أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/294.jpg?v=1762092635&w=220&q=100&f=webp

محمد مفتي

تداعيات الحرب على إيران

تعيش منطقة الشرق الأوسط حالياً واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، في ظل تصاعد المواجهة العسكرية مع إيران وما تحمله من أبعاد سياسية وأمنية واقتصادية تتجاوز حدودها الجغرافية، فالحرب الدائرة في الوقت الراهن لا ترتبط بحدث عابر، بل هي نتيجة تراكمات معقدة تقاطعت فيها الملفات النووية بالصراعات الإقليمية بالحسابات الدولية الدقيقة، ويأتي في مقدمة كل ذلك سعي إيران لتطوير قدراتها النووية وبعض الصناعات العسكرية الأخرى كالصواريخ الباليستية والمسيّرات التي تمثّل تهديداً صارخًا لأمن دول الجوار، والتي ظلت لسنوات محور شد وجذب بين طهران والقوى الغربية، فتعثر الاتفاقات الدولية وارتفاع نسب تخصيب اليورانيوم وغياب الضمانات المتبادلة، كانت جميعها من ضمن العوامل التي أدّت إلى التصعيد المتدرج بينهم والذي انتهى بمواجهة عسكرية مباشرة.

إلى جانب ذلك لعبت حروب الوكالة دوراً محورياً في إشعال فتيل الأزمة؛ فقد اتُهمت طهران بدعم أطراف مسلحة في عدة صراعات إقليمية، وهو ما أدّى إلى توتر متزايد مع عدد من دول المنطقة، وباندلاع الحرب بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل يبرز هذا السؤال الملح: هل نحن أمام حرب محكومة بأهداف تكتيكية، أم أن تلك أحداث هي بداية لصراع طويل قد يفضي إلى تغيير جذري في الداخل الإيراني؟.

تشير غالبية المعطيات إلى أن القوى الدولية المنخرطة في الأزمة تسعى -حتى الآن- إلى إضعاف قدرات إيران العسكرية وتقليص نفوذها الإقليمي، غير أن استمرار الضربات واتساع نطاقها قد يضعفان البنية الاقتصادية والسياسية للنظام على المدى المتوسط أو الطويل، خاصة في ظل ضغوط العقوبات وتراجع العملة المحلية واحتقان الشارع الإيراني.

في المقابل يثير سلوك طهران تجاه بعض دول الخليج تساؤلات حول جدوى التصعيد؛ فاستهداف المدن الخليجية ومنها المصالح النفطية أو التلويح بإغلاق الممرات البحرية لا يحقّق مكاسب إستراتيجية دائمة، بل قد يؤدي إلى توسيع نطاق الحرب واستدعاء تدخلات دولية أوسع، وقد ترى القيادة الإيرانية أن فتح جبهات جديدة للحرب من خلال استهدافها لدول الخليج وبعض الدول الأخرى يمنحها ورقة تفاوضية، لكن هذا التكتيك يحمل مخاطر كبيرة، إذ قد يحوّل الصراع من مواجهة محدودة إلى تحالف إقليمي ودولي أكثر صرامة ضدها.

من المؤكد أن منطقة الخليج العربي تعد شرياناً حيوياً للطاقة العالمية، وأي اضطراب فيها ينعكس فوراً على الأسواق العالمية، وقد شهدت أسعار النفط ارتفاعاً ملحوظاً مع كل تصعيد، وسط مخاوف من تعطّل الإمدادات أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز، ويعد مضيق هرمز قضية محورية بامتياز في هذا الصراع؛ حيث يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية، وأي تهديد بإغلاقه أو استهداف السفن التجارية العابرة فيه يرفع من تكلفة التأمين والشحن، ويؤثر مباشرة على اقتصادات الدول المستوردة والمصدّرة على حد سواء.

لا شك أن أي تصعيد عسكري بالقرب من المضيق قد يدفع شركات الشحن العالمية إلى تقليل حركة المرور في المنطقة وإعادة تقييم مساراتها والبحث عن مسارات بديلة خشية المخاطر الأمنية، وفي حال تعرّض الملاحة في مضيق هرمز لأي تعطيل، فإن ذلك لن يؤثر فقط على دول الخليج المصدّرة للنفط، بل سيمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، فمن المرجح أن يؤدي الصراع إلى ارتفاع أكثر في أسعار النفط وزيادة الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية، مما يجعل أمن هذا الممر البحري قضية دولية تتجاوز حدود المنطقة.

من الملاحظ أن تداعيات الحرب على إيران تتسع سواء على المستوى السياسي أو الأمني، ولاسيما أن إيران تتعمّد استهداف دول ليست طرفًا مباشرًا في الصراع، ورغم أن الدول التي تضررت من اعتداءات إيران حتى الآن وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية قد اختارت الحياد وتجنّب الحرب، فإن ذلك لا يعني أن ما حدث يمكن تجاوزه بسهولة، فالهجمات التي طالت أراضيها قد رسّخت في الذاكرة السياسية صورة السلوك الإيراني المتهور، وأعادت تأكيد المخاوف القديمة من أن أدوات القوة التي طوّرتها طهران لم تكن موجّهة فقط لحماية أمنها القومي كما كانت تدّعي، بل يمكن استخدامها للضغط على دول الجوار واستهدافها، لذلك قد تجد إيران نفسها بعد انتهاء الحرب أمام بيئة إقليمية أكثر حذراً وأقل ثقة بنواياها، وهو ما قد ينعكس على علاقاتها السياسية والأمنية في المنطقة للعديد من السنوات القادمة.

منذ يوم

جدوى العقوبات الدولية..

لطالما استُخدمت العقوبات الدولية كأداة حاسمة للضغط على بعض الدول للانصياع لقرارات المجتمع الدولي وإنهاء الصراعات، أو كمحاولة لحملها على التخلي عن سلوكياتها العدائية والانضمام للمجتمع العالمي السلمي، وعلى الرغم من اللجوء كثيراً لهذا السلاح إلا أنه من الملاحظ أنه نتائجه تبدو ضعيفة للغاية بل وغير مؤثرة في الكثير من الحالات، فغالباً لا توجد نتائج واضحة أو متبلورة لسلاح العقوبات الدولية، كما أنه من الملاحظ أنه ليس لها دور كبير في تغيير سلوك دولة ما أو انصياعها لما يطلبه منها المجتمع الدولي الذي فرض عليها تلك العقوبات، إلى الحد الذي بدا وكـأن العقوبات تطيل عمر الأزمات وليس العكس!.


تصنف العقوبات الدولية على أنها أداة ضغط سياسي فعال وبديل حضاري ودبلوماسي عن الحرب، غير أن الواقع بتجاربه المتعددة أثبت أن الأمور أكثر تعقيداً بكثير مما يروج له، فعلى سبيل المثال فقط لا الحصر، تم فرض عقوبات عديدة ومختلفة على إيران منذ عقود، وما إن تُرفع حتى يُعاد فرضها مرة أخرى بشروط أصعب وبطريقة يصعب تفاديها، غير أنها على الرغم من كل ذلك لم تأتِ بأي نتيجة مرجوة منها، ولم تمنع وقوع الحرب الدائرة ضدها حتى لحظة كتابة هذه السطور.


من المؤكد أن هناك العديد من الأسباب التي تقف خلف ضعف وإضعاف تأثير العقوبات الاقتصادية على سبيل المثال، والتي يبدو وكأنها لا تمس جوهر القرار السياسي، غير أن أهمها هو تداخل العنصر السياسي والاقتصادي معاً، فالدول لا تتخذ قراراتها بمنطق الربح والخسارة فحسب، بل تتداخل لديها اعتبارات السيادة والهيبة وسمعة النظام السياسي الحاكم، وهو ما يؤدي بطبيعة الحال لإلقائها عبء العقوبات الاقتصادية على الشعب وعلى الشرائح الاجتماعية الأكثر فقراً رغم عدم قدرتها على تحمل تلك العقوبات، مما يرشح استمرار الأزمة لفترات طويلة دون أن تتأثر النظم الحاكمة جوهرياً بنتائج تلك العقوبات على نحو جذري.


كما أن الانصياع لقرارات خارجية مفروضة يجعل الأنظمة الحاكمة تبدو كما لو كانت العنصر الأضعف في مواجهة القوى الخارجية التي تسعى لفرض قراراتها ولي عنق سيادتها، وهو ما يثير حساسيات عميقة لدى غالبية الشعوب، مما يسهل على تلك الأنظمة استغلالها لإعادة التماسك والترابط بين صفوف الشعب، ويجعله أكثر استعداداً للتضحية وتحمل التكاليف الباهظة لتلك العقوبات، حيث تعمل الآلة الإعلامية لتلك الدول في هذه الظروف على تصوير تلك العقوبات على أنها نوع من الحصار أو الاستهداف أو السعي للتأثير على القرارات السيادية للدولة.


من المؤسف أن نجد النتائج المتوقعة لتلك العقوبات تسير في الاتجاه الخاطئ بل والعكسي في الكثير من الأحيان، فالعقوبات لا تقع على صاحب القرار الذي يجد الكثير من الوسائل والطرق للالتفاف عليها، بل تقع على الشعوب وعلى بعض القطاعات الأكثر حيوية التي تفتقد وقتذاك للتمويل الكافي –مثل الصحة والتعليم- مما يؤدي لتدهورها وتدهور خدماتها بشكل كبير.


لاشك أن التلويح بسلاح العقوبات الدولية لا يفتح مسارات التفاوض بل يغلقها، ولو نظرنا للعقوبات الموجهة ضد بعض السياسيين باعتبارها تبدو كما لو كانت أكثر دقة وإنصافاً من العقوبات الشاملة، نجد أنها في حقيقة الأمر محدودة النطاق والفاعلية، فاستهداف شخصيات بعينها لا يعني بأي صور من الصور تأثير ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر على القرار السياسي لدولة ما، وبخلاف ذلك عادة ما تملك تلك الشخصيات شبكات مالية معقدة ذات واجهات مراوغة، وقد يملكون أسماءً بديلة وهويات مختلفة، ولديهم قدرات كبيرة على التلاعب وغسل الأموال والاستفادة من ثغرات أي نظام والالتفاف على أي قيود.


من المعتاد أن يتم التعامل مع العقوبات في بعض الأحيان على أنها الحل الأبسط لإدارة أي أزمة، فبمجرد أن تلوح أي أزمة يتم إشهار سلاح العقوبات بدلاً من الانخراط في مفاوضات جادة لتسوية الأزمات بجدية، وغالبية الدول التي تقع عليها عقوبات تتكون داخلها شبكات غير رسمية من ذوي المصالح الذين يسعون للاستفادة من فرض العقوبات على نحو يضر بمجتمعات تلك الدول، مما يضعفها ويزيد من معاناتها على المدى الطويل، ولاشك أن كل ذلك لا يعني التخلي عن فكرة فرض العقوبات الدولية، بل هي محاولة لوضعها في المسار الصحيح بحيث تكون جزءاً من رؤية متبلورة لحل أزمة ما، وليست مجرد مسار عقابي منفرد يمثل مشكلة بحد ذاته.


dr.mufti@acctecon.com


@Prof_Mufti

01:06 | 6-03-2026

الضجيج.. لا يصنع سياسة!

في الوقت الذي تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط المزيد والمزيد من الاضطرابات، وتعاني فيه بعض دولها من صراعات حادة وتوترات عميقة، تظهر بعض التصريحات هنا وهناك لتزيد من تفجر الموقف في منطقة تعيش بالفعل فوق صفيح ساخن، وهي التصريحات التي إن دلت على شيء فهي تدل على انعدام الدبلوماسية وافتقاد الرؤية والافتقار للحكمة في التعامل مع الأمور بروية، وذلك في الوقت الذي تحتاج فيه المنطقة لخطاب موضوعي جاد يقرب وجهات النظر المتباعدة، وجهوداً مكثفة لتهدئة مخاوفها.

وفي الوقت الذي تتسارع فيه حدة التصريحات غير الملائمة وتتضخم خلاله نبرة الخطاب العدائية بمفرادتها المتشنجة، تتزايد المخاوف من اندلاع الكثير من الصراعات المختفية تحت السطح الذي يعج بالكثير من الخلافات المزمنة، غير أن التجارب التاريخية جميعها أثبتت بما لا يقبل الجدل أن الضجيج والتصريحات العدائية المستفزة مهما بلغت حدتها أو عنفوانها لا تصنع سياسة ولا تقترح حلولاً، بل تزيد الأمور اشتعالاً وتفرغ القضايا من مضمونها، وفي الوقت الذي علت فيه الأصوات الحكيمة وعلى رأسها المملكة العربية السعودية داعية لكبح جماح التصريحات العدائية الحادة، تتمادى فيه دول أخرى بإطلاق التصريحات المستفزة جزافاً دون إدراك كافٍ بعواقبها أو اكتراث حقيقي بالنتائج المترتبة على إطلاقها.

ولعل التصريحات الأخيرة للسفير الأمريكي لدى إسرائيل بأن «سيطرة إسرائيل على الشرق الأوسط أمر مقبول» تعد نموذجاً صارخاً لهذا النمط من التصريحات التي لا تعدو أن تكون مجرد ضجيج في الفضاء السياسي، لا تقدّم أي فائدة بل توغر الصدور وتزيد الاستفزازات، ففي الوقت الذي لم تجف فيه دماء عشرات الألوف من الأبرياء في غزة بعد ممن تمت إبادتهم جماعياً في ظروف لا إنسانية تعد هي الأقسى بلا منازع في التاريخ الحديث، وعلى نحو غير مسبوق، تبدو تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل نموذجاً معبراً لهذا النوع من الضجيج والصخب السياسي، وهي التصريحات التي أثارت موجة من الغضب والجدل والاستهجان بين عموم دول المنطقة، فهي لا تعكس فقط افتقاد السفير الأمريكي للحس الدبلوماسي وعدم إدراكه لحساسية السياق الإقليمي ومدى ما يمكن أن تثيره أو تترتب عليه تلك التصريحات، بل تثير لدى الجميع شعوراً بالنفور العميق مما قد تحمله تلك التصريحات.

من المؤكد أن تلك التصريحات التي أقل ما توصف بها بأنها غير ملائمة، تتسق مع الكثير من التصريحات العدائية.

من المؤكد أن منطقة الشرق الأوسط هي منطقة متعددة القوى والتوازنات، وقد أثبتت التجارب التاريخية أنه لا يوجد بها دولة واحدة لها اليد العليا أو قوة مسيطرة بشكل مطلق، فادعاءات السيطرة المطلقة ليست أكثر من مجرد وهم سياسي لم يتمكن من الصمود أمام عقبات الواقع وتعقيداته، فعقيدة التفوق التي تسيطر على عقول وقلوب الساسة الإسرائيليين ومن يدعمهم تقوض استقرار المنطقة وتزيد الفجوة بين إسرائيل وبين دول المنطقة، كما أن صدور هذه التصريحات من وسيط يفترض منه الموضوعية والحياد يضعف دور الدبلوماسية الأمريكية، ويجردها من دورها التاريخي كقوة عظمى تسعى لإحلال الأمن والاستقرار في ربوع العالم.

من المؤكد أن السياسة الرشيدة تقوم على إدارة مصالح جميع الأطراف بما يحقق لهم أهدافهم بأقل قدر من الخسائر الممكنة، ولذلك فهي تعتمد على احتواء الخلافات وبناء التفاهمات عبر القنوات الدبلوماسية المعلنة وغير المعلنة، والتصريحات السياسية جزء لا يتجزأ من أي عملية سياسية، فهي لسانها الناطق والمتحدث الرسمي باسمها، والذي يجب أن يتحلى باللياقة والحكمة وسرعة البديهة، والتصريحات العدائية قد تحقق مكاسب تكتيكية مؤقتة، غير أنها ترشح الأزمات للاستمرار وعلى نحو بعيد المدى، وفي منطقة الشرق الأوسط التي أنهكتها جراح الصراعات لعقود، يبدو الضجيج السياسي نوعاً من الحماقة التي تطيل عمر الأزمات، فكل ما نحتاج له هو سياسة هادئة حكيمة مبنية على الحوار والاعتراف بالحقائق التاريخية واحترام التوازنات الدقيقة في المنطقة.

00:25 | 27-02-2026

الممرات البحرية وأمن الملاحة في الخليج

تعدّ الممرات البحرية في منطقة الخليج العربي من أكثر القضايا الشائكة والنقاط الحسّاسة في مجال السياسة الدولية، فالممرات البحرية بشكل عام ولاسيما تلك التي تربط مناطق عدة بالعالم تمثل شرايين التجارة العالمية، حيث تعدّ في غاية الأهمية ليس فقط لدول المنطقة التي تمر بها تلك الممرات البحرية، بل للاقتصاد العالمي ككل، ومن المؤكد أن مضيق هرمز والذي يمثل نقطة عبور إستراتيجية تربط الخليج العربي ببحر العرب والمحيط الهندي يمثل أهمية بالغة في مجال النقل الإستراتيجي.

مضيق هرمز يمثل شرياناً رئيسياً تتدفق عبره إمدادات الطاقة وسلاسل إمدادات التجارة العالمية، حيث تمر عبره كمية ضخمة من الصادرات النفطية وغير النفطية إلى كافة دول العالم، ومما لا شك فيه أن أمن هذه المنطقة الحسّاسة له أكبر الأثر على كافة مناحي الحياة التي تعد مصادر الطاقة أساساً لها، فبمجرد أن يلوح أي تهديد في الأفق ممثلاً في أي صورة من شأنها تهديد حركة السفن في هذا الممر، تهتز الأسواق العالمية بشدة، وبخلاف ذلك فإن تهديد أمن الممرات الملاحية ينعكس على أمن دول الخليج أيضاً، وهو ما دفع بتلك القضية إلى واجهة القضايا الأكثر إلحاحاً واحتياجاً للحل خلال هذه الآونة.

مع تصاعد التوترات السياسية والعسكرية بين الولايات المتحدة وإيران مؤخراً غدا أمن الملاحة في منطقة الخليج ملفاً مفتوحاً قابلاً للتصعيد في أي وقت مما زاد من التوترات في المنطقة ككل، فالغموض فيما يتعلق بمستقبل المضيق ألقى بأثره على المشهد العام للتجارة العالمية، وهو ما حوّل المضيق من مجرد ممر مائي محايد إلى ورقة ضغط سياسي ومادة دسمة للتفاوض عند اندلاع أي صراع.

وقد شهدت السنوات الأخيرة تصعيداً في الملف الأمني للمضيق تضمّنت حوادث استهدفت ناقلات النفط، كما تم بالفعل احتجاز عدد من السفن التجارية بطواقمها العاملة، مما أدّى لتصعيد إعلامي متبادل بين العديد من الدول المعنية بمجال النقل في المضيق، مما أعاد الجدل حيال مدى الأمن الذي تتمتع به المنطقة وممراتها المائية الإستراتيجية، وعلى الرغم من أن تلك الحوادث المتفرقة لم تؤدِ إلى مرحلة الإغلاق الشامل لتلك الممرات المائية، إلا أنها أثارت القلق والتوتر في غالبية الأسواق العالمية، مما كان له أكبر الأثر على رفع تكاليف التأمين والشحن، مما انعكس بالسلب على كافة الأطراف سواء المنتجة أو المستهلكة.

لا شك أن وقوع شريان مائي يستخدم بشكل موسع في عمليات النقل البحري مثل مضيق هرمز تحت التهديد يعتبر أمراً بالغ الخطورة بالفعل، فمن المفترض أن حرية الملاحة مكفولة للجميع بأمان طبقاً لقوانين الملاحة الدولية، غير أن الأمن في تلك المنطقة لم يعد يتعلق بالمواجهة المباشرة فحسب، بل أصبح المضيق برمته طرفاً فاعلاً في حرب غير معلنة تدار من خلال رسائل متبادلة بين أطراف النزاع، والقوى المتصارعة على التحكم في المضيق غالباً ما تلجأ لاستعراض القوة وتحاول قدر الإمكان تجنب المواجهة المباشرة، فالمواجهة المباشرة قد تكون باهظة التكلفة وغالباً ما تؤدي إلى ارتفاع الأسعار العالمية في كافة المجالات بشكل قد لا يمكن التحكم فيه، وهو ما يستدعي إدارة هذا الملف بالغ الحساسية بدقة بالغة حيث لا مجال للخطأ أو التسرع في الحكم أو اتخاذ قرارات غير مدروسة بشكل كافٍ، فقد تندلع أزمة كبيرة من مستصغر الشرر.

في ظل الاعتماد العالمي الحالي على النفط سيبقى مضيق هرمز محوراً أساسياً في معادلة الأمن العالمي، ومن المؤكد أن أمن الخليج وأمن المنطقة هما قضية واحدة لا تحتمل التسويف أو التجاهل، فلا مجال لتقبل هشاشة الأمن في تلك المنطقة الحسّاسة، والتي لا تحتمل أي نوع من أنواع التوتر العسكري، فتلك الممرات هي عصب الاقتصاد الدولي، وقضية الأمن فيها قضية سياسية بامتياز ترتبط بمستقبل واستقرار المنطقة وليس مجرد ضمان أمن السفن والبحار.

التطورات المتسارعة في توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران تفرض ضرورة ملحة لاحتواء الأزمة بين الجانبين، نظرًا لما لها من تأثير مباشر على أمن الملاحة في مضيق هرمز، فاستمرار التوتر أو تصعيده يهدّد سلامة حركة السفن التجارية وناقلات الطاقة التي تعبر المضيق يوميًا، ويعرّض إمدادات النفط والغاز لمخاطر جسيمة قد تنعكس في صورة اضطرابات في أسواق الطاقة وارتفاعًا في تكاليف النقل والتأمين، ومن هذا المنطلق، يصبح احتواء الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية والحوار السياسي خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه، ليس فقط لتجنيب المنطقة مخاطر المواجهة العسكرية، بل أيضًا للحفاظ على استقرار التجارة العالمية وضمان حرية الملاحة عبر هذا الشريان الحيوي الذي يعتمد عليه الاقتصاد الدولي.

00:24 | 20-02-2026

على طاولة المفاوضات!

على الرغم من أن الحروب ظاهرة مقترنة بالوجود البشري، إلا أنها تعبّر في حقيقتها عن عجز في التوافق بين الأطراف المنخرطة في الحرب عن التوصل لحل وسط أو طريقة في التعامل مع الأمر محل الخلاف ترضي جميع الأطراف، فالحروب غالباً ما تندلع عندما تفشل جميع الأطراف في التوصل لحل وسط عقلاني عادل ومنصف يقي الشعوب ويلاتها ودمارها، فالحروب في جوهرها ليست أكثر من هدر للموارد ورجوع بالتنمية لخطوات عديدة للوراء، وهي فشل سياسي بامتياز وانتصار مؤسف للفوضى والدمار، وعندما تنسد كافة قنوات الحوار ينفتح الباب على مصراعيه أمام قوى الشر لتعيث الفساد.

ولو نظرنا لواقعنا اليوم فسنجد العديد من الأمثلة التي تبرهن على هذا الأمر بجلاء، فالعديد من الحروب المندلعة هنا وهناك تؤكد على أن أطرافها لا يستمعون لصوت العقل بل لا يلقون له بالاً من الأساس، أما من يدفع ثمن تلك الحماقات فهي الشعوب المغلوبة على أمرها، والأجيال اللاحقة لها ممن عانى آباؤهم من ويلات ومآسي تلك الحروب، ممن نشأوا مغتربين خارج أوطانهم، أو نازحين من مكان لمكان داخل وطن مهدّم بلا بنية أساسية أو مرافق أو مؤسسات، ويعيشون داخل دولة بلا صحة أو تعليم أو حتى مستقبل.

وفي ظل تلك الأوضاع يأتي الاتفاق الأخير الذي تم عقده بين الحكومة السورية وبين قوات سوريا الديمقراطية المعروفة باسم قسد كضوء يظهر في نهاية النفق المظلم، فهذا الاتفاق أطفأ بالفعل فتيل حرب لو اندلعت في سوريا فلن تبقي لا على الأخضر ولا على اليابس فيها، بل كانت ستمهّد لبداية فصل جديد ومأساوي من حرب أهلية جديدة في سوريا، وقد أثبت هذا الاتفاق أن الاحتكام لطاولة المفاوضات يظل هو الخيار الأفضل والأقل تكلفة بالمقارنة بين الانزلاق في أتون حرب أهلية جديدة، مهما بدت الخلافات معقدة أو غير قابلة للحل، فالاتفاق السلمي هو الحل الوحيد والأسلم لتجنيب سوريا حرب جديدة مشتعلة قد تسمح مستقبلاً بدخول أطراف عديدة تزيد من اشتعال الأوضاع.

أما الصراع وتبادل الاتهامات بين الولايات المتحدة وإيران فسيظل شوكة في خاصرة المنطقة ما لم يتم التوصل لحل دائم ومستدام بين الطرفين، فالتوتر الذي يخيّم على المنطقة بسبب التبادل المستمر للاتهامات بينهما يلقي بظلاله على المنطقة وعلى مستقبلها على الكثير من الأصعدة، فالخطاب الذي يزداد حدة وهجوماً كل يوم لن يفيد أي طرف بأي طريقة، ولا يوجد حل لهذا الصراع سوى الاحتكام لمائدة المفاوضات وتجنّب حرب ستؤدي إلى عواقب وخيمة على دول المنطقة وليست على الشعب الإيراني وحده، وبنظرة سريعة على التاريخ يتضح لنا بجلاء أن الحروب التي تندلع بين الكثير من الدول لا تنتهي بانتصارات حاسمة من طرف على طرف آخر، بل تنتهي عبر المفاوضات التي كان من الممكن الاحتكام لها دون خوض كل تلك الصراعات المريرة وهدر كل هذه الموارد.

وأخيراً لا بد وأن نعرّج على الصراع في السودان والذي اندلع بسبب تمرد قوات الدعم السريع على السلطة الشرعية، والوصول لحل في السودان يتطلب وقفة دولية حاسمة لردع قوات الدعم السريع والأطراف التي تقوم بدعمها، لوقف المجازر التي ترتكب ضد المدنيين العزّل، فقوات الدعم السريع التي تقاتل بضراوة لسنين مضت يجب التصدي لها بحسم وصرامة، فعدوانها لا يزهق الأرواح البشرية ويهدر الموارد الثرية فحسب، بل يزيد من عنفوان الدوامة التي أودت بحاضر ومستقبل السودان، فهو يهدّد وحدة الدولة واستقلالها، وعدم الاحتكام للعقل والجلوس على مائدة المفاوضات لا يعني سوى إطالة أمد الأزمة.

من المؤكد أن القراءة المطولة المتأنية للواقع الحالي وللتاريخ سواء القديم أو الحديث تؤكد لنا أن الخيار السلمي والاحتكام لمائدة المفاوضات هو الحل الوحيد الذي من شأنه أن يقي الدول من مخاطر الانزلاق للحروب وتجنيب الشعوب تذوق ويلات الحروب بمآسيها التي يصعب حتى حصرها في بضعة أسطر، فالحروب ما هي إلا بوابة جحيمية تبتلع الموارد وتحصد الأرواح وتضيع مستقبل أي دولة.

كما أن سلبية المجتمع الدولي في التعامل مع بعض النزاعات تعد عاملاً أساسياً في استمرارها وفي استمرار معاناة شعوبها ما بين قصف وجوع ونزوح، فإن تقاطعت بعض الصراعات مع التوازنات الإستراتيجية أو مست مصالح بعض الدول العظمى نجد التحرك السريع لمحاولة احتواء الأزمة أو حتى اللجوء للحل العسكري لوأدها في مهدها، أما لو دارت تلك الصراعات بين دول تبعد مصالحها عن مصالح تلك الدول العظمى فإننا لن نجد سوى بيانات الشجب والإدانة ومشاعر القلق العميق دون أي رد فعل عملي، ومن المؤكد أن ازدواجية المعايير التي غدت سمة ملازمة لحل الصراعات بين كافة دول العالم لم تضعف ثقة الشعوب في المجتمع الدولي فحسب، بل قوضت فكرة العدالة العالمية ذاتها.

00:06 | 13-02-2026

عالم بلا حروب!

في خضمّ العديد من الصراعات والحروب التي تدور رحاها في عالمنا هذا، والتي أحالت مناطق واسعة من العالم إلى خراب حقيقي لا يبقي ولا يذر، وفي الوقت الذي تعاني الدول المنخرطة في النزاعات من نتائجها الكارثية، تعالت العديد من الأصوات للمناداة بوقف تلك الحروب لعل البشر ينعمون ببعض السلام والأمن، وحتى تلك الدول التي لا تعاني من حروب فعلية أو قائمة تعاني هي الأخرى من تحديات عديدة بسبب التهديد الدائم من قبل أطراف عديدة تتربص بأمنها وترغب في بث الفرقة بين ربوعها، لذلك فإن تخيّل عالم بلا حروب ليس حلماً ولا تصوراً خيالياً، ذلك أن تكلفة الحروب والصراعات باهظة بشكل غير عادي، وهي تساهم في إعادة البشرية خطوات عديدة للوراء بدلاً من المضي بها قدماً في ركب الحضارة.

من المؤكد أن العالم الذي يطمح الكثيرون للعيش فيه هو عالم لا توجد فيه حروب أو صراعات من أي نوع، حيث يخفت فيه صوت الرصاص ويعلو صوت الحكمة والعقل، عالم يجنح فيه المتحاربون إلى العقل ويبحثون عن الهدوء والسكينة والسلم، حيث يميلون للتعاون والتكاتف بدلاً من التصارع والاقتتال، عالم يسود فيه الطموح لا الطمع، فالكل فيه يسعى للتطوّر ولكن دون الافتئات على حق الآخر وسلبه موارده ومقدّراته، كما يبحث فيه الجميع عما يفيد البشرية وليس عما يدمر كل الأطراف.

لا شك أن العالم الجديد الذي نطمح جميعنا إليه هو عالم تتوقف فيه آلة الحرب عن الدوران السريع المنهك، وتُوجّه كافة الموارد والطاقات فيه لبناء عالم آمن سلمي، فالحروب ليست مجرد صراعات مسلحة وأطراف منتصرة وأخرى منهزمة، بل هي نزيف حاد يدمر اقتصاديات الدول ومواردها البشرية، وتعطيل لسيرورة الحضارة البشرية، ومعاناة عصيبة لكافة أطراف الصراع المنخرطين في الاقتتال، وتدمير لإمكانيات أجيال عديدة قد تمتد إلى فترات زمنية طويلة، لذلك فتصوّر عالم بلا حروب هو مجرد تصور لمستقبل واقعي أكثر اتزاناً وعدالة.

ولو نظرنا نظرة أقرب بعض الشيء لجوهر الحروب فسنجد أنها تمثل عبئاً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً بطبيعة الحال على جميع الأطراف المنخرطة فيها، وقد تتأثر بها دول كثيرة مهما تباعدت المسافات، والحروب في جوهرها هي موارد ضخمة –سواء كانت بشرية أو مالية- مهدرة، كل تلك الأموال المهدرة وعلى الأخص التي تستخدم في تمويل الحروب كان من الممكن توجيهها لدعم الجهود الصحية أو التعليمية، وحينها سيتم توجيه كل الاهتمام لتطوير المنظومات الصحية ومدّها بكل ما يلزم من رعاية واهتمام، أو يتم توجيهها لبناء المدارس والمستشفيات والمختبرات والأبحاث العلمية.

على المستوى الاجتماعي، يعيش العالم الخالي من الحروب والاضطرابات حالة مستقرة من التعايش الإنساني، حيث تختفي ثقافة الكراهية والتنمر التي تخلقها وتشجع على استمرارها الحروب والنزاعات، وتسود ثقافة النقاش وتنتشر الأفكار المتعلقة بتفهم الآخر وقبوله، وهنا ينشأ جيل جديد لا يعرف التهجير القسري والابتعاد عن الوطن واللجوء إلى دول أخرى لفترات قد تستمر طويلاً.

وحتى لو توقفت الحرب سنجدها وقد دمرت البشر والشجر ولم تبقِ لا على أخضر ولا على يابس، ومن الجدير بالذكر أن الحروب تلوث البحر والجو والأرض، ويزخر التاريخ بالكثير من الأمثلة على ذلك الخراب، وفي العالم الخالي من الحروب تدار الخلافات بمنطق العقل والحكمة والأهداف والمصالح وليس بالتناحر والاقتتال، وتحسم الخلافات بالقوانين الدولية لا بالقوى العسكرية الرادعة، حيث تقاس قوة الدول بمقدار احتكامها للعقل والحكمة لا بمدى قوة قدراتها التدميرية، فعندما يخلو العالم من الحروب تسنح الفرصة للسلام أن يعم بل وأن يصبح الخيار الوحيد للتعايش بين الجميع.

غير أنه على الرغم من إدراك الجميع لمدى أهمية أن نعيش في عالم بلا حروب أو صراعات، إلا أن تفجّر العديد من البؤر حول العالم بالكثير من الصراعات يجعل العالم يبدو وكأنه يقف على حافة حرب لا نهاية لها، فعندما تفشل الدبلوماسية تلجأ الأطراف المتناحرة للحرب، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: إلى أين يقود هذا الطريق؟ فلو لجأ كل طرف للحرب لإنهاء الصراع لن نتمكن أبداً من تأسيس سلام دائم أو شامل، بل ستتراكم بمرور الوقت أسباب الانفجارات القائمة، وهو ما سيرشحها مستقبلاً لمزيد من القسوة والاتساع.

00:10 | 6-02-2026

مستقبل قطاع غزة

تدور خلال هذه الأيام الكثير من المفاوضات والنقاشات بشأن مستقبل قطاع غزة وما ينتظره من أحداث قادمة، وهو ما قد يلقي الضوء حول مستقبل تلك المنطقة والتي شهدت الكثير من الأحداث الجسام خلال العامين الماضيين، فها هو القطاع يكاد يخرج من معاناته التي بدت بلا نهاية إلى مستقبل قد يشهد بعض التحسّن، فمنذ اندلاع أحداث السابع من أكتوبر 2023 شهد القطاع واحدة من أشد الأزمات الإنسانية في تاريخنا الحديث، والتي نتج عنها عشرات الألوف من القتلى والجرحى، وتدمير شبه تام لكافة البنى التحتية بالقطاع ولاسيما الحيوية منها، وهو ما أسفر عن تدهور كامل لكافة الخدمات الطبية والصحية والتعليمية، ترافق معه نزوح ضخم للسكان من مكان لآخر هرباً من جحيم القصف الإسرائيلي الدموي الذي طال كل بقعة من بقاع قطاع غزة.

من المؤكد أن المعاناة الإنسانية لسكان القطاع لا يمكن أن تمحى بسهولة بل ستستغرق وقتاً كبيراً للتعافي وعلى نحو تدريجي بطيء، وهو الأمر الذي يستوجب أولاً وقبل كل شيء وقف الاستفزازات الإسرائيلية وعمليات التصعيد العسكري بكافة أشكاله ضد المدنيين من أهل غزة، والدخول الجاد في مفاوضات تحمي حقوق الفلسطينيين، فوقف العمليات العدائية شرط أساسي لبدء عملية سلام حقيقي مستدام وليس مجرد ترتيبات مؤقتة لا تكفل ولا تضمن توقف الطرفين عن الاقتتال.

من الضروري أن نؤكد على أهمية تحلي الطرف الإسرائيلي بحسن النية والبدء الفوري في تنفيذ بنود الاتفاق التي تم التوصل إليه دون تسويف أو مماطلة، فالتلاعب في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه يزيد من التوترات الكامنة تحت السطح ويعرقل جهود البناء، ولعل أحد أهم بوادر حسن النية بخلاف الوقف الفوري والشامل لكافة الأعمال العدائية والاحترام الكامل للقوانين الدولية، هو رفع القيود المفروضة على الجهود الإنسانية المبذولة للتخفيف عن سكان القطاع، وفتح جميع المعابر بشكل كامل مما يسمح بمرور المساعدات المقدّمة لأهل غزة بشكل آمن، مع السماح بتنقلهم بحرية لضرورة رفع المعاناة وتقليل الاحتقان العام في المنطقة.

ولعل مجلس السلام الذي دشّن أعماله الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مؤخراً، برئاسة الولايات المتحدة يعد بارقة أمل لمستقبل غزة، وهو المجلس الذي يهدف لمهام عديدة من أهمها إرساء جهود عملية السلام، وتنسيق جهود إعمار القطاع، وتعزيز الاستقرار بشكل عام فيه، غير أنه بطبيعة الحال قد يواجه هذا المجلس الكثير من العثرات والعراقيل، ولذلك يظل المجلس محل جدل بين التصريحات المعلنة والواقع الفعلي على الأرض، مما يستوجب بذل المزيد من الجهود الدولية والعربية والإقليمية لمعالجة جذور الصراع بين الفلسطينيين وبين إسرائيل، فالتجارب السابقة توضح جلياً أن أي مبادرة لا تعالج جذور الصراع تعني عودة نيران الحرب للمشهد مرة أخرى، مما يعني انهيار الهدنة الإنسانية لأهل غزة وعودة العذاب والمعاناة لهم.

وبدون شك يمثّل انضمام المملكة العربية السعودية لمجلس السلام تأكيداً لدور المملكة في حفظ السلام في كافة ربوع العالم، وعلى الأخص فيما يخص قضية بحجم وأهمية فلسطين، وهو ما يعيد للأذهان الدور الذي تلعبه المملكة في الساحة الدولية كلاعب أساسي في قضية إرساء السلام ودعم الاستقرار في المنطقة، ويوضح بجلاء الوزن السياسي والثقل الاقتصادي والمكانة التي تحتلها بين كافة دول العالم.

يعد انضمام المملكة لمجلس السلام تأكيداً على التزام المملكة العربية السعودية بدعم مهمة مجلس السلام لإنهاء النزاع في قطاع غزة، واعترافاً بالدور الكبير الذي لعبته وتلعبه في توفير الدعم للشعب الفلسطيني سواء قبل الحرب أو خلالها أو بعدها، ولعل أبرزها توفير الكثير من المساعدات الإنسانية الضخمة للمدنيين في القطاع، حيث قامت المملكة بمد العديد من الجسور الجوية والبحرية والتي حملت آلاف الأطنان من المواد الغذائية والمنتجات الطبية والمساعدات الإيوائية، وهو ما يبرهن على وعي المملكة وإدراكها لضرورة تكاتف جميع الجهود لمساعدة أهالي القطاع المنكوبين، ومساعدة المنطقة على أن تنعم ببعض السلام عقب الصراع الذي عاشته العامين الماضيين.

00:04 | 30-01-2026

سوريا إلى أين؟!

عقب سقوط نظام الأسد الذي جثم على صدور السوريين لعقود طويلة، شهدت سوريا بزوغ فجر عصر جديد تحت قيادة جديدة آمل فيها السوريون كثيراً في أن تخرجهم من عقود من الحكم السياسي القاسي، والذي حرموا فيه من أبسط حقوقهم المشروعة، ولهذا مثّلت لحظة سقوط نظام الأسد علامة بارزة ولحظة فارقة في تاريخ سوريا الحديث، وخلال هذه اللحظة التاريخية الفارقة تطلّع كافة السوريين والشعوب العربية لولادة حقبة تاريخية جديدة في سوريا، يعاد فيها تشكيل الدولة، وذلك لبناء سوريا لكافة السوريين دونما تمييز، ولمنع أي فصيل أياً كان انتماؤه من حمل السلاح، والانضواء تحت سلطة دولة واحدة مركزية تسعى لحماية حقوق الشعب السوري وتحافظ على وحدة أراضيه وحماية موارده ومقدّراته.

من المؤكد أن الشعب السوري عانى لسنوات طويلة من القتل والعنف والتهجير والانقسامات المتعددة التي أجّجتها بعض الأطراف والقوى الخارجية، ووجدت لها صدى عند بعض الجماعات والفصائل السورية المسلحة، وسوريا الآن لم تعد لتتحمّل المزيد من الحروب والحركات الانفصالية والانقسامات، كما أن معاناتها بلغت المدى بحيث لم تعد قادرة على خوض مغامرات سياسية جديدة، لهذا مع صعود الرئيس أحمد الشرع للحكم ومحاولته فرض السلام والاستقرار في كافة ربوع سوريا، تمنى السوريون أن يعمّ الهدوء والاستقرار ربوع وطنهم.

لم يكن أمام حكومة الشرع منذ بدء تسلمها السلطة إلا الشروع في محاولة بناء أجهزة الدولة وإعادة بناء الثقة بين المواطن وبين مؤسسات الدولة ومحاولة تحقيق الأمن والاستقرار في كافة ربوع سوريا وعلى كافة أراضيها، وهي ليست بالمهمة السهلة، أما التحدي الأكبر فهو تلك الجماعات التي فقدت امتيازاتها التي كانت تقتات عليها بسبب الحرب في سوريا، والتي وقفت بغاية العناد ضد محاولات الانضواء تحت سلطة حكومة سورية موحدة، بل وشرعت في بث الفرقة وزعزعة الاستقرار واستهداف المواطنين لنشر الفرقة وتأجيج الطائفية.

لا شك أن ما كانت تسعى له قوات سوريا الديموقراطية -قسد- كان يهدف لإبقاء سوريا ممزقة على المدى الطويل، فالتصعيد العسكري الذي تسعى إليه ليس أكثر من طعنات نافذة في جسد الوطن المثقل فعلياً بالجراح، فسوريا بعد صراعاتها المريرة أبعد ما تكون في حاجة لمشاريع انفصالية جديدة، فسوريا كانت وستظل دولة موحدة ولا يمكن أن يتم تقسيمها لدويلات ممزقة تحت أي مسمى.

ما تسيطر عليه قسد كان ولايزال جزءاً لا يتجزأ من أرض سوريا، وأرض سوريا للسوريين جميعاً وليست ملكاً لفصيل أو طائفة أو قوة عسكرية مسلحة بعينها، وليس من حق أي طرف أن يدعي أنها حقه وحده دوناً عن بقية السوريين، فسوريا دولة واحدة مستقرة ومركزية، ينعم أبناؤها بالوحدة والاستقرار، ولا شك أن السوريين جميعهم يرفضون المساس بوحدة بلادهم وضد أي مشاريع للانقسام والانفصال، فهم ضد قيام دويلات ممزقة داخل كيان دولتهم، كما أن ذاكرة الحرب الأهلية لا تزال حاضرة في قلب وعقل كل مواطن عانى ولايزال يعاني من ويلات تلك الحرب.

في ظل المرحلة الدقيقة التي تمر بها سوريا اليوم يتعين على الشعب السوري أن يدرك أن الصراعات لن تؤدي إلا إلى المزيد من الصراعات، وأن هذه الصراعات وعدم الالتفاف حول القيادة الحالية قد يعيد للمشهد فلول الأسد، لذلك ليس أمام سوريا الآن سوى طريق واحد، وهو أن يلتف جميع أبناء الشعب السوري حول قيادته الجديدة التي أثبتت حسن النوايا وبرهنت على سعيها المستمر لإنقاذ سوريا من التمزق، وإعادة بناء الوطن وفقا لأجندة وطنية جامعة تعيد الدولة السورية باعتبارها مظلة لجميع أبناء الشعب دون تفرقة، ولعل اتفاق وقف إطلاق النار بين قسد وبين الحكومة السورية والذي تم توقيعه مؤخراً يعد نقطة تحول تاريخية تعيد بارقة الأمل للسوريين، لأن وحدة الصف الداخلي تمثل اليوم صمام الأمان لعبور هذه المرحلة الحساسة من تاريخ سوريا.

00:02 | 23-01-2026

طعنة في البحر الأحمر..!

على الرغم من أن إقليم أرض الصومال أعلن انفصاله عن الدولة الأم منذ أكثر من ثلاثة عقود، إلا أنه لم يحظَ بأي اعتراف دولي من أي طرف أو من قبل أي دولة، إلى أن اعترفت به إسرائيل مؤخراً في خطوة مريبة ومثيرة للشكوك، ويأتي هذا الاعتراف الإسرائيلي الخارج عن المألوف في الدبلوماسية السياسية تأكيداً على إصرار إسرائيل على أن تظل شوكة في خاصرة المنطقة العربية والشرق أوسطية، وتحدياً لكافة دول المنطقة في وقت يشهد الكثير من الأزمات والتوترات.

ولعله غني عن القول الإشارة إلى ما يتمتع به إقليم أرض الصومال من مزايا استراتيجية عظيمة، فالإقليم الذي يتمتع بموقع جغرافي مميّز يطل على خليج عدن ومضيق باب المندب الذي يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم وشريانها البحري فائق الأهمية، يعد أحد منافذ التجارة العالمية التي تتنافس العديد من الأطراف على السيطرة عليها، ومما لا شك فيه أن تعزيز الحضور الإسرائيلي البحري والاستخباراتي في تلك المنطقة وفي محيط البحر الأحمر تحديداً سيمثل أهمية بالغة لإسرائيل.

من المؤكد أن هذه الخطوة الإسرائيلية الأحادية التي لم تشترك معها فيها أي دولة أخرى بالعالم تأتي في وقت دقيق يتزامن مع العديد من الأحداث الصعبة التي مرت بها المنطقة مؤخراً، فإسرائيل التي غدت تعاني من عزلة سياسية وتصاعد الرفض حولها من العديد من الدول والكثير من الشعوب حول العالم، غدت بحاجة ماسة لتعزيز وجودها السياسي والدبلوماسي حتى لو اقتضى الأمر منها الاعتراف بدولة أعلنت انفصالها منذ ما يزيد على العقود الثلاثة، وهو نهج إسرائيلي معتاد يعكس أجندتها الأنانية في التعاطي مع الأزمات ويجسّد توظيفها للأزمات الإقليمية لخدمة مصالحها الضيقة، وذلك على حساب استقرار الدول ووحدة أراضيها ومصالح شعوبها، فهذا الاعتراف الذي قد يكون على حساب تهجير بعضٍ من سكان غزة أو سبباً لإقامة قواعد عسكرية إسرائيلية على أراضي الإقليم، قد يعزّز من النفوذ الإسرائيلي في محيط البحر الأحمر ويوجِد لإسرائيل موطئ قدم في هذا الممر التجاري شديد الأهمية.

لا تهتم إسرائيل كعادتها بنظرة بقية دول العالم لها كدولة مشاكسة متمردة لا يهمها قتل أكبر عدد ممكن من البشر دونما تحفظ وبدم بارد، غير أن سياستها بالغة الأنانية في توظيف كافة القضايا لخدمة مصالحها الشخصية الآنية اتضحت في اعترافها بإقليم أرض الصومال، وهو ما يبرهن طيلة الوقت على أن إسرائيل ما هي إلا كيان شرس لا يفقه ولا يكترث من الأساس بالتوجه العالمي ولا بالقوانين الدولية التي تضع في أولى أولوياتها احترام سلامة أراضي الدول واستقلالها السياسي.

وبخلاف ذلك لا تعبأ إسرائيل بأن تكون هي صاحبة الطعنة في محيط البحر الأحمر، فاعترافها بإقليم أرض الصومال يعرّض المنطقة طيلة الوقت لأن تسقط في حالة من التوتر وعدم الاستقرار ويحيلها لبؤر صراع قد لا تندمل، ولا يخفى على أي متابع ما قد تؤول إليه الأحوال لو انفجرت الأوضاع في تلك المنطقة الحسّاسة، وهو ما سيفتح الباب واسعاً أمام المزيد من تفكك المنطقة ونهب ثرواتها وضياع شعوبها.

ولعل أخطر ما يتعلق بقضية اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال هو الموقف الأمريكي المتردد للرئيس ترمب الذي لم يعلن موقف الولايات المتحدة بشكل صريح من تلك الأزمة السياسية الجديدة المفتعلة في الجزء الشرقي من القارة الأفريقية، فهو لم يرحّب بالاعتراف بها، غير أنه لم يحسم رفضه للاعتراف بها أيضاً، فاتحاً الباب واسعاً لاتخاذ موقف قد يصب في مصلحة إسرائيل وينحاز لها كما يحدث في أغلب الوقت، ولا شك أنه في حالة الاعتراف الأمريكي باستقلال الإقليم فإن ذلك سيفتح باب الفتن على مصراعيه لاشتعال الأزمات في العديد من دول المنطقة، فعقب الاعتراف الأمريكي بالإقليم قد تتسابق الكثير من الدول للاعتراف به، وهو ما يعني حرباً في المنطقة قد تظل مستمرة لعقود طويلة قادمة.

الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال ليس بالشيء غير المتوقع، بل هو نهج إسرائيلي معتاد تبرزه الأزمات فحسب أكثر وأكثر، فإسرائيل تبحث لنفسها دوماً عن موطئ قدم داخل المناطق الهشة عبر مفهوم الصيد في الماء العكر، فهي تفضل الاستثمارات في الفراغات السياسية وداخل الدول المأزومة، لهذا يتحتم علينا جميعاً إدراك كافة دلالات هذا الاعتراف المريب، فالمنطقة لا تزال تعاني من الكثير من الجراحات والحروب، كما أن التحكّم في منطقة البحر الأحمر يعكس في جوهره القدرة على التحكّم في واحدة من أهم الطرق الاستراتيجية بالعالم كله، وهو ما يعني أن تستمر المنطقة في الغليان لفترة طويلة.

23:56 | 15-01-2026

قضية حضرموت

لعله مما لا جدل فيه أن اليمن تمثّل للمملكة العربية السعودية أهمية بالغة إذ تعدّ لاعباً أساسياً في معادلة الأمن القومي السعودي، ولا تحكم العلاقات السعودية اليمنية الحدود الجغرافية فحسب، بل تتشابك مصالح البلدين السياسية والأمنية على نحو لا يمكن تجاهله أو استبعاده، وقد شهد اليمن الكثير من التطوّرات المتلاحقة خلال العقود الأخيرة الماضية وعانى الكثير من دعوات انفصال جنوب اليمن ومحاولة سيطرة الحوثي على مقاليد السلطة في الدولة، كما واجهته العديد من الأزمات، التي كان سببها التدخل الخارجي في شؤونه الداخلية، وخلال ما يقرب من شهر ضربت اليمن أزمة سياسية وعسكرية وأمنية جديدة بسبب موقف المجلس الانتقالي اليمني الذي يرغب في فصل جنوب اليمن عن شماله.

لا تمثّل اليمن أهمية بالغة للمملكة العربية السعودية فحسب، بل تكتسب أهميتها الإقليمية والدولية من عوامل عديدة لعل أهمها موقعها الاستراتيجي المتمثل في إشرافها على واحد من أهم الممرات الملاحية الدولية بالعالم وهو مضيق باب المندب، الذي يمثّل الشريان الرئيسي لممرات التجارة العالمية، لذلك فإن كل ما يحدث في اليمن يؤثر على المجال الأمني والسياسي والعسكري والاقتصادي للبحر الأحمر، وهو ما تنعكس تداعياته على كافة دول العالم.

غير أنه لا يمكن بحال من الأحوال دعم الاستقرار في اليمن دون أن تحظى بحكومة قوية ومستقرة، ولهذا يعد دعم الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً ركيزة أساسية وحلّاً وحيداً للوصول لحل سياسي مستدام في اليمن، فالحكومة الشرعية المعترف بها دولياً هي الإطار السياسي والقانوني الوحيد الذي يمكنه تمثيل الدولة اليمنية بكل مقوّماتها وطوائف شعبها، ومن هنا نبع الدعم القوي من المملكة للحكومة الشرعية في اليمن، وهي الطرف الوحيد القادر على الحفاظ على مؤسسات الدولة وتحقيق الاستقرار وحماية حقوق كافة المواطنين اليمنيين.

لا شك أن العناصر والأطراف التي تسعى لتقويض دعائم الدولة في اليمن كثيرة ومتعدّدة، فالكل يدرك الأهمية الكبيرة التي تحتلها اليمن سواء على الصعيد الجغرافي أو السياسي، ولعله من الواضح للعيان كمية الأخطار التي سوف تحدق بالعالم في حال سيطرة الجماعات المتطرفة أو الإرهابية عليها وعلى الممرات الملاحية المهمة التي تطل عليها، وبالتالي على التجارة العالمية ولاسيما إمدادات الطاقة حول العالم، ومن هنا يكتسب اهتمام المملكة بما يدور في اليمن أبعاداً جديدة ومهمة، فالتحالف الذي تقوده السعودية هدفه حماية الدولة من الانهيار وتفككها وتحوّلها لكيانات صغيرة متناحرة.

وفي خضمّ محاولات رأب الصدع داخل الدولة اليمنية التي تعاني من الأساس من مشاكل كثيرة، وخلال السعي الحثيث لمحاولة بسط الاستقرار فيها، يظهر المجلس الانتقالي اليمني ليطرح مشروعاً انفصالياً يدعو لتقسيم اليمن، وفي واقع الأمر لا يحتاج اليمن دعوات انفصالية لن يحصل منها إلا على المزيد من التفكك والانقسام، ولا شك أن انقسام الدول هو واحد من أسوأ الكوابيس التي قد تمر على أي دولة، ذلك أنه يفتح الباب على مصراعيه لحروب طويلة قد لا تنتهي.

وفي الوقت الذي تسعى فيه كافة الدول -سواء قديماً أو حديثاً- لعودة أقاليمها المنفصلة عنها وتوحيدها وبسط سيطرتها على كافة أراضيها التاريخية بل وضم مناطق أخرى لها في حال تشاركها معها اللغة أو التاريخ أو الجغرافيا أو الدين، تظهر دعوات المجلس الانتقالي اليمني مثيرة للريبة والشكوك، ولاسيما وهو يستخدم السلاح لفرض أجندته على الواقع في اليمن بطريقة تعسفية، وتأتي استضافة المملكة العربية السعودية لمؤتمر الجنوب في الرياض تأكيداً على رغبتها في احتواء الأزمة ودعوة كافة الأطراف إلى الحوار.

لا شك أن إدراك المملكة لهذا الموقف الخطير الذي يحيط باليمن هو السبب الأساسي لسعيها لإنقاذه، فلو غضّت المملكة الطرف عمّا يحدث في اليمن، وتجاهلت ما يحدث لجر اليمن لمستنقع الانقسام والتفكك، فإن ذلك سيكون له العديد من التداعيات الأمنية على المملكة وعلى المنطقة كلها، وسيفتح الباب على مصراعيه لأي طرف يريد العبث بأمن الدول الآمنة والمستقرة، وما لا شك فيه أن علاقة المملكة العربية السعودية باليمن ليست ملفاً عابراً أو اهتماماً عشوائياً، بل هي قضية استقرار إقليمي ومصير مشترك، ودون جدال يعد دعم الشرعية في اليمن ممثلاً في مساندة الحكومة المعترف بها دولياً هو الطريق الوحيد لدعم وحدة اليمن والحفاظ على حقوق شعبه.

00:00 | 9-01-2026