أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/294.jpg?v=1762092635&w=220&q=100&f=webp

محمد مفتي

الاستثمار الأجنبي.. كيف أصبحت السعودية وجهة عالمية

لم تعد المملكة العربية السعودية تنظر إلى الاستثمار الأجنبي باعتباره مجرد وسيلة لجذب رؤوس الأموال، بل أصبح جزءاً أساسياً من مشروع التحوّل الاقتصادي الذي تشهده البلاد، فمع انطلاق رؤية 2030 شرعت المملكة في تدشين بيئة اقتصادية أكثر انفتاحاً وتنافسية، تهدف إلى استقطاب الشركات العالمية والخبرات والتقنيات من كافة دول العالم، ولم يعد المستثمر الأجنبي ينظر إلى السعودية باعتبارها سوقاً نفطية ضخمة فحسب، بل أضحت المملكة سوقاً واسعة توفر فرصاً في قطاعات متعددة، من السياحة والترفيه والتقنية والطاقة المتجدّدة إلى الصناعة والخدمات اللوجستية، هذا بخلاف حجم الاقتصاد السعودي وموقع المملكة الجغرافي اللذين يمنحانها ميزات إضافية عديدة، ويؤهلها لأن تغدو قاعدة انطلاق للوصول إلى أسواق الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا في آن واحد، وهذه المزايا مجتمعة جعلت السعودية أكثر حضوراً على خريطة الاستثمار العالمي، خصوصاً مع تسارع تنفيذ المشاريع الكبرى التي تفتح مجالات جديدة أمام المستثمرين والشركات الدولية.

واللافت في التجربة السعودية أن جذب الاستثمار الأجنبي لم يعد قائماً أو مرتكزاً فقط على الحوافز المالية، وإنما أصبح مرتبطاً أكثر بإعادة بناء وهيكلة البيئة الاستثمارية نفسها، فالمملكة تعمل على تطوير الأنظمة والإجراءات التي تعمل على تحسين سهولة عمليات الاستثمار، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما يمنح المستثمر درجة أكبر من الوضوح والاستقرار، كما أن التحوّل الرقمي ساهم في تسريع الكثير من الخدمات الحكومية وساعد في تقليل الإجراءات التقليدية التي كانت تمثل –في السابق- عائقاً أمام المستثمرين.

وفي المقابل فإن المشاريع الكبرى في مجالات السياحة والبنية التحتية والنقل والتقنية والطاقة والصناعات المتقدمة توفر فرصاً استثمارية متنوعة، والأهم أن المستثمر الأجنبي يجد أمامه سوقاً محلية كبيرة وقوة شرائية مرتفعة، مما مكن المملكة من توفير تجربة فريدة ومميّزة ومختلفة للمستثمر، تشمل أسواقاً ضخمة يعززها موقع إستراتيجي متميّز مع مشاريع محلية ضخمة، تدعمها برامج تحوّل اقتصادي رفيعة المستوى تخلق طلباً مستمراً على المنتجات والخدمات والاستثمارات الجديدة.

غير أنه من الجدير بالذكر أن أهمية الاستثمار الأجنبي بالنسبة للسعودية تكمن فيما يمكن أن يصاحب هذه الاستثمارات من معرفة وتقنيات وخبرات وفرص عمل وتطوير للكوادر الوطنية وتوطين للصناعات ودمج التكنولوجيا في نسيج التصنيع، فعندما تدخل شركة عالمية إلى السوق السعودية، فإنها تنقل معها أساليب إدارية وتقنيات متقدّمة ومعايير عالمية في الإنتاج والخدمات، وهذا ما يجعل الاستثمار الأجنبي أحد أدوات بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على المنافسة، كما أن وجود الشركات العالمية داخل المملكة يمكن أن يدفع الشركات المحلية إلى رفع مستوى الكفاءة والجودة والابتكار حتى تتمكن من المنافسة والشراكة في الوقت نفسه، ومن هنا يصبح الهدف الحقيقي ليس مجرد زيادة عدد المستثمرين الأجانب، وإنما بناء منظومة اقتصادية تستفيد من وجودهم على المدى الطويل.

غير أن المحافظة على جاذبية المملكة الاستثمارية تتطلب استمرار التطوير على نحو مستدام، فالمنافسة بين الدول على استقطاب الاستثمارات العالمية أصبحت عالية الوتيرة، والدول لا تتنافس فيما بينها بإغداق الحوافز على المستثمرين فحسب، وإنما تتفنن في تجويد الأنظمة وتسريع الإجراءات وتحسينها، وتوفير الكفاءات وتطوير البنية التحتية والعمل على استقرار البيئة الاقتصادية وتحسين قدرة السوق على النمو، بحيث ترتبط الاستثمارات الأجنبية بأهداف واضحة في نقل التقنية وتوطين الصناعات وتنمية المنتج وخلق الوظائف وزيادة الصادرات.

وهنا تكمن أهمية التحول الذي تشهده السعودية التي لا تبحث فقط عن المستثمر الذي يضخ أمواله فيها، وإنما تسعى إلى بناء علاقة طويلة الأمد تجعله جزءاً لا يتجزأ من قصة التنمية وقضيتها، وتجعل التنمية نفسها فرصة استثمارية قادرة على جذب المزيد والمزيد من المستثمرين من كافة أرجاء العالم.

منذ ساعتين

إيران بين الحرب والعقوبات.. أيهما أشد تأثيرًا ؟!

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران محصورة في الصواريخ والطائرات والمسيّرات، بل انتقلت بصورة متزايدة إلى جبهة أكثر هدوءًا وأطول زمناً وهي الاقتصاد، فالعقوبات الأمريكية الأخيرة تضع طهران أمام اختبار مختلف، لأنها تستهدف مصادر التمويل التي تحتاجها إيران لتنفيذ سياساتها الداخلية والخارجية، فالحرب العسكرية تضرب المنشآت والبنية التحتية خلال ساعات، لكنها تظل مرتبطة بحدود جغرافية وزمنية، بينما تستطيع العقوبات أن تمتد عبر البنوك والشركات والسفن والتجارة والطاقة لسنوات، ولهذا تبدو المعركة الاقتصادية في بعض الأحيان أكثر تعقيدًا من المواجهة العسكرية المباشرة، فالقنبلة تستطيع تدمير منشأة، لكن العقوبة تستطيع تعطيل قدرتها على إعادة البناء وشراء المعدات وتمويل عملياتها، ومن هنا يمكن فهم إصرار واشنطن على توسيع دائرة العقوبات، ومحاولة جعل التعامل مع الاقتصاد الإيراني نفسه مخاطرة بالنسبة إلى الآخرين، إنها حرب يمكن لآثارها أن تصل إلى كل بيت وسوق ومؤسسة في إيران.

الحرب العسكرية -رغم قسوتها- تمنح الدولة المستهدفة أحيانًا فرصة للالتفاف والاستفادة منها، فعندما تتعرّض دولة لهجوم خارجي، يمكن للسلطة الحاكمة أن تقدّم نفسها باعتبارها المدافع عن السيادة الوطنية، وأن تحوّل الخلافات الداخلية إلى قضية وطنية، وهو ما حدث في طهران والتي استغلت التهديد الخارجي لتعزيز خطاب المقاومة وتعبئة الشارع، أما العقوبات الاقتصادية فمختلفة تماماً شكلاً وموضوعًا؛ فهي لا تستخدم الطائرات المقاتلة أو الصواريخ، وإنما تنعكس في ارتفاع الأسعار، وتراجع قيمة العملة، وصعوبة الاستثمارات وعرقلة التكنولوجيا، وتقلص فرص العمل، ولذلك فإن تأثيرها السياسي أكثر تعقيدًا؛ فهي تدفع المجتمع إلى تحميل الحكومة مسؤولية الأزمة، وبمرور الوقت تتفاقم الأزمات وتتوسع على أكثر من صعيد.

غير أن إيران تتمتع بخبرة طويلة في التعامل مع العقوبات، وهو ما يجعل الاعتقاد بأن الضغط الاقتصادي سيؤدي سريعًا إلى انهيار النظام أمرًا مبالغًا فيه، فقد طورت طهران خلال العقود الماضية شبكات تجارية ومالية معقدة، واعتمدت على وسطاء وأسواق بديلة وطرق مختلفة لتصدير النفط والحصول على العملات الأجنبية، كما أن تمتعها بشبكة علاقات مع شركاء اقتصاديين كبار -وفي مقدمتهم الصين- يمنحها منافذ يصعب إغلاقها بالكامل، لكن الخبرة في الالتفاف على العقوبات لا تعني أن العقوبات بلا تأثير، فكل عملية بيع أو تحويل مالي تتم عبر قنوات أكثر تعقيدًا تصبح أكثر تكلفة وأقل كفاءة، وكل شركة دولية تتردد في التعامل مع إيران تضيّق مساحة الحركة أمام الاقتصاد الإيراني، وهنا يظهر الفرق بين الحرب والعقوبات، فالحرب قد تحقق نتائج ضخمة وسريعة، لكنها تحمل مخاطر التصعيد، بينما العقوبات تحقق استنزافًا تدريجيًا، غير أنها قد تكون أكثر قدرة على إنهاك الاقتصاد إذا استمرت لفترة طويلة، ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس أيهما أقوى في فترة زمنية محددة، بل أيهما يستطيع الاستمرار لفترة زمنية أطول.

ومن زاوية أخرى تحمل الحرب العسكرية ضد إيران خطرًا لا يمكن تجاهله، وهو إمكانية خروج المواجهة عن السيطرة، فضربة واحدة قد تستدعي ردًا، والرد قد يقود إلى رد آخر، وهو ما قد ينتهي بمواجهة مفتوحة يصعب تحديد نهايتها، أما العقوبات فتمنح واشنطن مساحة أكبر للتحكم في مستوى التصعيد، إذ تستطيع إضافة كيانات جديدة أو توسيع نطاق العقوبات أو تخفيفها وفقًا لتطورات الموقف السياسي.

لكن هذه الأداة ليست خالية من المخاطر أيضًا؛ فلو وصلت الضغوط الاقتصادية إلى مستوى شديد، فقد تلجأ إيران إلى خطوات تصعيدية إقليمياً أو في أسواق الطاقة للرد على الولايات المتحدة، كما أن الضغط على صادرات النفط الإيرانية يمكن أن يؤثر في أسواق الطاقة العالمية، ما يجعل العقوبات قضية تتجاوز العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران، ولذلك تبدو المعركة الاقتصادية أشبه بحرب أعصاب طويلة المدى.

غير أنه في نهاية المطاف لا تبدو المقارنة بين الحرب والعقوبات مسألة اختيار بسيط بين أداتين، بل هي مقارنة بين نوعين مختلفين من الضغوط، حرب عسكرية أكثر تدميرًا وسرعة، لكنها أكثر خطورة وأعلى تكلفة سياسيًا وإنسانيًا، وعقوبات أبطأ وأكثر تدرجًا، لكنها تستطيع استنزاف الاقتصاد وإضعاف قدرة الدولة على تمويل سياساتها لفترة طويلة، ولهذا يبدو أن واشنطن تراهن على أن الضغط الاقتصادي يمكن أن يحقق ما لا تستطيع الحرب تحقيقه من دون الدخول في مواجهة شاملة، لكن نجاح هذه الإستراتيجية سيعتمد على عاملين أساسيين، أولهما هو قدرة إيران على إيجاد منافذ اقتصادية بديلة، وثانيهما هو قدرة الولايات المتحدة على إقناع شركائها بالالتزام بالعقوبات، وفي كل الأحوال تظهر الجبهة الاقتصادية اليوم كواحدة من أهم ساحات الصراع بين إيران وبين كافة دول المنطقة.

00:00 | 4-09-2026

اليوم التالي للحرب.. كيف سيبدو الشرق الأوسط حينها؟

يخطئ من يعتقد أن الحروب تنتهي عند آخر طلقة، أو تُقاس نتائجها بعدد الصواريخ أو حجم الدمار الذي تسبّبت فيه فحسب، لأن النتائج الحقيقية للحروب تكمن فيما تتركه من تحوّلات سياسية واقتصادية وأمنية تعيد رسم ملامح المرحلة التالية، ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية اليوم لا يتمحور حول من سينتصر، بل سيدور حول وضع الشرق الأوسط في اليوم التالي للحرب، وهل سينتج عن المواجهات الحالية واقع أكثر استقراراً، أم مرحلة جديدة من الاضطرابات؟

عاش الشرق الأوسط خلال العقود الماضية سلسلة طويلة من الصراعات التي غيّرت خرائط النفوذ والتحالفات وأعادت تشكيل الأولويات، ومع كل صراع جديد يندلع تدخل المنطقة مرحلة جديدة سواء على صعيد موازين القوى أو على مستوى طبيعة العلاقات الإقليمية أو حجم التدخلات الدولية، واليوم تبدو المنطقة أمام محطة جديدة قد تفرض معادلات مختلفة سواء استمرت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران أو انتهت بتفاهمات سياسية جديدة.

لعل أول ملامح هذه المرحلة سيكون إعادة تقييم موازين القوة، فمع كل مواجهة عسكرية تتكشف قدرات كل طرف، مما يدفع الدول إلى مراجعة إستراتيجياتها الدفاعية والأمنية، كما أن نتائج الحرب ستؤثر في طريقة تعامل القوى الإقليمية مع الملفات الحساسة، وستحدد شكل التحالفات التي قد تنشأ خلال السنوات المقبلة، وسياسياً من المحتمل أن يكون الحوار هو العنوان الذي لا يمكن تجاوزه، فمهما بلغت حدة المواجهات، أثبتت الوقائع أن الحروب تنتهي في نهاية المطاف بطاولة المفاوضات، لكن نجاح أي مفاوضات مستقبلية سيتوقف على مدى استعداد الأطراف المنخرطة فيها لمعالجة جذور الأزمة، وليس الاكتفاء بإبرام اتفاقات مؤقتة، فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق بوقف إطلاق النار وحده، بل ببناء تفاهمات تضمن خفض التوتر وتمنع تكرار الأزمات.

أما اقتصادياً فستواجه المنطقة تحديات كبيرة، لكنها قد تجد أيضاً فرصاً جديدة، فالحروب تؤثر في حركة التجارة وأسواق المال والاستثمار والنقل البحري وأسعار الطاقة، لكن مرحلة ما بعد الحرب قد تشهد جهوداً واسعة لاستعادة الثقة بالاقتصادات الإقليمية، والسعي إلى جذب الاستثمارات، وإعادة تنشيط المشاريع الكبرى التي تأثرت بالتصعيد، وسيكون نجاح هذه الجهود مرتبطاً بقدرة الدول على توفير بيئات مستقرة وآمنة، ولا شك أنه لا يمكن تجاهل الدور الذي ستلعبه دول الخليج في هذه المرحلة، لكونها رسخت خلال السنوات الأخيرة نهجاً يقوم على التنمية الاقتصادية، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز الشراكات الدولية، ومن المتوقع أن تستمر دول الخليج في الدفع نحو التهدئة، كون الاستقرار هو الأساس الذي تقوم عليه التنمية المستدامة، ولإيمانها بأن أي تصعيد طويل الأمد ستكون له انعكاسات مباشرة على المنطقة بأكملها.

كما أن المجتمع الدولي سيجد نفسه أمام مسؤولية كبيرة في مرحلة ما بعد الحرب، فالشرق الأوسط ليس مجرد منطقة ذات أهمية جغرافية، بل يمثل محوراً رئيسياً في أسواق الطاقة والتجارة العالمية، ولذلك فإن استقرار المنطقة أصبح مصلحة دولية، وليس شأناً إقليمياً فقط، ومن المرجح أن تتزايد المبادرات الدبلوماسية الرامية إلى تثبيت التهدئة، وإطلاق مسارات حوار تعالج الملفات العالقة، ولعل أبرز القضايا التي ستفرض نفسها بعد انتهاء الحرب هي قضية أمن الممرات البحرية وسلامة حركة التجارة الدولية، فقد أثبتت الأزمات الأخيرة أن أي اضطراب في هذه الممرات ينعكس سريعاً على الاقتصاد العالمي، سواء من خلال ارتفاع تكاليف النقل أو تقلبات أسعار النفط أو زيادة مخاطر التأمين، ولهذا سيكون تعزيز أمن الملاحة أحد أهم الملفات المطروحة على أجندة المرحلة المقبلة.

غير أن التفاؤل يجب أن يظل واقعياً؛ فاليوم التالي للحرب قد يحمل تحديات معقدة إذا بقيت أسباب الخلاف دون معالجة، فالمنطقة تحتاج إلى بناء الثقة بين كافة الأطراف، واحترام القانون الدولي، والاعتماد على الحوار وسيلة لحل النزاعات، لأن العودة إلى دوامة التصعيد لن تؤدي إلا إلى استنزاف جديد للموارد والفرص، ويقف الشرق الأوسط اليوم أمام فرصة تاريخية، فإذا أُحسن استثمار اليوم التالي للحرب، قد تتحول الأزمة إلى نقطة انطلاق نحو مرحلة أكثر استقراراً وتعاوناً.

ويبقى الأمل في أن يكون اليوم التالي للحرب بداية لشرق أوسط مختلف؛ شرق أوسط تُبنى فيه العلاقات على المصالح المشتركة، ويُنظر إلى التنمية باعتبارها أقوى أدوات الأمن، ويصبح الحوار هو السبيل الأول لحل الخلافات، فالتاريخ لا يخلد الحروب، بل يخلد اللحظات التي انتصرت فيها الحكمة على السلاح، واختارت فيها الدول صناعة المستقبل بدلاً من البقاء أسيرة لصراعات الماضي وآلامه.

00:00 | 28-08-2026

إيران والحرب النفسية

إذا كانت الصواريخ تترك آثارها على الأرض، فإن الحرب النفسية تترك ندوبها في العقول، وربما لهذا السبب لم تعد طهران ترى أن المواجهة تُحسم في ميادين القتال وحدها، بل تندلع في مساحة أوسع؛ مساحة الخوف والشك والارتباك وصناعة الانطباعات، إنها معركة لا تُقاس بعدد الطلقات، وإنما بقدرة رسائلها على زعزعة الثقة، وخلق الاضطرابات ودفع الخصم إلى التردد قبل أن تبدأ المواجهة، ومن الواضح أن إيران أدركت مبكرًا أن الحرب النفسية ليست سلاحًا مساعدًا، بل سلاح إستراتيجي قادر على تعويض الكثير من الفوارق العسكرية، ولهذا لم يكن مستغربًا أن تجعل من الإعلام والتصريحات السياسية واستعراض القوة أدوات متكاملة تعمل جنبًا إلى جنب مع أدواتها العسكرية، فالغاية ليست فقط امتلاك القوة، وإنما إقناع الآخرين بأن هذه القوة حاضرة، وأن استخدامها خيار قائم في أي لحظة.

وفي كل أزمة إقليمية تقريبًا يتكرر المشهد ذاته، تصريحات نارية ورسائل متبادلة وصور لمنظومات صاروخية ومناورات عسكرية وخطابات تتحدث عن الرد الحاسم، إنها ليست رسائل عابرة، بل جزء من معركة تستهدف التأثير في حسابات الخصم قبل أن يتحرك، وإيصال رسالة مفادها بأن تكلفة أي مواجهة ستكون باهظة، ولا تتوقف الحرب النفسية الإيرانية عند حدود البيانات الرسمية، بل تمتد إلى الفضاء الإعلامي والرقمي، حيث تتحوّل المعلومة إلى سلاح، والصورة إلى رسالة، والشائعة إلى أداة ضغط.

تقوم هذه الإستراتيجية على فكرة مفادها أن الإنسان قد يخاف مما يجهله أكثر مما يخاف مما يعرفه، لذلك تعتمد إيران في كثير من الأحيان على إبقاء جزء من قدراتها وخياراتها في دائرة الغموض، لأن الغموض نفسه يصبح عنصرًا من عناصر الردع، فالخصم الذي لا يستطيع التنبؤ بما سيحدث، سيحسب خطواته مرات عديدة قبل أن يقدم على أي مغامرة، غير أن المشكلة في الحرب النفسية أنها لا تميّز بين العسكري والمدني، فهي تستهدف المجتمع كله، وتسعى إلى خلق حالة من القلق والارتباك وإشغال الناس بالتوقعات والشائعات أكثر من الحقائق، وهنا تتحوّل الأخبار غير الموثقة إلى وقود لحالة من الضبابية، وعندها قد يصبح تداول الشائعة أخطر من إطلاق قذيفة.

ولذلك فإن أحد أخطر أهداف الحرب النفسية هو صناعة صورة ذهنية تتجاوز الواقع، فقد لا يكون المطلوب تحقيق انتصار عسكري كامل، بقدر ما يكون المطلوب إقناع الآخرين بأن هذا الانتصار قد تحقق بالفعل، أو أن الهزيمة أصبحت حتمية، إنها معركة الإدراك قبل أن تكون معركة الميدان، ومعركة الشائعة قبل أن تكون معركة السلاح، غير أنه من الخطأ الاعتقاد بأن إيران وحدها تمارس هذا النوع من الحروب، فالقوى العظمى جميعها تستخدم أدوات مشابهة، كل وفق إمكاناته وأهدافه، ويكمن الفارق فحسب في الأسلوب وحجم التأثير، وفي قدرة كل طرف على إدارة الرواية الإعلامية وتوظيفها لخدمة أهدافه السياسية والعسكرية.

لقد أثبتت الأزمات المتلاحقة في المنطقة أن أخطر الحروب ليست دائمًا تلك التي تعج بأصوات الانفجارات، وإنما تلك التي تُزرع فيها الشكوك داخل العقول، فالدول التي تنجح في إدارة الحرب النفسية قد تحقق مكاسب سياسية حتى وإن كانت خسائرها العسكرية كبيرة، بينما قد يخسر طرف آخر معركة الصورة رغم تفوقه الميداني، ولهذا فإن أخطر ما في الحرب النفسية الإيرانية ليس كثرة التصريحات أو استعراض الصواريخ، وإنما محاولة فرض معادلة تقوم على أن الخوف وحده يكفي لتحقيق المكاسب، وذلك على الرغم من أن هذه المعادلة ليست مضمونة النجاح دائمًا، لأن الحرب النفسية مهما بلغت قوتها تصطدم في النهاية بواقع الميدان وحقائق الأحداث، فإذا فقدت الرسائل مصداقيتها، تحوّلت من وسيلة ردع إلى عبء على صاحبها، وتآكل تأثيرها تدريجيًا.

من المؤكد أن الحروب الحديثة لم تعد تُدار بالسلاح وحده، بل بالعقل والحيل والمناورات النفسية أيضًا، ومن يقرأ المشهد بعين واعية يدرك أن أخطر ما في الصراع ليس ما يُطلق من منصات الصواريخ، بل ما يُزرع في العقول من أوهام ومخاوف ورسائل محسوبة، ولهذا فإن الوعي بتلك الحيل والتحقق من المعلومات ورفض الانجرار وراء الدعاية، هي الأسلحة الحقيقية في مواجهة أي حرب نفسية، فالمعركة تبدأ في العقل قبل أن تصل إلى الميدان، ومن يربح العقول يقترب كثيرًا من ربح السياسة حتى وإن تأخر حسم السلاح.

00:01 | 21-08-2026

الشرق الأوسط بين الحرب والسلام

يقف الشرق الأوسط اليوم عند مفترق طرق تاريخي، تتجاذبه احتمالات الحرب من جهة، وآمال السلام من جهة أخرى، فمنذ عقود لم تعرف المنطقة استقرارًا طويل الأمد، إذ سرعان ما تتحوّل محاولات التهدئة إلى موجات جديدة من التوتر، لتعود الأزمات إلى الواجهة، ومع التطورات الأخيرة وعودة المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، يتجدّد السؤال القديم: هل يستطيع الشرق الأوسط أن ينتقل من مرحلة الصراع إلى مرحلة الاستقرار، أم أن الحروب ستظل العنوان الأكثر حضورًا في المشهد الإقليمي؟.

لا تقتصر آثار الحروب على ساحات القتال، بل تمتد إلى الاقتصاد والتعليم والصحة والاستثمار وفرص العمل وجودة الحياة، وكلما اندلعت أزمة جديدة تراجعت خطط التنمية وارتفعت مستويات القلق وتأثرت حركة التجارة وتحولت الأولويات إلى محاولة إدارة الأزمات بدلًا من صناعة المستقبل، ورغم ذلك فقد أظهرت السنوات الأخيرة تحوّلًا مهمًا في توجهات عدد من دول المنطقة، فقد أصبح الاستثمار في الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل وتطوير البنية التحتية وجذب الاستثمارات العالمية، أهدافًا إستراتيجية تتطلب بيئة آمنة ومستقرة، وهذا التحوّل يعكس إدراكًا متزايدًا بأن المستقبل لا يُبنى بالصراعات، وإنما بالتنمية والابتكار والتعاون الاقتصادي.

غير أن طريق السلام لا يزال مليئًا بالعقبات؛ فالشرق الأوسط يحمل إرثًا طويلًا من الخلافات السياسية والأمنية، كما أن تشابك المصالح الإقليمية والدولية يجعل أي أزمة محلية قابلة للتحوّل إلى أزمة أوسع، ولهذا فإن أي تصعيد عسكري لا يبقى محصورًا داخل حدود دولة واحدة، بل تمتد آثاره إلى المنطقة بأسرها -وربما إلى الاقتصاد العالمي- خاصة عندما يتعلق الأمر بأمن الممرات البحرية أو أسواق الطاقة.

من المؤكد أن السلام لا يعني غياب الخلافات، بل يعني وجود آليات قادرة على إدارتها دون اللجوء إلى السلاح، وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الشرق الأوسط اليوم، فقد تتباين الدول فيما يتعلق بالرؤى والمصالح، لكن نجاحها في معالجة هذه الخلافات بالحوار يمنع تحوّلها إلى نزاعات مفتوحة تستنزف الجميع، وقد أثبتت العديد من التجارب أن الحرب مهما حققت من مكاسب عسكرية مؤقتة، لا تستطيع وحدها أن تفرض استقرارًا دائمًا، فبعد كل جولة من القتال غالباً ما تعود الأطراف إلى طاولة التفاوض (ولكن بعد العديد من الخسائر البشرية والاقتصادية والسياسية التي كان يمكن تجنّبها)، ولهذا فإن الحكمة تقتضي أن تكون الدبلوماسية هي الخيار الأول، لا الأخير.

كما أن المجتمع الدولي يتحمّل مسؤولية كبيرة في دعم الاستقرار الإقليمي، فالمنطقة تمثل أهمية إستراتيجية للعالم، سواء من حيث الطاقة أو التجارة أو الموقع الجغرافي، ومن ثم فإن أي اضطراب فيها ينعكس على الاقتصاد العالمي، ويؤثر في سلاسل الإمداد، ويزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق الدولية، لذلك فإن دعم جهود الوساطة وتشجيع الحلول السياسية ليس مصلحة إقليمية فحسب، بل مصلحة دولية أيضًا.

ومن اللافت أن شعوب المنطقة أصبحت أكثر وعيًا بأهمية الاستقرار، فالأجيال الجديدة تتطلع إلى فرص العمل والتعليم وسيادة التكنولوجيا وريادة الأعمال، أكثر من تطلعها إلى الصراعات، وهي تدرك أن المنافسة في عالم اليوم تقوم على الاقتصاد والمعرفة والابتكار، لا على استمرار النزاعات التي تستنزف الموارد وتؤخر التنمية، وقد أثبتت نماذج تنموية ناجحة أن الاستقرار يمثل الركيزة الأساسية لأي نهضة اقتصادية، فحين تتوافر بيئة آمنة، تنمو الاستثمارات وتتوسع المشاريع الكبرى وتزداد فرص العمل، ويصبح المستقبل أكثر وضوحًا وثقة، ولهذا فإن الحفاظ على الأمن والاستقرار لم يعد مجرد هدف سياسي، بل أصبح ضرورة اقتصادية واجتماعية.

غير أن السلام الحقيقي يحتاج إلى بناء الثقة بين الأطراف المختلفة، واحترام مبادئ القانون الدولي، كما يحتاج إلى خطاب إعلامي مسؤول يبتعد عن التحريض، ويعزز ثقافة الحوار والتفاهم، وها هو الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مسارين مختلفين تمامًا؛ مسار يقود إلى استمرار دوامة الحروب وما تحمله من خسائر، وآخر يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تقوم على التنمية والتعاون والشراكات الاقتصادية.

ويبقى الأمل قائمًا في أن تكون المرحلة المقبلة بداية لترسيخ ثقافة السلام، فالمنطقة تمتلك إمكانات اقتصادية وبشرية هائلة، وإذا توافرت لها بيئة مستقرة، فإنها ستكون قادرة على أن تتحوّل إلى مركز عالمي للتنمية والاستثمار والابتكار، وبين الحرب والسلام يبقى السلام هو الخيار الذي يصنع المستقبل، بينما لا تترك الحروب سوى الخسائر التي تحتاج سنوات طويلة لتعويضها.

00:07 | 14-08-2026

المليشيات الموالية لإيران ومستقبل الأمن الإقليمي

منذ سنوات عديدة لم يعد التهديد الذي تواجهه العديد من دول الشرق الأوسط يقتصر على الجيوش النظامية أو النزاعات التقليدية، بل برز تحدٍ أكثر تعقيدًا يتمثل في المليشيات المسلحة التي تعمل خارج إطار الدولة، وتحمل ولاءات تتجاوز الحدود الوطنية، وقد أصبحت هذه الجماعات المدعومة من إيران لاعبًا رئيسيًا في رسم ملامح المشهد الأمني، الأمر الذي جعل استقرار المنطقة رهينة لقرارات لا تصدر عن حكومات مسؤولة، بل جعلها رهينة لتنظيمات تمتلك السلاح وتتحرك وفق حسابات سياسية وعسكرية خاصة بها.

لا شك أن سياسة الاعتماد على الوكلاء ليست ظاهرة جديدة، لكنها بلغت في السنوات الأخيرة مستوى غير مسبوق على صعيد الإمكانات العسكرية التي تملكها تلك المليشيات وعلى نطاق العمليات العسكرية التي تخوضها، فالصواريخ والطائرات المسيّرة لم تعد حكرًا على الجيوش، بل أصبحت في متناول جماعات مسلحة قادرة على استهداف منشآت حيوية، وتهديد المدن، وإرباك حركة الملاحة، والتأثير في الاقتصاد الإقليمي والدولي.

وتبرز خطورة هذا الواقع عندما تتحول أراضي بعض الدول إلى منصات تنطلق منها الهجمات ضد دول الجوار، فمثل هذا المشهد لا يمثل اعتداءً على الدولة المستهدفة فحسب، بل يضع الدولة التي تنطلق منها تلك العمليات أمام اختبار حقيقي يتعلق بسيادتها وقدرتها على فرض القانون، وخلال الأعوام الماضية واجهت المملكة العربية السعودية سلسلة من التهديدات التي استهدفت أمنها ومنشآتها الحيوية، سواء عبر الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، ولم يكن الهدف من هذه الاعتداءات تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة بقدر ما كان سعياً إلى زعزعة الاستقرار وإرسال رسائل سياسية عبر استهداف الاقتصاد وأمن الطاقة، ومع ذلك أثبتت المملكة قدرة كبيرة على تطوير منظوماتها الدفاعية، وتعزيز جاهزيتها الأمنية، والعمل مع شركائها الإقليميين والدوليين للحفاظ على استقرار المنطقة.

لا يقتصر أثر هذه الاعتداءات على السعودية وحدها، فاستهداف المنشآت النفطية أو الممرات البحرية ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي ككل، فالمنطقة تمثل شريانًا رئيسيًا لتجارة الطاقة، وأي اضطراب فيها ينعكس على الأسواق الدولية، ويؤثر في سلاسل الإمداد، ويرفع مستوى القلق لدى المستثمرين، ولهذا فإن أمن الخليج لم يعد قضية إقليمية فقط، بل أصبح جزءًا من منظومة الأمن الاقتصادي العالمي.

من جهة أخرى يفرض استمرار نشاط المليشيات أثمانًا باهظة على الدول التي تنشط داخلها، فوجود السلاح خارج مؤسسات الدولة يضعف هيبتها، ويحد من قدرتها على اتخاذ قراراتها السيادية، ويؤثر في ثقة المستثمرين، ويعرقل جهود التنمية والإعمار، كما أن المواطن العادي هو أول من يدفع ثمن هذه الفوضى، عندما تتراجع الخدمات، وتتقلص فرص العمل، وتصبح الأولوية للصراع بدلًا من البناء، وقد أثبتت العديد من التجارب الإقليمية أن المليشيات قد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها لا تبني دولًا مستقرة، ولا تصنع اقتصادًا قويًا، ولا توفر مستقبلًا آمنًا للأجيال القادمة، فالاستثمار يحتاج إلى استقرار، والدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم في ظل تعدد مراكز القرار العسكري.

كما أن استمرار استخدام هذه الجماعات كأدوات في الصراعات الإقليمية يزيد من احتمالات سوء التقدير، ويجعل أي حادث محدود قابلًا للتحول إلى أزمة واسعة يصعب احتواؤها، ولذلك فإن ضبط هذا المسار يمثل مصلحة مشتركة لجميع دول المنطقة لأن الأمن لا يتجزأ، وأي اضطراب في دولة سينعكس عاجلًا أو آجلًا على جيرانها، ولذلك فإن مستقبل الأمن الإقليمي يرتبط بمدى نجاح دول المنطقة في دعم مفهوم الدولة الوطنية، وتعزيز مؤسساتها، وحصر السلاح بيد السلطات الشرعية، وتجفيف منابع تمويل الجماعات المسلحة، إلى جانب ترسيخ الحوار والدبلوماسية واحترام سيادة الدول.

تقف المنطقة اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما استمرار منطق المليشيات الذي يبدّد فرص التنمية ويغذي الصراعات، وإما ترسيخ منطق الدولة الذي يفتح أبواب الاستقرار والازدهار، وبين هذين الخيارين تبدو الحقيقة واضحة؛ فلا أمن دائم ولا مستقبل مزدهر إلا بدولة قوية تحتكر السلاح، وتحكمها المؤسسات، وتحترم سيادتها وسيادة جيرانها، وعندما تنتصر الدولة على الميليشيا، ينتصر الأمن على الفوضى، وينتصر المستقبل على حسابات الصراع المهلكة للحرث والنسل.

00:00 | 7-08-2026

المسار السعودي ودوره في استقرار اليمن

في الوقت الذي تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط الكثير من الاضطرابات، يقوم الحوثي من وقت لآخر بمحاولات مستميتة لزيادة عدم الاستقرار بالمنطقة ولعب دور الوسيط لخدمة أهداف إيران، بهدف تمزيق المنطقة أكثر وأكثر وزيادة رقعة الشغب والاضطرابات، وذلك على الرغم من أن تلك المحاولات تضر -أول ما تضر- اليمن نفسه وشعبه وتهدر مقدّراته وتستهلك موارده، ولا يجد الحوثي حرجاً في أن يعلن تبعيته لإيران، فهو يحمي مصالحها ويقوم بما يتعيّن أن تقوم به من تدمير للمنطقة عمداً.

الحوثيون هم شوكة في خاصرة المنطقة تحركها إيران كما يحلو لها، وبما تقتضيه أجندة توسعاتها الخارجية، فهو يضع إمكاناته وقدراته لخدمة مصالح إيران، وهو يمارس هذا الدور باستهتار شديد، غير مكترث –أو يتعمّد التجاهل- بأن اعتداءاته الأخيرة على السفن في البحر الأحمر لا تهدّد الملاحة الدولية فحسب، بل تقوّض استقرار اليمن نفسه، كما أنها تفتح الباب أمام تصعيد إقليمي يضر بأمن المنطقة.

يقدّم الحوثي للعالم كل يوم مبرراً مختلفاً ومتناقضاً عن الأسباب التي تدفعه لمهاجمة السفن في البحر الأحمر وتعطيل حرية الملاحة في ذلك الجزء الحسّاس من إمدادات الطاقة العالمية، ووسط التخبط في التصريحات يتناسى الحوثي على نحو مجحف ما قدّمته ولا تزال تقدّمه السعودية لليمن وللشعب اليمني الشقيق، وبنظرة سريعة على الواقع الموثق لما بذلته المملكة من جهود لدعم اليمن يتضح لنا بجلاء إلى أي مدى يغالط الحوثي الواقع والتاريخ معاً.

لا يختلف اثنان حول المبادرات التي قامت بها المملكة العربية السعودية لدعم استقرار اليمن والحفاظ على وحدة أراضيه، ومن الصعوبة بمكان حصر كافة هذه المساعدات في هذا الحيّز المحدود، غير أن أحد أهم هذه المساعدات هو إعلان المملكة منذ عدة أشهر عن تقديمها 1.3 مليار ريال سعودي لدعم موازنة الحكومة اليمنية، وهي الخطوة التي جسّدت أبعاداً اقتصادية واجتماعية وسياسية بعيدة المدى، فدعم الموازنة اليمنية يسهم في تغطية النفقات التشغيلية الأساسية للحكومة اليمنية، كما أنه يساعدها على تلبية متطلباتها من نفقات لدفع رواتب للعاملين بمؤسسات الدولة، وهو الأمر الذي من شأنه دعم الاستقرار في المجتمع اليمني بضخ مبلغ كبير في شرايين اقتصاده المنهك من الحروب والصراعات وعدم الاستقرار.

وبنظرة سريعة على التأثيرات المتوقعة من دعم الاقتصاد اليمني يتضح لنا بجلاء أن استقرار أي مجتمع يعتمد بصورة كبيرة على تعزيز قوته الشرائية وتنشيط قطاعات عديدة في اقتصاده، كما أن قدرة الدولة على ممارسة مهامها الأساسية ومواصلة تقديمها للخدمات الحيوية مثل الصحة والنقل والتعليم يساعد بشكل تلقائي في تعزيز الاستقرار الاجتماعي، وهو ما يسهم في تخفيف الأعباء المعيشية ويرسّخ من استقرار المجتمع بشكل عام، وهو ما ينعكس بطبيعة الحال على الجانب الأمني، وعندما تتحرك عجلة الاقتصاد المدعومة بالاستقرار الأمني تتحسّن ثقة القطاع الخاص والمستثمرين في الاقتصاد اليمني.

لا يخفى على أي متابع أن الدعم السعودي لليمن ليس بالأمر الجديد ولا بالمفاجئ، بل هو امتداد لتاريخ طويل من الدعم السعودي المتواصل ليس فقط للاقتصاد اليمني، بل لجميع القطاعات الحيوية للمجتمع اليمني ككل، فالمملكة لم تبخل يوماً في تمويل الاحتياجات العاجلة للمجتمع اليمني، كما أنها شاركت في إنشاء العديد من المشروعات التنموية الكبرى في القطاعات الأساسية كالبنية التحتية والصحة والتعليم ومجالات الطاقة والمياه، والتي نفذت عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن.

الجهود التي تقوم بها المملكة ليست جهوداً عابرة أو قصيرة المدى تهدف لحل الأزمة على نحو سريع وعشوائي، بل هي خطط إستراتيجية طويلة المدى، فاستقرار الموازنة اليمنية وإعادة إعمار البنية التحتية والمرافق الأساسية ودعم المشروعات التنموية، مع الاهتمام بتشجيع الاستثمار تعكس جميعها ملامح الخطة التي وضعتها المملكة لدعم استقرار اليمن ونهضته، والتي تتوازى جميعها مع جهود المملكة في الحد من التهديدات الأمنية التي تمس سيادة اليمن على أراضيه.

من المؤكد أن دعم المملكة العربية السعودية لليمن يمثل ركيزة أساسية لمستقبل مشرق لليمن وخطة بعيدة المدى تسعى للحيلولة دون وقوعه في صراعات قد تستمر لفترة طويلة، فالمملكة لم تتوقف يوماً عن محاولة إعادة العملية السياسية في اليمن لمسارها الصحيح، ولم تتوقف يوماً عن مساندة المبادرات السلمية وتشجيع جميع الأطراف على الاحتكام لطاولة المفاوضات، كما أنها لم تتوقف يوماً عن تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والذي نفذ بالفعل الكثير من المشروعات الناجحة في اليمن، وكل هذه الجهود تعكس التزام المملكة بالقيام بدورها الإقليمي في كل ما يدعم استقرار المنطقة ويحافظ على أمنها واستقرارها، مما يصب في نهاية الأمر في تحقيق مصالح دول وشعوب المنطقة ككل.

00:00 | 31-07-2026

وعادت الحرب.. هل فشلت الدبلوماسية؟!

في الوقت الذي ساد فيه الاعتقاد بأن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران قد أوشكت على الانتهاء، عادت طبول الحرب لتدق من جديد، هكذا يبدو المشهد اليوم مع عودة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، عقب فترة اعتقد كثيرون خلالها أنها قد تفتح الباب أمام تهدئة طويلة، وربما تسوية سياسية تنهي سنوات من التوتر المرير، غير أن الأحداث الأخيرة أعادت المنطقة إلى نقطة البداية، وأثبتت أن السلام الهش لا يصمد طويلًا إذا لم يستند إلى اتفاقات تعالج الأزمة من جذورها، لا مظاهرها فقط.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بمن أطلق الشرارة الأولى، بل يدور حول أسباب عودة الحرب من الأساس، ولماذا أخفقت كل الجهود التي بُذلت خلال الفترة الماضية في بناء تفاهمات تمنع تكرار هذا السيناريو، من الواضح أن الإجابة عن هذا السؤال تكشف أن الأزمة بين واشنطن وطهران لم تكن يومًا خلافًا عابرًا يمكن احتواؤه عبر هدنة مؤقتة، بل هي صراع استراتيجي تتداخل فيه اعتبارات الأمن والنفوذ والاقتصاد والتحالفات الإقليمية والدولية.

لا شك في أن الاتفاقات المؤقتة تستطيع تأجيل الانفجار، لكنها لا تستطيع معالجة الأسباب التي تقف خلفه، فكلما هدأت جبهات القتال عادت الملفات العالقة إلى الواجهة مرة أخرى؛ من البرنامج النووي الإيراني، إلى العقوبات الاقتصادية، مرورًا بالنفوذ الإقليمي وأمن الممرات البحرية، وهذه القضايا لا يمكن حسمها عبر القوة العسكرية وحدها، كما أنها لا تُحل بمجرد إصدار بيانات سياسية تدعو إلى ضبط النفس.

الحرب، مهما بلغت دقتها التقنية، لا تصنع استقرارًا دائمًا، وقد تحقّق أهدافًا عسكرية محدودة، لكنها تفتح في المقابل أبوابًا جديدة للأزمات، فالضربات المتبادلة لا تقتصر آثارها على أطراف الصراع، بل تمتد إلى المنطقة بأسرها، وتنعكس على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، ولهذا فإن العالم لا ينظر إلى المواجهة الأمريكية الإيرانية باعتبارها أزمة ثنائية بين طرفين، بل باعتبارها تهديدًا للاستقرار الدولي بأكمله.

ومن أكثر ما يثير القلق أن المنطقة لم تعد تحتمل حربًا جديدة، فالشرق الأوسط يعيش مرحلة مختلفة عن العقود الماضية، فقد أصبحت التنمية الاقتصادية وجذب الاستثمارات وتنفيذ المشاريع الكبرى أولويات رئيسية لدى كثير من دوله، وهذه الأولويات تحتاج إلى بيئة مستقرة، لا إلى أجواء يسودها التوتر والقلق، فالمستثمر يبحث عن الأمن قبل الأرباح، والأسواق تتأثر بالشائعات قبل الوقائع، وأي تصعيد عسكري ينعكس سريعًا على الثقة في الاقتصاد، كما أن استمرار الحرب يضع المجتمع الدولي أمام اختبار صعب، فهل سيكتفي بإصدار بيانات القلق والدعوة إلى التهدئة، أم سيتحرك بصورة أكثر فاعلية لإعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات؟ لقد أثبتت التجارب أن الاكتفاء بإدارة الأزمات لا يمنع تكرارها، وأن السلام الحقيقي يحتاج إلى معالجة جذور الخلاف، لا إلى تأجيل الانفجار حتى موعد آخر.

وفي المقابل، لا ينبغي التقليل من أهمية الدبلوماسية -حتى وإن بدت اليوم عاجزة عن وقف التصعيد- فالتاريخ يعج بحروب انتهت عند طاولة المفاوضات بعد أن عجزت القوة العسكرية عن حسمها بشكل نهائي، ولهذا فإن العودة إلى الحوار ليست علامة ضعف، بل انعكاس لإدراك حقيقي بأن استمرار المواجهة يحمل خسائر متبادلة، وأن كلفة الحرب غالبًا ما تتجاوز بكثير أي مكاسب سياسية أو عسكرية، ومن المؤكد أن دول المنطقة تتابع هذه التطورات بعين القلق، لأن أي اتساع للصراع ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود الدول المتحاربة، لتشمل التجارة الدولية وأسواق المال وأمن الطاقة وحركة الملاحة البحرية.

لقد عادت الحرب للأسف، ولكن علينا ألا نفقد الأمل، والبديل عن الحوار ليس النصر الحاسم، بل مزيد من الدمار وعدم اليقين، وإذا كانت القوة قادرة على تغيير موازين المعارك، فإنها لا تستطيع وحدها بناء سلام مستدام، بل الإرادة السياسية المدعومة برؤية واقعية ومسؤولية دولية هي من تستطيع وحدها أن تحول الهدنة المؤقتة إلى استقرار دائم، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن بقوة هو: هل أُعطيت الدبلوماسية الفرصة الكافية لتنجح؟ فالتاريخ يعلمنا أن الحروب تبدأ بقرار، لكنها لا تنتهي إلا بقرار آخر أكثر شجاعة، قرار يضع مصلحة الشعوب فوق حسابات الصراع، ويجعل السلام هدفًا لا مجرد هدنة مؤقتة، وبين صوت السلاح وصوت العقل، يبقى الأمل معقودًا على أن ينتصر الخيار الذي يحفظ الأرواح، ويصون الاستقرار، ويمنح المنطقة فرصة تستحقها لبناء مستقبل أكثر أمنًا وازدهارًا.

00:00 | 24-07-2026

السعودية ودبلوماسية التوازنات في الشرق الأوسط

في منطقة تكاد لا تهدأ فيها الأزمات، وتتشابك فيها المصالح الإقليمية والدولية، أصبحت القدرة على صناعة التوازنات السياسية أكثر أهمية من امتلاك عناصر القوة التقليدية وحدها، فالشرق الأوسط لم يعد ساحة للصراعات العسكرية فحسب، بل تحوّل إلى ميدان تتنافس فيه الدول على بناء النفوذ عبر الاقتصاد والدبلوماسية والشراكات الإستراتيجية، وفي خضم هذه التحوّلات، برزت المملكة العربية السعودية بوصفها أحد أهم الأطراف القادرة على ترسيخ معادلات التوازن والاستقرار، مستندة إلى ثقلها الديني والسياسي والاقتصادي، وإلى رؤية إستراتيجية تنظر إلى أمن المنطقة باعتباره مسؤولية جماعية ومصلحة مشتركة.

اتبعت المملكة سياسة خارجية تقوم على مبدأ الاعتدال، مع الحفاظ على ثوابتها الوطنية وعدم اتباع سياسة الإقصاء، فقد أدركت أن استقرار الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقّق عبر التصعيد المستمر، وما يمكن تحقيقه من استقرار لن يتم إلا من خلال بناء قنوات للحوار، وتغليب الحلول السياسية، مع الاحتفاظ بقدرة رادعة تحمي أمنها ومصالحها.

ولعل أبرز ما يميّز السياسة السعودية أنها لا تنطلق من ردود الأفعال، بل من رؤية بعيدة المدى تربط بين الأمن والتنمية، فنجاح مشروعات التحوّل الاقتصادي الكبرى، وجذب الاستثمارات العالمية، وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، كلها عوامل تجعل من الاستقرار الإقليمي ضرورة إستراتيجية وليس مجرد خيار سياسي، ولذلك فإن المملكة تنظر إلى أمن المنطقة باعتباره جزءًا من أمنها الوطني، وتتعامل مع القضايا الإقليمية بمنطق يوازن بين حماية المصالح وتجنّب الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة.

وقد أثبتت الأحداث المتلاحقة في المنطقة أن الدول التي تملك اقتصادًا قويًا وعلاقات دولية متوازنة تصبح أكثر قدرة على التأثير في مجريات الأحداث، وفي هذا السياق استطاعت السعودية أن تبني شبكة واسعة من العلاقات المختلفة مع مختلف القوى الدولية، فهي تحافظ على شراكات إستراتيجية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه توسع تعاونها مع الصين والهند واليابان ودول أوروبية عديدة، إضافة إلى تعزيز حضورها في المنظمات والتكتلات الاقتصادية الدولية، مما جعلها شريكًا يحظى بالاحترام والثقة من الجميع.

وعلى المستوى الإقليمي، لعبت المملكة دورًا مهمًا في دعم استقرار عدد من الدول العربية، سواء عبر المساعدات الاقتصادية، أو المبادرات السياسية، أو دعم مؤسسات الدولة الوطنية، مثل اليمن وسوريا ولبنان على سبيل المثال لا الحصر، وذلك إيمانًا منها أن انهيار الدول يفتح المجال أمام الفوضى والتطرّف وتدخل القوى الخارجية، وهو ما ينعكس سلبًا لاحقًا على أمن المنطقة بأكملها، ومن هنا جاء الحرص السعودي على دعم الحلول التي تحفظ وحدة الدول وسيادتها، وتعيد الاعتبار لمؤسساتها الشرعية.

كما أن المملكة تبنّت خلال السنوات الأخيرة نهجًا أكثر انفتاحًا على الوساطات السياسية، إدراكًا منها بأن الحوار يظل أقل تكلفة من استمرار النزاعات، مثل موقفها من الأزمة في لبنان أو دعم الشرعية في سوريا، وهذا لا يعني التخلي عن الحزم عندما تقتضي الضرورة، وإنما يعكس فهمًا عميقاً لمفهوم القوة الحقيقية والتي تتعلق بالقدرة على منع الأزمات قبل تفاقمها، وليس فقط في التعامل مع نتائجها.

ومن العوامل التي عزّزت المكانة الإقليمية للمملكة نجاحها في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على مواجهة التقلبات العالمية، فكلما ازدادت قوة الاقتصاد السعودي، ازدادت قدرة المملكة على أداء أدوار سياسية ودبلوماسية أكثر تأثيرًا، كما أن المشروعات العملاقة التي تشهدها البلاد، والاستثمارات الضخمة في مجالات الصناعة والسياحة والتقنية والطاقة المتجددة، جعلت من السعودية شريكًا اقتصاديًا مهمًا للعديد من دول العالم، وهو ما ينعكس بدوره على وزنها السياسي.

لا شك أن صناعة التوازنات ليست مهمة سهلة؛ فهي تتطلب قراءة دقيقة للمتغيّرات، وقدرة على الجمع بين المصالح الوطنية والمسؤوليات الإقليمية، وقد نجحت المملكة في ترسيخ صورة الدولة التي تبحث عن الاستقرار دون التفريط في أمنها، وتدعم التنمية دون الانعزال عن محيطها، وفي ظل المتغيّرات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، يبدو أن الدور السعودي مرشح لمزيد من الحضور والتأثير، فالمملكة لا تكتفي بالتفاعل مع الأحداث، بل تسعى إلى المساهمة في صياغة مستقبل المنطقة عبر رؤية تقوم على التنمية والاستقرار والتعاون، وهذا النهج يجعلها أحد أهم صنّاع التوازنات في الشرق الأوسط، ويمنحها مكانة تتجاوز حدود الجغرافيا إلى التأثير في رسم ملامح المرحلة المقبلة، في منطقة لا تزال بحاجة إلى دول تمتلك الحكمة والأفق المتسع بقدر ما تمتلك القوة والحزم.

00:02 | 17-07-2026

ما بعد الحرب.. أزمة الثقة

ما اقترفته إيران من اعتداءات صريحة وصارخة وغير مبررة على جيرانها من دول الخليج العربي خلال الحرب الأخيرة لم يكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة في تاريخ المنطقة، بل تحوّل إلى نقطة فاصلة وحاسمة أعادت تشكيل الوعي السياسي والأمني لدى دول الخليج، فبعد سنوات عديدة وجهود حثيثة من محاولات التهدئة وبناء جسور الثقة بين إيران وجيرانها جاءت الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج لتقوّض ما تبقى من هذا الرصيد، وعلى الرغم من أن الكثيرين ينظرون للاتفاق الأمريكي الإيراني باعتباره مدخلاً لمنع تكرار الاعتداءات الإيرانية مجدّداً على دول الخليج في المستقبل، غير أنه يتعيّن على إيران إبداء حسن النوايا والتوقف عن المراوغة السياسية، لأن تاريخها الحافل بالانتهاكات وعدم الوفاء بوعودها يؤثران بالفعل على مصداقيتها، وهو ما سيعمق ويرسّخ من أزمة الثقة بينها وبين جيرانها من دول الخليج العربي.

مما لا شك فيه أن دول الخليج العربي حرصت دوماً على أن تُبقي باب الحوار مع إيران مواربًا ولم تغلقه يوماً بالكامل، إدراكًا منها لأهمية الاستقرار الإقليمي في المنطقة وتجنّباً للانزلاق نحو مواجهات مفتوحة، غير أن ما حدث خلال الحرب الأخيرة كشف عن واقع مغاير وصادم فيما يتعلق بالنوايا والأفعال الإيرانية، ولذلك لم تعد التطمينات السياسية وتصريحات المسؤولين الإيرانيين كافية أو مقنعة لدول الخليج أمام الصواريخ والمسيّرات العدائية التي استهدفت الأمن والاستقرار في تلك الدول بشكل مباشر.

من المؤكد أن الثقة في العلاقات الدولية لا تُبنى بالشعارات، بل تتأسس بالسلوكيات وتتمحور حولها، وعندما يتكرر الفعل العدائي فإن أي خطاب دبلوماسي يفقد قيمته، وقد أدركت دول الخليج بوضوح أن التصريحات ليس لها أي قيمة حقيقية؛ فالقيمة الحقيقية تكمن في السياسات الفعلية على الأرض، ولهذا فإن مرحلة ما بعد الحرب قد لا تكون كما قبلها، لأن الأساس الذي كانت تقوم عليه أي محاولات للتقارب فيما قبل قد تصدّع بشكل عميق، ولهذا تتجه المنطقة نحو إعادة صياغة لأولوياتها الأمنية، فتعزيز القدرات الدفاعية لم يعد خيارًا، بل أضحى ضرورة ملحّة، كما أن التنسيق الإقليمي غالبًا ما سيتخذ أبعادًا أوسع وأكثر صلابة، في ظل قناعة متزايدة بأن الأمن لا يمكن تركه رهينة لحسن النوايا.

من جهة أخرى، فإن إيران تجد نفسها أمام معادلة معقدة؛ فبدلًا من أن تنجح في توسيع نفوذها، قد تؤدي هذه السياسات العدائية إلى مزيد من عزلها إقليميًا، مما سيعمق من إمكانية فقدانها لكافة الفرص التي قد تؤهلها لبناء علاقات مستقرة مع محيطها، فالدول لا تنسى بسهولة من أساء لها بلا مبرر، ومن كان خصمًا لها وبدأ بالعدوان، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأمنها القومي، وكلما طال أمد هذا السلوك ازدادت الفجوة وصعب ترميمها.

إن مرحلة ما بعد الحرب ليست مجرد مرحلة زمنية، بل هي اختبار حقيقي لقدرة دول المنطقة على التعلم من دروسها، فإما أن تُدرك كافة الأطراف أن التصعيد لا يؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر، أو تستمر المنطقة في دائرة مفرغة من التوترات، غير أن المؤكد حتى الآن، أن الثقة لن تعود بسهولة، وأن إعادة بنائها -إن حدثت- ستتطلب وقتًا طويلًا، وإجراءات ملموسة، وتغييرًا حقيقيًا في السياسات.

لا شك أن أخطر ما خلّفته هذه الحرب ليس الدمار المادي رغم أهميته القصوى بطبيعة الحال، بل هو فقدان الثقة والشك في قدرة بنائها مستقبلاً، فالدول قد تعيد بناء ما تهدّم من منشآت وبنى تحتية ومرافق، لكنها تجد صعوبة أكبر بكثير في إعادة بناء ما تهدّم من قناعات، وتجد صعوبة أكثر وأكثر في عودة الثقة بينها وبين طرف غدر بها بلا مبرر وهاجمها بلا سبب واعتدى عليها بلا هوادة، وبينما تُطوى صفحة الحرب المباشرة بدرجة أو بأخرى، تُفتح صفحات أخرى أكثر تعقيدًا وتشابكًا، عنوانها الحذر، ومضمونها انتظار ما قد تسفر عنه الأيام القادمة، وما ستعكسه الأفعال وليس الأقوال والتصريحات.

19:53 | 9-07-2026