهه، أن المواطن، إلى جانب القيادة،
في قلب التنمية والمستقبل؛
يتعلم، ويعمل،
وينافس، ويبتكر،
ويحمل اسم بلاده
إلى العالم بثقةٍ لا حدود لها.


في كل عام
تعود المناسبة،
إلى وطن لا يبقى كما كان،
بل يكبر ويتقدم،
ويسابق حلمه وطموحه.


ويبقى ثابتاً كرسوخ طويق،
لا يتغير:


ذلك الإيمان العميق لدى السعوديين
بأننا مهما تنوعنا أو اختلفنا،
نجتمع يداً واحدة
حين يكون الوطن هو العنوان.


وفي عالمٍ تتبدل فيه التحالفات،
وتضطرب فيه الدول،
وتتغير فيه الموازين،
لا تزال بلادنا تمضي بثبات؛
واثقةً بربها،
واثقةً بقيادتها


وكنف إمامها خادم الحرمين الشريفين،
واثقةً بأبنائها وبناتها،
وواثقةً أيضاً بالمستقبل؛
لأنه لم يعد شيئاً ننتظره،
بل شيء نصنعه.


كل عام
وهذا الوطن
أكثر قوة،
وأكثر حكمة،
وأكثر طموحاً.. وأكثر يقيناً..


وفي قلب هذا اليقين
يقف سمو سيدي الأمير محمد بن سلمان شامخاً كطويق الذي يجسده، وأملاً نراه يمشي بيننا،
وحلماً يتجدد كلما نظرنا إلى الغد.


سيبقى المجد فيك يا سيدي جذوراً تمتد،
ومستقبلاً يعلو.


وكل عام
ونحن نستلهم ذلك اليقين الذي يكبر ويثبت للعالم أن السعودية
ليست وطناً نسكنه...
بل وطنٌ يسكننا.

21:18 | 23-09-2026

مرّ عام يا أمي..

عام كامل منذ رحيلك، وما زلت أتعلم أن الغياب لا يعني أن من نحبهم يغادرون تماماً. يتغيّر شكل حضورهم فقط؛ من صوت نسمعه إلى معنى يسكننا، ومن يد نلمسها إلى أثر نراه في تفاصيل حياتنا وفي وجوه من أحبوا.

في جدة، التقيت «نورة» الصغيرة، ابنة أخي سلطان والتي وُلدت بعد وفاتها -يرحمها الله- وتأملتها طويلاً. كان في ملامحها شيء منكِ أبعد من تطابق الاسم؛ تلك النظرة الوادعة، والهدوء الذي يعيد إلى ذاكرتي وجهكِ الطاهر، وتفاصيل صغيرة لا يمكن تفسيرها بالكلمات، أيقنت حينها أن الحياة أحياناً تمنحنا إشاراتها الخاصة كي تخبرنا أن أعظم ما نملك ومن نحب سيظل معنا بشكل دائم.

وأنا أراها، شعرت بأن الموت، على قسوته، ليس له الكلمة الأخيرة. ففي اللحظة التي يغيب فيها أغلى من أحببنا، تبدأ حياة مستلهمة من تلك الروح العظيمة وتتجسّد في حفيدة تحمل ملامح جدتها، وتلك القيم التي غرستها فينا على مر الأيام أراها بعد سنوات وقد أصبحت سلوكاً ونجاحاً ومحبةً تجمع العائلة بأسرها.

بعد عام من الغياب الذي هو أشبه بالحضور الدائم لم يعد السؤال: كم أفتقدكِ بل عن حجم ما تركتِه لنا من إرث كبير نستمد منه إشراقاً لحياتنا.

أدركت أن الوفاء الحقيقي تجاه من نحب ليس أن نبقى أسرى للحزن، بل أن نعيش بالطريقة التي كانت ستسعدك؛ أن يكون أبناؤك وبناتك متماسكين، ناجحين، متفوقين، محبين لبعضهم ولوطنهم، وأن يكبر أحفادك وهم يحملون شيئاً من قيمك قبل ملامحك.

ربما هذه هي إحدى أسرار الحياة: أن الإنسان لا يغيب حين يرحل، بل يبقى ما غرسه من بذور على مدى الأيام عبر كلمات منحت الأمل، وأخلاق أورثت محبة تسع الجميع، والدعاء الذي لا ينقطع بأن تكون جنان الخلد مستقرك.

يا أمي، مر عام، والحزن لم يغب، لكنه تحوّل إلى امتنان.. وحين رأيت نورة، شعرت للحظة أنك قريبة جداً.

رحلتِ لكن شيئاً منك ما زال يولد بيننا كل يوم.

19:04 | 17-09-2026

من الرياض إلى باريس.. السعودية تقود مستقبل الرياضات الإلكترونية

لم يكن حضور سمو سيدي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، ختام النسخة الثالثة من كأس العالم للرياضات الإلكترونية في باريس مجرد تشريف لحدث رياضي عالمي أو احتفاء بإنجاز تنافسي؛ بل تتويجًا لمسار طموح بدأ بتنظيم القطاع، ثم بناء المؤسسات وتطوير المواهب والاستحواذ على الشركات وإقامة البطولات الكبرى، وصولًا إلى تصدير منتج سعودي إلى إحدى أهم العواصم الأوروبية. إنها قصة انتقال من استهلاك الألعاب إلى الاستثمار في صناعتها، ومن استضافة المنافسات إلى التأثير في مستقبل القطاع عالميًا.


بدأت الملامح المؤسسية للمشروع بتأسيس الاتحاد السعودي للرياضات الإلكترونية عام 2017، لتنظيم القطاع واكتشاف المواهب وبناء البيئة الاحترافية. وفي عام 2021 دخل المشروع مرحلة أعمق مع تأسيس صندوق الاستثمارات العامة مجموعة «سافي للألعاب الإلكترونية»، لتعمل من خلال الاستحواذات والاستثمارات والشراكات على امتلاك مواقع مؤثرة في سلسلة القيمة العالمية، من تطوير الألعاب ونشرها إلى تنظيم البطولات وبناء المنصات الرقمية.


وجاء إطلاق الإستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية عام 2022 ليمنح المشروع إطاره الشامل. فالإستراتيجية لا تنظر إلى الألعاب باعتبارها نشاطًا ترفيهيًا منفصلًا، وإنما صناعة تتقاطع فيها التقنية والثقافة والإبداع والإعلام والسياحة والتعليم؛ وتستهدف بحلول عام 2030 تحويل المملكة إلى مركز عالمي للألعاب والرياضات الإلكترونية تقوده الكوادر الوطنية.


وتكشف هذه المستهدفات أن الرهان السعودي أكبر من تنظيم بطولات ذات قيمة عالية على مستوى الجوائز؛ إذ يمتد إلى تأسيس اقتصاد جديد يوفر وظائف في البرمجة والتصميم والرسوم المتحركة وكتابة القصص والبث والإنتاج والتسويق والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، ويفتح المجال أمام الشركات الناشئة واستقطاب الاستوديوهات العالمية وتطوير حقوق ملكية فكرية سعودية قابلة للتصدير.


وفي أكتوبر 2023 أعلن ولي العهد إطلاق كأس العالم للرياضات الإلكترونية وإنشاء المؤسسة المنظمة لها، واصفًا البطولة بأنها «الخطوة الطبيعية التالية» في رحلة المملكة لتصبح المركز العالمي الأول للقطاع. وانطلقت نسختها الأولى في الرياض عام 2024، وترسخت عالميًا في 2025، قبل انتقالها عام 2026 إلى باريس في أول نسخة دولية خارج المملكة. وبذلك تحولت المبادرة خلال ثلاثة أعوام إلى علامة عالمية تجذب الفرق واللاعبين والناشرين والرعاة ووسائل الإعلام.


ويستند هذا التوجه إلى قراءة مُبّكرة لتحولات الاقتصاد الرقمي، حيث تمتلك المملكة قاعدة قوية لدخول هذه السوق، بوجود نحو 23.5 مليون لاعب يمثلون قرابة ثلثي السكان، بما يوفر سوقًا واسعة ومصدرًا للمواهب والمطورين وصناع المحتوى ورواد الأعمال.


وقدمت نسخة باريس صورة عملية عن حجم المشروع في امتدادٍ لنجاح النسختين السابقتين في الرياض؛ إذ شارك فيها أكثر من ألفي لاعب ولاعبة، يمثلون أكثر من مئتي نادٍ ومن أكثر من مئة دولة، وتنافسوا في 25 بطولة تشمل 24 لعبة، بإجمالي جوائز بلغ 75 مليون دولار. وتوّج فريق AG.AL الصيني بلقب بطولة الأندية، فيما حل «فالكونز» السعودي ثانيًا بعد فوزه باللقب في نسختي 2024 و2025، مؤكدًا أن الاستثمار السعودي يجمع بين صناعة المنصة العالمية وبناء فرق وطنية تنافس على القمة.


لكن القيمة الاقتصادية لا تقف عند الجوائز ونتائج الفرق؛ فالبطولة واجهة لمنظومة أشمل تحفز السياحة والطيران والضيافة والإعلام والإعلان والتقنية، وتستقطب الشركات والخبرات. أما الاستثمار الأبعد أثرًا فهو تحويل الشباب من مستهلكين للألعاب إلى مطورين ومنتجين ومبتكرين. وكما أكد ولي العهد، فإن «طاقة وإبداع الشباب السعودي وهواة الألعاب الإلكترونية» هما محرك الإستراتيجية.


والمأمول أن تنتقل المملكة من الاستثمار في الأصول العالمية إلى إنتاج ألعاب سعودية منافسة، تحمل قصصًا وشخصيات مستمدة من الثقافة المحلية وتحقق عوائد ممتدة من المبيعات والتراخيص والمحتوى. ومن هنا يصبح الانتقال من الرياض إلى باريس أكبر من انتقال بطولة بين مدينتين؛ إنه انتقال لفكرة سعودية إلى العالمية، وتجسيد لفلسفة تحول الشغف إلى معرفة، والمعرفة إلى صناعة، والصناعة إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

10:36 | 24-08-2026

راشد الراجح.. ابن تربة البار والقامة الوطنية

رحم الله الدكتور راشد بن راجح الشريف، الذي غادر دنيانا بعد مسيرة طويلة من العلم والعمل والعطاء، تاركاً وراءه سيرة وطنية مضيئة، وأثراً لا يختصره منصب تولاه، ولا مرحلة إدارية قادها، ولا مؤسسة شارك في بنائها؛ فقد كان واحداً من أولئك الرجال الذين حولوا حياتهم إلى مهمة وطنية، وكرسوا نجاحهم لإلهام من بعدهم.


بالنسبة لي، كما لكثير من أبناء محافظة تربة، لم يكن الدكتور راشد الراجح مجرد اسم بارز في تاريخ التعليم العالي، أو أول مدير لجامعة أم القرى، بل كان نموذجاً حياً على الطموح الذي لا يحده شيء، والتوازن بين التمسك بالجذور والتقاليد والانفتاح على العالم، وأنه بإمكان أي فرد شاباً كان أم فتاة في أرجاء هذا الوطن الغالي أن يتلقى العلم في أعرق الجامعات الغربية، ثم يعود أكثر ارتباطاً بوطنه وأهله وتمسكاً بمبادئه وقيمه.


ولد الراحل في قرية العلاوة بمحافظة تربة، وفقد والده وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره، فنشأ في كنف والدته وأخيه الأكبر عابد، وبدأ تعليمه في مدرسة العلاوة على يد الشيخ عبدالمحسن بن زيد. ومن تلك البيئة البسيطة، التي لم تكن تملك في ذلك الوقت الإمكانات التي تحظى بها باقي الأماكن، بدأت رحلة علمية استثنائية قادته إلى الطائف ودار التوحيد، ثم إلى كلية الشريعة في مكة المكرمة، ومنها إلى جامعة كامبردج البريطانية، حيث حصل على الدكتوراه في فلسفة اللغة العربية ونحوها وقواعدها.


ذهب إلى كامبردج حاملاً هويته وقيمه وتقاليده، وعاد منها عالماً متمكناً، ووطنياً أكثر إيماناً بأن قيمة العلم تظهر حين يوضع في خدمة المجتمع والدولة. لم تقتلع التجربة الغربية جذوره، ولم تعزله المعرفة الحديثة عن بيئته، بل زادته وعياً بمسؤوليته تجاه وطنه ومحافظته وأبناء مجتمعه.


كان إسهامه الأكبر والأبقى مرتبطاً بجامعة أم القرى. فحين كان عميداً لكلية الشريعة، أدرك حاجة مكة المكرمة والمنطقة إلى التوسع في التعليم الجامعي، وأسهم في طرح فكرة تحويل كليتي الشريعة والتربية إلى جامعة متكاملة. وبعد صدور القرار بتأسيس جامعة أم القرى، اختير أول مدير لها، فقادها في مرحلة التأسيس والبناء، وهي أصعب مراحل المؤسسات وأكثرها احتياجاً إلى الرؤية والصبر والحكمة.


لقد وضع الفقيد كل جهده في بناء هوية جامعة أم القرى بثوبها الجديد، وعمد إلى توسيع كلياتها وبرامجها ودراساتها العليا. وعلى مدى اثني عشر عاماً، ارتبط اسمه بنمو الجامعة وترسيخ مكانتها، حتى أصبحت واحدة من أهم مؤسسات التعليم العالي في المملكة بل في العالم الإسلامي. وسيظل تاريخ أم القرى شاهداً على أن الدكتور راشد الراجح لم يكن مديراً عابراً في مسيرتها، بل كان أحد بُناتها التاريخيين، كما امتد عطاؤه بعد ذلك إلى مجلس الشورى، وهيئة حقوق الإنسان، ومركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، والنادي الأدبي الثقافي بمكة المكرمة، وعدد من المجالس العلمية والثقافية. وفي كل تلك المواقع ظل منحازاً إلى العلم والمعرفة والحوار والوسطية، مؤمناً بأن بناء الإنسان هو الأساس الذي تقوم عليه نهضة الأوطان.


وعلى مستوى اهتمامه بمحافظة تربة فكل من ينتمي إليها يدرك أن الراحل رغم مسؤولياته ومكانته، لم ينسَ تربة التي أحبها وأحبته، حيث ظل اسمه حاضراً في وجدان أهلها، يشجع أبناءها على طلب العلم، ويمنحهم الثقة بأن الطريق إلى أعلى المراتب يبدأ من مقاعد الدراسة، وكانت هناك علاقة وفاء متبادلة بين رجل بار بمدينته الصغيرة، ومجتمع ظل يعتز بأحد أنجب أبنائه.


لقد ألهمني الدكتور راشد الراجح، كما ألهم كثيراً من أبناء تربة بسيرته التي جسدها في دروب العلم والمعرفة والعمل من أجل الوطن. برحيله فقدت أنا وكل من ألهمهم بعطائه وثقافته الموسوعية قامة علمية ووطنية كبيرة، لكن أمثال راشد الراجح لا يغيبون بالموت الذي كُتب على بني آدم، بل يحفرون تاريخهم الحافل في ذاكرة الجامعات والطلاب والمؤسسات والمكان الذي انتموا إليه. سيبقى اسمه في تربة عنواناً للطموح، وفي جامعة أم القرى شاهداً على التأسيس، وفي الوطن سيرة رجل جمع بين أصالة الجذور ورحابة المعرفة.


رحم الله الدكتور راشد بن راجح العبدلي الشريف، وغفر له، وجزاه عن العلم والوطن وأهله خير الجزاء، وألهم أسرته ومحبيه وتلاميذه وأبناء محافظة تربة الصبر والسلوان.

18:55 | 6-08-2026

من التوجيه إلى الإلهام.. الذكرى التاسعة لبيعة ولي العهد

في ذكرى تولي سيدي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، لا نقف أمام مناسبة رمزية؛ بل أمام محطة تاريخية تختصر مشروع نهضة متكاملا. إنها ذكرى قائدٍ لم يرضَ بإدارة الواقع وانتظار المُستقبل، بل قرر إعادة تعريف كل ذلك من خلال رؤية اختصرت المسافات وتجاوزت المُستهدفات. قائدٌ رأى في وطنه طاقةً كامنة، وفي شعبه قدرةً غير محدودة، وفي الزمن فرصة لا يجب أن تُهدر.

منذ 2017، تغيّر وعي السعودي بذاته. لم يعد ينظر إلى نفسه كمواطن في دولة مستقرة فحسب؛ بل شريكاً في صناعة مستقبل عالمي. هذا التحول في التفكير كان الأساس الحقيقي لكل ما تلاه. نشأ وعي جديد قائم على الثقة، والمبادرة، والإيمان بالقدرة الوطنية. لم يعد الانتظار ثقافة، بل أصبحت المبادرة قيمة أساسية لدى السعوديين. لم يعد السؤال: ماذا سيحدث لنا؟ بل: ماذا علينا أن نصنع؟

جاءت رؤية 2030 لتكون التعبير المؤسسي عن هذا الوعي الجديد. مجتمع حيوي، اقتصاد مزدهر، وطن طموح. ليست عناوين نظرية، بل مسار عمل دقيق. 93% من مؤشرات الأداء تحققت أو اقتربت من التحقيق بعد 7 سنوات فقط. 85% من المبادرات مكتملة أو تسير وفق المسار المخطط. هذه الأرقام تعني أن التحول ليس خطابًا، بل إنجاز متراكم.

انتقلت القيادة من نمط التوجيه إلى منطق الإلهام. لم تعد الدولة موجهًا بل محفزة على الابتكار.

الجرأة مع الأمير محمد بن سلمان تحولت بفعل الإيمان والثقة إلى طمأنينة ساهمت في صنع واقع جديد. ومعها ولدت بيئة ريادية تسابق خلالها المواطنون على الإبداع، وعملت فيها المؤسسات بروح تنافسية، وأصبح الإبداع جزءًا من هوية الدولة.

اقتصاديًا، أعادت المملكة تموضعها من نموذج الاتباع إلى نموذج الابتكار. ارتفعت مساهمة الاقتصاد غير النفطي إلى نحو 55% من الناتج المحلي الإجمالي. وواصلت أصول صندوق الاستثمارات العامة نموها لتقترب من 3.5 تريليون ريال. افتتحت أكثر من 700 شركة دولية مراكزها الإقليمية داخل المملكة. أصبحت السعودية من أسرع اقتصادات مجموعة العشرين نموًا. هذا ليس تنويعًا شكليًا، بل إعادة بناء للهيكل الاقتصادي على أسس مستدامة.

اقتصاد المستقبل بات عنوان المرحلة بفضل الله ثم بإلهام ولي العهد. توسعت الصناعات الوطنية. نمت القطاعات الرقمية والتقنية. ارتفعت كفاءة الإنفاق الحكومي. أُعيدت هيكلة القطاعات، وطُوّرت التشريعات، وتقدمت المملكة إلى المركز الثاني عالميًا في الحكومة الرقمية وفقًا للمؤشر الصادر عن مجموعة البنك الدولي لعام 2025م. توسعت البنى التحتية في النقل والطاقة والمدن الذكية والمراكز الثقافية. إنها دولة تنتقل إلى نموذج إداري مرن، شفاف، منضبط.

وفي قلب كل ذلك، كان الإنسان السعودي هو جوهر التحول. انخفض معدل البطالة إلى أقل من 7% قبل الموعد المحدد. تجاوزت مشاركة المرأة في سوق العمل 36%، متخطية مستهدفات الرؤية. توسعت فرص الشباب في التقنية والثقافة والترفيه والسياحة. تحسنت جودة الحياة. ارتفعت تغطية الرعاية الصحية إلى 97.4% من المراكز السكانية. بلغ متوسط العمر المتوقع نحو 79.7 سنة. لم يعد التمكين قرارًا إداريًا، بل تحولاً اجتماعياً عميقاً.

ثقافيًا وسياحيًا، تجاوزت المملكة هدف استقبال 100 مليون سائح قبل موعد 2030. استقبلت أكثر من 11 مليون معتمرحتى الربع الثالث من 2025. ارتفع عدد المواقع السعودية المدرجة ضمن التراث العالمي لليونسكو. أصبحت المواسم والفعاليات منصة لاستعادة الهوية بروح حديثة. لم تعد الثقافة هامشًا، بل جزءًا من صناعة الصورة الوطنية.

رياضيًا، تحولت الرياضة إلى صناعة واستثمار وحضور عالمي. استضافة كأس العالم 2034 ليست حدثًا رياضيًا فقط، بل رسالة طموح. أصبحت الملاعب واجهة وطن، والبطولات منصة حضور دولي.

سياسيًا، عزز ولي العهد مكانة المملكة قوة متزنة مؤثرة. انتهج سياسة خارجية متوازنة، قائمة على المصالح المشتركة وتنويع الشراكات شرقًا وغربًا. أصبحت الرياض محطة قرار في ملفات الطاقة والاستثمار وصناعة التوافقات. لم تعد المملكة تُعرّف برد الفعل، بل بالمبادرة.

والأكثر عمقاً أن هذه المرحلة أعادت تعريف مفهوم النهوض في الوعي العربي والإسلامي. لم يعد التقدم استيراد نموذج من الخارج، بل مشروعاً أصيلاً ينبع من الداخل، متصالحًا مع الهوية، منفتحًا على العالم بثقة وبإيمان يستلهم الثوابت. نهضة بروح عربية وإسلامية، تؤكد أن الحداثة لا تعني القطيعة، بل التطوير المستمر الذي يستمد ثباته من الجذور..

حين يكتب التاريخ هذه المرحلة، سيبحث عن التحولات الكبرى التي غيّرت المسار. وسيجد أن تولي سيدي ولاية العهد لم يكن محطة عابرة، بل بداية زمن سعودي مختلف. زمن يُبنى فيه المستقبل كل يوم، بثقة قائد، وإرادة شعب، وطموح وطن ليس له حد.

القيادة الملهمة لا تظهر في البناء فحسب؛ بل في لحظات الاختبار الصعبة والأزمات الكبرى حين تختبر الدول بما تفعله لا بما تقوله، وقد تجلّى ذلك حين بادر سيدي ولي العهد بتسخير إمكانات المملكة لخدمة الأشقاء في الخليج مع استمرار الأوضاع في المنطقة. لم يكن ذلك مجرد موقف تضامني، بل تعبيراً عن قيادة ترى في القوة مسؤولية وفي الجوار رابطة قيمية. وهكذا امتد الاطمئنان الذي يصنعه القائد في وطنه ليصل إلى محيطه، مؤكداً أن الإلهام في شخصية ولي العهد لا يبني الداخل فحسب؛ بل يبعث الاستقرار في المنطقة كلها، والعالم.

14:57 | 15-03-2026

تأملات في الفقد.. أول رمضان في غيابها

الفقد ليس لحظة عابرة في حياة الإنسان، بل تحوّل في نظرته إلى كل شيء من حوله. بعد الرحيل يكتشف المرء أن الحياة لا تسير كما كانت، وأن ما كان يبدو معتاداً لم يكن إلا نعمة كبرى لا يُدرك أثرها إلا حين تغيب.


في الفقد لا يحدث التغيير دفعة واحدة، بل يتسلل تدريجياً، حين تتحوّل الأشياء التي كانت جزءاً من يومنا إلى ذكريات لا يمكن نسيانها، لأنها كانت الوقود الذي نستمد منه الإلهام والقوة دون أن نشعر.
ومع الوقت يفهم الإنسان أن الفقد لا يُختزل في الحزن وحده، بل في التحوّل الذي يصيبنا حين يغيب أعز من نملك. الكلمات التي قيلت يوماً بعفوية تعود بثقلها، والمواقف التي مرّت دون انتباه تتحوّل إلى معانٍ راسخة، والروح التي كانت تمدنا بمعنى الحياة تستحيل إلى حضورٍ داخلي لا يغادرنا. عندها يتبين أن الذين نحبهم لا يختفون من حياتنا، بل يترسخ موقعهم فيها.


رحيل الأم لا يشبه أي رحيل آخر.
فالأم هي الملاذ الذي يبدأ منه الشعور بالطمأنينة، وهي الإيقاع الذي يمنح بتناغمه اتساق الحياة. لم نكن نشعر بحاجة إلى تفسير لوجودها؛ كان يكفي أن نعرف بقربها، بأنفاسها من حولنا، لنتيقن أن العالم ما زال في مكانه.


بعد رحيلها أدركتُ أن كثيراً من خطواتي نحو أي نجاح لم تكن سوى دروبٍ ممهّدة بصادق دعائها، وبثقتها الهادئة التي تحيط بي، وبإيمانها بأن الخير يأتي ولو تأخر. كانت ترى ما لا أراه، تدعو لي قبل أن أطلب، وتفرح بما أنجزه أكثر مني. ومع غيابها اتضح لي أن هذا السند الهائل كان أحد أهم ما يمنح حياتي توازنها.


وفي رمضان يتجدد الفقد بشكل مختلف.



فهذا الشهر الذي اعتدتُ فيه أن تكون أول من أهنئه بقدومه لم تكن التهنئة فيه مجرد عبارة، بل شعور بأن أبواب البركة تبدأ من عندها، وأن الفرح بالشهر لا يكتمل إلا إذا وصل صداه إليها أولاً. كان الإعلان عن الهلال خبراً سعيداً أريد أن أزفّه لها قبل أي أحد، وكأن مشاركته معها جزء من استقبال الشهر نفسه.


اليوم يدخل رمضان لأول مرة دون أن أقول:
«الشهر عليك مبارك.. يا أم محمد».


في هذه اللحظة لا يغيب شخصها فقط، بل يغيب حضور مكتمل البهاء كان يرافق بداية الشهر. يغيب صوت الدعاء، ويغيب ذلك الاطمئنان الذي كان يبدأ من حديث عابر معها، ويغيب شعور بأن الفرح بالشهر يجد طريقه إلى القلب بسهولة. أدرك الآن أن بعض معاني الحياة لا يصنعها الزمن، بل يصنعها الذين نعيش تفاصيله بقربهم.


لم يعد الفقد فكرة عامة أفهمها، بل تجربة أعيشها معكِ كل يوم.
أدرك اليوم أكثر أن ما غرستِه فينا لم يكن عابراً، وأن دعاءكِ لم يكن لحظات صامتة، بل كان طريقاً أسير عليه دون أن أشعر. ما زلتِ حاضرة في صبري، في يقيني، وفي محاولتي أن أكون كما كنتِ تحبين أن أكون.


أفهم الآن أن الذكرى ليست مجرد حنين، بل مسؤولية.
مسؤولية أن أعيش بما يليق بتعبكِ وصبركِ وعطائكِ، وأن يبقى أثركِ في حياتي ظاهراً حياً يتجاوز كل الكلمات. الفقد لم يترك في قلبي فراغاً فقط، بل ترك فيه وصية واضحة بأن أبقى وفياً لما زرعتِه فيَّ من خصال وآمال. فاللهم لا تحرمنا أجرها ولا تفتنا بعدها واغفر لها واجمعنا معها في جنات النعيم يا رب العالمين.

18:44 | 18-02-2026

الرياضات الإلكترونية.. قصة وطنية عينها على العالمية

حين حضر ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان نهائي كأس العالم للرياضات الإلكترونية في الرياض؛ لم تكن تلك اللحظة مجرد إطلالة بروتوكولية في حدث رياضي؛ بل كانت بمثابة إعلان حضاري ورمزي يوضح كيف تحولت الرياضات الإلكترونية في المملكة من نشاط ترفيهي إلى صناعة كبرى، وركيزة استثمارية ذات أبعاد إستراتيجية.

في بلد يشكل الشباب نحو ثلثي سكانه؛ لم يعد من المستغرب أن تكون هذه الصناعة الرقمية الجديدة إحدى بوابات السعودية نحو المستقبل، وأن تصبح جزءًا من سردية رؤية 2030 التي تعيد صياغة دور المملكة في العالم.

تُعد الرياضات الإلكترونية اليوم من أسرع الصناعات نموًا على مستوى العالم، حيث يُشارك فيها مئات الملايين من اللاعبين والمتابعين، بينما تحقق بطولاتها نسب مشاهدة تفوق أحيانًا بطولات رياضية تقليدية عريقة. لقد تحولت بالفعل من مجرد تسلية إلى اقتصاد متكامل له منظومته الإعلامية، وجمهوره المتفاني، ورعاته الكبار.

السعودية التقطت هذا التحول مُبكرًا؛ فأطلقت في عام 2022 الإستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية، وهي خارطة طريق شاملة تهدف إلى جعل المملكة مركزًا عالميًا للقطاع بحلول 2030. هذه الإستراتيجية تركز على عناصر متعددة: دعم المحتوى المحلي، تمكين الشركات الناشئة، توفير بيئة تشريعية وتشغيلية جاذبة، واستقطاب الاستثمارات العالمية، إلى جانب تنظيم بطولات كبرى تعزز حضور المملكة عالميًا. والأهم أن هذه الإستراتيجية ليست مجرد شعارات؛ بل أهداف عملية تشمل تأسيس شركات محلية، وتطوير ألعاب سعودية قابلة للتصدير، وخلق فرص وظيفية مباشرة وغير مباشرة، مع مساهمة اقتصادية متنامية في الناتج المحلي.

أما على مستوى السوق المحلي، فقد شهد قطاع الألعاب الإلكترونية تطورًا نوعيًا في السنوات الأخيرة جعل المملكة واحدة من أكبر الأسواق في المنطقة. فهي تتصدر من حيث حجم الإنفاق على الألعاب الإلكترونية، وعدد المستخدمين النشطين، وسرعة نمو المحتوى المحلي. ويمتد هذا القطاع ليشمل عناصر متكاملة: من تطوير الألعاب الإلكترونية، والبنية التحتية التقنية، إلى منظومة البطولات والفعاليات، والمجتمعات التفاعلية التي تعكس إبداع الشباب السعودي وحيويته. وبذلك، لم تعد الرياضات الإلكترونية مجرد ترفيه فردي، بل تحولت إلى نظام اقتصادي ومهني متكامل مدعوم برؤية إستراتيجية طويلة الأمد، تهدف إلى تمكين المواهب، واستقطاب الاستثمارات، وتعزيز الاقتصاد الرقمي.

الاستثمارات الحكومية والخاصة تكشف بوضوح هذا التوجه. فقد أعلنت مجموعة Savvy Gaming Group عن ضخ استثمارات كبيرة في القطاع، تشمل الاستحواذ على شركات عالمية كبرى، ودعم الشركات الناشئة، وتطوير بنية تحتية قوية. وفي المقابل، تبنّت شركات وطنية مثل stc دورًا محوريًا، إذ أصبحت الشريك المؤسس والرائد لكأس العالم للرياضات الإلكترونية، كما استثمرت في شبكات الجيل الخامس والألياف الضوئية لضمان تجربة لعب عالية الكفاءة، ودخلت في شراكات محلية ودولية، ما عزز مكانة المملكة كمركز عالمي في هذا المجال.

كأس العالم للرياضات الإلكترونية، الذي تستضيفه الرياض سنويًا، يمثل التجسيد العملي لهذه الرؤية. ففي نسخته الأولى اجتمع لاعبون محترفون من عشرات الدول، وتابع البطولة جمهور ضخم عبر الإنترنت، فيما استقطبت العاصمة ملايين الزوار، حيث قدمت النسخة الثانية من هذه البطولة أكثر من 7000 ساعة بث مُباشر بزيادة قدرها 55% عن نسخة 2024م، وهو الرقم الأكبر في تاريخ الرياضات الإلكترونية والثاني على مستوى الأحداث الرياضية العالمية كافة، ويصل إلى 140 دولة حول العالم بمحتوى مُترجم وموزّع بـ35 لغة مُختلفة.

ومع تزايد نسب الحضور الدولي في نسخة البطولة للعام 2025م، وتنامي قيمة الجوائز، تحولت البطولة من حدث رياضي إلى منصة حضارية تعكس قدرة السعودية على أن تكون في قلب صناعة رقمية جديدة، تربط الشرق بالغرب تحت سقف واحد.

الأثر الاقتصادي والاجتماعي للقطاع يتجاوز الأرقام المباشرة. فالمملكة تسعى إلى إضافة قيمة كبرى إلى ناتجها المحلي، وتوفير فرص وظيفية جديدة تشمل مجالات لم تكن مألوفة من قبل مثل التدريب، التحليل الرقمي، صناعة المحتوى، وتنظيم البطولات. السياحة بدورها شهدت قفزات نوعية مع استضافة الفعاليات الكبرى، بفضل التأشيرات الإلكترونية والبرامج الثقافية المرافقة، بينما انعكس الاهتمام على البنية التحتية، حيث تحسنت سرعات الاستجابة للألعاب الرقمية بشكل ملحوظ، ما جعل تجربة اللاعبين السعوديين تضاهي أقرانهم في المراكز العالمية.

هذه النقلة السريعة وضعت المملكة في مقارنة طبيعية مع تجارب دول أخرى بنت هويتها على الألعاب الإلكترونية. كوريا الجنوبية جعلت من هذه الصناعة منذ مطلع الألفية رمزًا لحداثتها الثقافية، تمامًا كما فعلت موسيقى K-Pop. اليابان منذ ثمانينيات القرن الماضي ارتبط اسمها عالميًا بشركات Nintendo وSony، وأصبحت الألعاب رمزًا للإبداع الوطني. الصين دخلت العقد الأخير باستثمارات هائلة عبر شركات مثل Tencent، وجعلت من الرياضات الإلكترونية جزءًا من قوتها الناعمة. لكن السعودية أضافت لمستها الخاصة: لم تكتف باستنساخ التجارب أو الاستثمار فيها فحسب؛ بل دشنت مشروعًا حضاريًا متكاملًا يربط الاقتصاد بالثقافة، ويجعل الرياضات الإلكترونية جزءًا من هويتها الوطنية الحديثة.

هذا البعد الحضاري تجسد في مؤتمر الرياضة العالمية الجديدة الذي أقيم موازيًا للبطولة، وجمع قادة الألعاب والتقنية والإعلام لرسم ملامح المستقبل. بذلك، تحولت الرياض إلى عاصمة عالمية للحداثة الرقمية، ومنصة للنقاش والإبداع، لا مجرد مستضيف لبطولة.

إن التحوّل السعودي في الرياضات الإلكترونية ليس مُجرد قصة عن اقتصاد أو ترفيه؛ بل هو فصل جديد في مسار حضاري. الحضارات تصنع صورتها من خلال رموزها الثقافية: السينما في أمريكا، كرة القدم في أوروبا، والآن الرياضات الإلكترونية كلغة الجيل الرقمي. والسعودية اليوم تكتب سرديتها عبر هذه الصناعة، مؤكدة أنها لا تراقب هذا العصر من بعيد؛ بل تصنعه بوعي وطموح. وحين وقف ولي العهد في منصة تتويج كأس العالم للرياضات الإلكترونية للمرة الثانية على التوالي، بعث بذلك رسالة مفادها أن المملكة اختارت أن تكون في قلب صناعة المستقبل، وأن الرياضات الإلكترونية ليست لعبة عابرة، بل مرآة لطموح أمة تتقدم بثبات نحو الغد.
12:40 | 1-09-2025

8 أعوام من الطموح.. كيف أعاد محمد بن سلمان رسم المستقبل

في الذكرى الثامنة لبيعة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولياً للعهد، تقف المملكة العربية السعودية شامخة على أرض الواقع الجديد الذي صاغه قائد شاب واستثنائي، حمل طموح شعب بأكمله على عاتقه، واستثمر في الإنسان السعودي، وراهن على قدراته، وآمن بأن هذا الوطن العريق والثريّ يملك من الإمكانات ما يضعه في مصاف الدول العظمى.

لم تكن لحظة تولي سمو سيدي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد مُجرّد ترتيب لبيت الحكم وتسهيل تناقل السلطة إلى جيل أحفاد الملك المؤسس؛ بل كانت لحظة ولادة مشروع فكري وتنموي متكامل، قوامه الدولة الحديثة في مفهومها، الفتية في شعبها، القوية بمقدراتها، الفخورة بقيمها وتراثها، المُؤمنة بقيادتها الوطنية والمُعتزّة بريادتها العربية والإسلامية.

منذ اللحظة الأولى، أدرك سمو سيدي الأمير محمد بن سلمان أن الثروة الحقيقية ليست في النفط، بل في الإنسان السعودي؛ وهو ما عبّر عنه بقوله: «ثروتنا الأولى التي لا تعادلها ثروة مهما بلغت؛ شعبٌ طموحٌ، معظمُه من الشباب، هو فخر بلادنا وضمانُ مستقبلها بعون الله».

بهذا اليقين، وبهذه الثقة، انطلقت رؤية السعودية 2030، التي لم تكن مجرد خطة تنموية، بل تحوّلت إلى قصة وطنية كبرى، جمعت الطموح بالعزيمة، والإرادة بالتخطيط، والهوية بالحداثة، وأعادت صياغة دور الدولة من الرعوية إلى التمكين والتحفيز.

أعاد سموه الاعتبار لموقع المملكة الديني والثقافي والجغرافي والتاريخي، وعبّر عن ذلك برؤية تستحضر عمقنا الوجداني وثقلنا الاقتصادي، حين قال: «نحن نثق ونعرف أن الله -سبحانه- حبانَا وطناً مباركاً هو أثمن من البترول؛ ففيه الحرمان الشريفان، أطهر بقاع الأرض، وقبلة أكثر من مليار مسلم... وهذا هو عمقنا العربي والإسلامي وهو عامل نجاحنا الأول».

بهذا الإيمان الراسخ، أصبحت المملكة مركزاً عالمياً للنقاشات الكبرى، وموطناً للمبادرات العابرة للحدود، في الاقتصاد والمناخ والتكنولوجيا والثقافة.

في مسيرة سمو سيدي ولي العهد هناك إنجازات لا حصر لها؛ ولكن أكثرها أهمية يتمثل في نجاح سموه في صياغة نموذج سعودي فريد للاستقرار والدبلوماسية في منطقة الشرق الأوسط التي لطالما عُرفت بالتحولات والانقسامات الحادة. فقد قدّم سموه نموذجاً جديداً للعقلانية السياسية، لا ينحاز فيه إلا لمصالح بلاده، ولا يتخلى فيه عن دورها القيادي.

المملكة اليوم حاضرة في كل الملفات الدولية الكبرى، من أوكرانيا إلى الملف النووي الإيراني، مروراً بالوساطة في تبادل الأسرى، والعلاقات المتوازنة مع القوى العظمى، وصولاً إلى اتفاق بكين بين السعودية وإيران، الذي شكّل نقطة تحول في المشهد الإقليمي، وأعاد تعريف معادلات النفوذ والمصالح، وعدا ذلك كله موقفها المبدئي والتاريخي من قضية فلسطين التي أكسبها سموه مستوى مختلفاً بالوقوف مع منطق الدولة والقانون الدولي وإنصاف المظلومين.

لم يكن سمو الأمير محمد بن سلمان مُدافعاً عن الأمن السعودي فحسب؛ بل عمل على ترسيخ مكانة المملكة كصانع للتوازن الإقليمي، عبر خطاب دبلوماسي عقلاني يتجاوز الشعارات إلى المسارات الفعلية للتهدئة والبناء. ومن خلال هذا المسار، تمكّنت المملكة من تقليل مخاطر التصعيد مع إيران، وإعادة التموضع كضامن لاستقرار الخليج، وليس مجرد طرف فيه. لقد غادرت المملكة منطق الاستقطاب، نحو صناعة الجسور، وعززت مكانتها كقوة تسعى لا إلى الصدام، بل إلى استثمار نفوذها في ضبط الإيقاع الإقليمي، بما يخدم مصالحها العليا وأمنها واستدامة رؤيتها.

إن ما صنعه الأمير محمد بن سلمان خلال هذه السنوات الثماني ليس مجرد إنجاز تنموي أو نهضة اقتصادية؛ بل هو مشروع حضاري جديد، يعيد للسعودية دورها الريادي كدولة قائدة في العالمين العربي والإسلامي، وشريك استراتيجي فاعل في النظام الدولي. وقد عبّر عن هذه الرؤية بوضوح حين قال: «ما نطمح إليه ليس تعويض النقص في المداخيل فقط، أو المحافظة على المكتسبات والمنجزات، ولكن طموحنا أن نبنيَ وطناً أكثر ازدهاراً يجد فيه كل مواطن ما يتمناه».

وبينما تستمر المملكة في بناء مدنها المستقبلية، وتنويع اقتصادها، وتمكين شبابها، تتعزز مكانتها كصانعة سلام في عالم متوتر، وكشريك موثوق في أزمنة الفوضى، وكقصة نجاح عربية بمعايير عالمية تُلهم الأجيال وتعيد تعريف معاني الطموح، لتبقى السعودية –كما أرادها ولي عهدها ووريث عرشها– دولة تليق بتاريخها، وتستحق مستقبلها.
23:00 | 26-03-2025

الدرعية.. صانعة السلام العالمي

لطالما رسخت الرياض قدرتها على لعب دور الوسيط الفاعل في حل النزاعات، سواء على مستوى المنطقة أو العالم.. تأتي استضافة العاصمة السعودية للمُباحثات الأمريكية الروسية في قصر الدرعية بما يحمله من رمزية تاريخية.. كتأكيد جديد على مكانتها المحورية في الساحة السياسية العالمية.

وعند الحديث عن قضايا الاستقرار والسلام فلا يُمكن تجاوز الرياض بأي حال من الأحوال أو بأي شكل من الأشكال، فهي تُمثل بما تمتلكه من ثقل إقليمي وتأثير دولي أنموذجًا في تحقيق التوازن بين القوى الكبرى، وتقديم الحلول الدبلوماسية بعيدًا عن معارك الاستقطاب أو الأيديولوجيا أو البحث عن المصالح الضيقة.

مثلت الدرعية، العاصمة الأولى للدولة، رمزية تاريخية متجذرة في السياسة السعودية. فمنذ تأسيس الدولة السعودية الأولى، شكلت الدرعية مركزًا للحكم والإدارة، وكانت نقطة الانطلاق في توحيد الجزيرة العربية. واليوم، وبعد قرون من تاريخها العريق، تعود الدرعية للعب دور فاعل في حل الخلافات وتخفيف التوترات وإنهاء الأزمات صانعة للسلام موحدة للفرقاء مُقربة لوجهات النظر المُتباينة وتجلى ذلك في جمعها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا على طاولة واحدة في محاولة لتقريب وجهات النظر بين أكبر قوتين عظميين في العالم.

قصر الدرعية الذي لطالما احتضن العديد من القمم الخليجية والاجتماعات رفيعة المستوى عاد اليوم ليقدم نفسه منصة حوار تعكس استقرار المملكة وقدرتها على احتواء الخلافات وصياغة الحلول الدبلوماسية.

رمزية قصر الدرعية أيضًا سلطت الضوء على رمز القيادة السياسية الشابة والصاعدة في عالم الشرق الأوسط سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والذي أصبح أهم الرموز السياسية الموثوقة لدى صناع القرار العالمي بما يملكه من شخصية قيادية وحنكة سياسية لا سيما مع ما تقوم به السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز من أدوار مؤثرة رسخت دورها لتمكين الحلول الدبلوماسية بين الأطراف المتنازعة وأن تجد طريقها إلى أرض الواقع؛ فالمملكة اليوم بفضل الله تعالى بوصفها شريكًا موثوقاً فيه تحولت إلى وسيط فاعل يمتلك القدرة على تقريب وجهات النظر والمساهمة في صنع السلام الحقيقي والعادل.

الدور الذي تحظى به السعودية اليوم في منطقة الشرق الأوسط والعالم لم يأت من فراغ، فهو مزيج فريد من الجغرافيا والتاريخ والإمكانات إضافة إلى سياستها المتوازنة التي تجمع بين الواقعية والرغبة الصادقة في مستقبل مزدهر، وقد أثبتت المملكة مرارًا أنها قادرة على الوساطة الفعّالة بين الأطراف المتنازعة، كما حدث في جهودها السابقة لإطلاق سراح أسرى الحرب بين روسيا وأوكرانيا، إضافة إلى نجاحها في تخفيض التصعيد والتوتر في العديد من الملفات الإقليمية في منطقة ملتهبة ومضطربة.

اليوم تحصد السعودية سلسلة نجاحاتها المتوالية بفضل عقلانيتها وتغليبها لمنطق الدولة واستضافة قصر الدرعية في الرياض للمباحثات الأمريكية الروسية هو اعتراف دولي مهم ومستحق على قدرة المملكة وإمكاناتها الكبيرة في تسيير وتسهيل أجواء بيئة إيجابية للحوار والتفاهم، مما يقودنا إلى حقيقة باتت واضحة للعيان حيث لا يمكن لأي تحديات جيوسياسية في الشرق الأوسط إلا أن تجد طريقها للحلحلة والحل باستلهام التجربة السعودية الرامية لتحقيق الأمن والاستقرار والرخاء والازدهار؛ فرسالة السعودية التي قدمتها اليوم وتقدمها كل يوم أنه لا بديل عن التنمية كخيار حتمي في عالم أنهكته الصراعات وتقاذفته النزاعات.

الأجواء الإيجابية التي خيمت على المباحثات الروسية الأمريكية كانت واضحة وجلية من خلال ما صرّح به وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الذي قال إن الرياض كانت الخيار الأفضل لاستضافة المحادثات. كما شدد المسؤولون الأمريكيون والروس على أهمية فتح قنوات دبلوماسية دائمة، وهو ما يعكس نجاح الدور السعودي في تسهيل الحوار بين الطرفين.

وبالرغم من أن الطريق إلى السلام لا يزال طويلًا، فإن مُباحثات الدرعية تمثل خطوة حاسمة نحو إيجاد حل تفاوضي يحقق الأمن والسلام العالمي.

كاتب سعودي

09:18 | 19-02-2025

السعودية في عيون العالم

تابع الجميع باهتمام الشهادة الصادقة والعفوية التي جاءت على لسان النجم العالمي مورغان فريمان عن السعودية، بعد أن اعتلى مسرح Joy Awards لاستلام جائزة الإنجاز مدى الحياة حينما قال بكلمات مؤثرة «لن أنسى الكرم والدفء الذي وجدته في السعودية حتى آخر يوم في حياتي».

هذه الشهادة من ابن مدينة ممفيس أكبر مدن ولاية تينيسي الأمريكية هي ترجمة واقعية لتنامي تأثير الثقافة السعودية الضاربة في جذور التاريخ ليس على مُحيطها فحسب بل على العالم أجمع، وخصوصاً في ظل مشروع رؤية 2030 الذي وضع نصب عينيه تعريف العالم بالسعودية وثقافتها وحضارتها وعراقتها. ومثلما كانت تجتذب الرحالة والمغامرين منذ القدم، فهي اليوم تجتذب النجوم ورواد الأعمال ورموز الثقافة والفن والرياضة وصنّاع الترفيه.

التظاهرة الفنية الثقافية الأدبية الترفيهية التي احتضنتها الرياض لم تكن سوى صورة مصغرة لكتاب مفتوح وهو السعودية المتجددة، إذ فرضت الرياض نفسها في أقل من عقد من الزمان وجهة عالمية لصنّاع الترفيه والأحداث الثقافية والفنية، جنباً إلى جنب الأحداث الاقتصادية والاستثمارية، وقبل ذلك كله مشروع الاستقرار والأمل للمنطقة.

جذبت الرياض رموز الفن والإبداع والثقافة والأدب والترفيه من مختلف أرجاء العالم تحت سقف واحد، في تجسيد للتحولات الكبرى والمُبهرة التي تعيشها بلادي في ظل دعم القيادة الرشيدة ومتابعة من سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي ظلت رؤيته ودعمه اللامحدود ومتابعته الدؤوبة مرآة تعكس نهضة السعودية ورؤيتها الطموحة.

يُدرك المتابعون لقطار رؤية 2030 أن السعودية تبنّت نهجاً متنوعاً ومختلفاً قائماً على مُسابقة الزمن والتحدي المستمر للذات، بهدف تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز مكانتها كوجهة عالمية للثقافة والإبداع والفن والترفيه.

ومع كل حدث عالمي تستضيفه، تقدِّم السعودية صفحة جديدة من هذا الكتاب المفتوح للنجاحات السعودية، وكل صفحة فيه تسرد قصة طموح لا حدود له، وتطور يجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين التقاليد العربية والأصلية والانفتاح على العالم.

حفل Joy Awards 2025 كان مثالاً واضحاً على هذا الإنجاز. حضر الحفل نجوم الفن والسينما من مختلف أنحاء العالم، وقدموا شهادات حية على ما رأوه ولمسوه في المملكة. لم يكن الحفل مجرد مناسبة فنية، بل منصة لإبراز الهوية الثقافية العصرية للمملكة، والتأكيد على دورها المحوري في تعزيز قيم التواصل والإبداع على المستوى العالمي.

السعودية المتجددة هي اليوم مشروع ونموذج عالمي ملهم للاستقرار والرفاه. إن تنظيم فعاليات بهذا الحجم والاحترافية يؤكد على قدرة المملكة على تقديم نفسها للعالم كوجهة ثقافية وفنية رائدة.

لم يكن إطلاق الهيئة العامة للترفيه وبجهود مشكورة لمعالي المستشار تركي آل الشيخ لاستضافة حفل Joy Awards صدفة عابرة، بل نتيجة عمل دؤوب فرضته التحولات التي شهدتها المملكة في السنوات الأخيرة، إذ باتت السعودية وجهة مفضلة للنجوم والمبدعين الذين يرون فيها حاضنة للإبداع ومنصة لإبراز الأعمال الفنية والثقافية.

يدرك المنصفون أن تنظيم فعاليات بهذا الحجم يُعزز من جاذبية السعودية كوجهة عالمية، ويخلق فرص عمل محلية، ويدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، خاصة في قطاعات الضيافة والتقنية والإنتاج الفني. كما يساهم التنوع في المشاريع في إبراز السعودية كدولة حديثة تجمع بين الاستثمار في الإبداع والاستفادة من الكوادر البشرية الوطنية، ما يدعم استدامة الاقتصاد ويضمن استقراره على المدى المتوسط والبعيد.

الصورة الكبيرة للنجاحات السعودية في كل المجالات تكمن في ترسيخ مكانة المملكة إقليمياً وعالمياً جامعة بين الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي والتنوع الثقافي والثراء الأدبي والحضاري، بما يجعلها نموذجاً مُتفرداً وواحة مُستقرة، في منطقة أنهكتها الحروب والنزاعات وعانت لعقود من سطوة الأيديولوجيا المُتطرفة والصراعات.
02:29 | 20-01-2025