أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1894.jpg?v=1777585303&w=220&q=100&f=webp

محمد العريفي

بين المؤشر والمريض: رسالة من الميدان إلى قيادة التحوّل الصحي

لم يعد التطوّر الصحي في المملكة شعارًا يُقال، بل واقع يلمسه المريض والطبيب معًا. فخلال سنواتٍ قليلة، وتماشيًا مع رؤية المملكة ٢٠٣٠، انتقلنا من وزارةٍ تُشغّل المستشفيات بنفسها إلى منظومةٍ حديثة تفصل بين التنظيم والتشغيل؛ فصارت وزارة الصحة جهةً منظِّمة ومشرِفة، وتولّت شركة الصحة القابضة —التي تأسست في ٢ يونيو ٢٠٢٢م بموجب قرار مجلس الوزراء رقم ٤٦٩— تشغيل الرعاية عبر عشرين تجمعًا صحيًا تغطي مناطق المملكة. وليست هذه تغييراتٍ على الورق؛ فمتوسط العمر المتوقع ارتفع من أربعةٍ وسبعين عامًا في ٢٠١٦م إلى ما يتجاوز التسعةَ والسبعين اليوم، وهو رقمٌ لا يُشترى بالمال، بل يُبنى بالعمل والتخطيط والصبر. ولمسنا التغيير في سهولة المواعيد، وتوسّع الرعاية الرقمية والصحة الافتراضية، وتقريب الخدمة من المريض في مناطق كانت تُحرَم منها بالأمس. هذا إنجازٌ وطنيٌّ يستحق أن نفخر به ونعترف له، قبل أن نُبدي أيّ ملاحظة.


وفي قلب هذا التحوّل هدفٌ واحد لا يتغيّر ولا ينبغي أن يتغيّر: المريض. المريض بأعلى كفاءةٍ ممكنة، وجودةٍ حقيقية، وإنتاجيةٍ ملموسة لا مرئيةٍ على الشاشات فحسب. كل نظامٍ نبنيه، وكل مؤشرٍ نقيسه، وكل لوحة أداءٍ نُضيئها باللون الأخضر، إنما وُجدت أساسًا لتخدم ذلك الإنسان الراقد على السرير، لا لتخدم التقرير الذي يُرفع عنه. وحين نختلّ في هذه البوصلة، تبدأ المشكلة مهما بدت الأرقام لامعة.


ولأنّ ما لا يُقاس لا يُدار، صار قياس الأداء ركيزةً في منظومتنا، حتى إنّ الشركة القابضة أطلقت منصةً متخصصة لمراقبة أداء التجمعات ومستشفياتها لحظةً بلحظة. وفي تخصّصي، طب العناية المركزة، تتعدّد المؤشرات وتتشعّب: معدّل الوفيات المصحّح للمخاطر، ومتوسط مدة البقاء، وأيام التنفّس الصناعي، ومعدّلات الالتهاب الرئوي المرتبط بالتنفّس، وعدوى الدم المرتبطة بالقساطر الوريدية، ونسبة إعادة الدخول إلى العناية خلال ثمانٍ وأربعين ساعة، ومعدّلات إشغال الأسِرّة ودورانها. وهذه مؤشراتٌ نفيسة حين نفهمها بعمق، خطيرةٌ حين نُسيء فهمها ونتعامل معها كأرقامٍ مجرّدة.


وهنا مربط الفرس. فبعض هذه المؤشرات يُساء تفسيره، ويُبالَغ في الاهتمام به من بعض إدارات المستشفيات حتى تتحوّل الوسيلة إلى غاية. حين يُطالَب القسم بخفض «مدة البقاء» دون النظر إلى شدة الحالات، أو بتحسين «الإشغال» دون فهمٍ لطبيعة العناية المركزة التي تستقبل أعقد المرضى، يقع العبء كاملًا على من هم في الواجهة: الطبيب والممرّض اللذان يقضيان ساعاتٍ إضافية في توثيقٍ يخدم المؤشر لا المريض، ويلاحقان خانةً فارغة في النظام أكثر مما يلاحقان تحسّن حالة مريض. وهذا خطأٌ جسيم؛ فالرقم الذي يُنتزع من سياقه يظلم من يصنعه، ولا يُنصف من يُفترض أن يخدمه.


وأضرب مثالًا من واقعنا اليومي: مريضٌ في العناية المركزة يحتاج إلى بقاء يوم إضافي حتى يستقرّ تنفّسه، لكنّ الضغط على «مدة البقاء» قد يدفع لإخراجه مبكرًا إلى قسمٍ أقلّ عناية، فيتدهور خلال ساعات ويعود إلينا بحالةٍ أصعب، وتكلفةٍ أعلى، ومعاناةٍ أكبر على أهله. هنا لم نخدم المؤشر ولا المريض، بل خدعنا أنفسنا مرتين: مرةً حين جمّلنا الرقم، ومرةً حين ظننّا أننا اختصرنا التكلفة.


ودعوني أقولها بوضوحٍ لا لبس فيه: نستطيع —إن أردنا— أن نُجمّل كل مؤشرٍ على الشاشة دون أن يلمس المريض فرقًا واحدًا. نستطيع أن نُخرِج المريض مبكرًا لنُحسّن «مدة البقاء» فيعود إلينا بعد يومين أسوأ حالًا. ونستطيع أن نُعيد تصنيف الحالات لتبدو أرقامنا أجمل. لوحة الأداء ستُضيء خضراء، والإدارة ستُصفّق، والمريض وحده سيعرف الحقيقة. وحين يصبح المؤشر هدفًا في ذاته، يفقد قيمته كمؤشر — وهي قاعدةٌ يعرفها كل من اشتغل بالإدارة قبل أن يعرفها الأطباء.


من هنا، أوجّه رسالةً صادقة ومحترِمة إلى صنّاع القرار في وزارة الصحة وشركة الصحة القابضة: نحن معكم في الهدف، ومؤمنون بالتحوّل، وفخورون بما تحقّق، لكننا نرجو توازنًا. توازنًا بين بلوغ المؤشر ورعاية من يصنعه بيديه. وهذا التوازن ليس شعارًا يُرفع، بل خطواتٌ عملية يمكن البدء بها اليوم:


أولًا: اختاروا مؤشرات النتائج الحقيقية —كالوفيات المصحّحة للمخاطر وتجربة المريض المُبلّغ عنها— لا المؤشرات السهلة القابلة للتجميل والالتفاف.


ثانيًا: صحّحوا كل مؤشرٍ وفق شدة الحالات، حتى لا يُعاقَب القسم الذي يستقبل الأصعب ويُكافَأ من ينتقي الأسهل.


ثالثًا: اقرنوا كل مؤشر أداءٍ بمؤشرٍ لصحة العاملين: نسبة التمريض إلى المرضى، وساعات العمل، ومعدّلات الاحتراق الوظيفي؛ فاللوحة الخضراء فوق فريقٍ منهَك ليست خضراء في حقيقتها.


رابعًا: خفّفوا عبء التوثيق اليدوي عبر الأنظمة الرقمية التي نملكها ونفخر بها، بحيث تُلتقط البيانات تلقائيًا بدل أن نُثقل بها كاهل من في الواجهة.


خامسًا: أشرِكوا أطباء الميدان في اختيار المؤشرات وتفسيرها، واجعلوها أداة تعلّمٍ وتحسين، لا أداة محاسبةٍ وترهيب.


سادسًا: رسّخوا ثقافة الإبلاغ الآمن؛ فالقسم الذي يُصارح بأخطائه لِيتعلّم منها أنفع من قسمٍ يُخفيها ليحافظ على لون مؤشّره، وينبغي أن يُكافأ على صدقه لا أن يُعاقَب عليه.


إن المريض هو البداية والنهاية، وهو المؤشر الوحيد الذي لا يُجمَّل ولا يُخادَع. فلنقِس ما يهمّه هو حقًّا، ولنحمِ في الوقت ذاته من يقف إلى جواره في أصعب اللحظات وأحلكها. فحين يرتاح المريض ويطمئنّ الطبيب، تكون كل الأرقام قد صدقت، ويكون التحوّل قد بلغ غايته الحقيقية التي وُجد من أجلها. وما دون ذلك، فمؤشراتٌ خضراء على شاشة، ومريضٌ غائبٌ عن المعادلة.

00:00 | 19-07-2026

التدريب الطبي في المملكة: من بناء الطبيب إلى تكديس الخريجين..

لم تبدأ صناعة الطبيب في هذه البلاد من فراغ، ولم تكن يومًا ترفًا. في زمنٍ مضى كان الطبيب السعودي يُبتعث إلى الغرب ليعود محمّلًا بشهادةٍ أجنبية، بينما ظل التدريب في الداخل متناثرًا، يعتمد على اجتهادات فردية ومستشارين وافدين، بلا منظومةٍ وطنية تجمع الخيط في يدٍ واحدة. ثم جاءت نقلةٌ حقيقية حين أُنشئت الهيئة السعودية للتخصصات الصحية عام ١٤١٣هـ، فوُلد «البورد السعودي» كمسارٍ وطني للتدريب بعد التخرّج، يُخرّج استشاريين بأيدٍ سعودية ومعايير منظّمة. ولم يكن ذلك المجهود بلا ثمرة؛ فقد بنى آلاف الأطباء والاستشاريين الذين تقوم عليهم مستشفياتنا اليوم، وبلغ من نضج المنظومة أن وقّعت الهيئة مذكرة اعترافٍ متبادل مع الكلية الملكية الكندية للأطباء والجراحين، وهي شهادةٌ لا تُمنح لمن لا يستحق. هذه حقيقةٌ يجب أن تُقال بإنصاف قبل أيّ نقد.


وللهيئة في هذا البناء دورٌ محوري لا يُنكَر. فهي التي وضعت مناهج البورد، واعتمدت مراكز التدريب، وأدارت الاختبارات، وصنّفت الممارسين، ورسمت — نظريًا على الأقل — خطًّا فاصلًا بين من يصلح للممارسة ومن لا يصلح. لقد أعطت الفوضى شكلًا، وحوّلت التدريب من اجتهادٍ شخصي إلى نظامٍ مؤسسي. غير أن المؤسسة حين تكبر تنسى أحيانًا لماذا وُجدت؛ فتتحوّل من حارسٍ للجودة إلى حارسٍ للإجراءات، ومن صانعٍ للطبيب إلى موزّعٍ للشهادات. وهنا يبدأ السؤال الجريء الذي لا ينبغي تأجيله.


قد طرأ على المشهد تغيّرٌ جذري لا يجوز السكوت عنه. كنا قبل عقدين لا نملك سوى أربع كليات طب، فأصبحنا اليوم أمام ما يقارب أربعين كلية، تضخّ سنويًا آلاف الخريجين، حتى تجاوز عدد طلبة الطب في الجامعات السعودية قرابة ستةٍ وعشرين ألفًا. والسؤال البسيط الذي يتهرّب منه الجميع: إلى أين يذهب هؤلاء؟ إن مقاعد التدريب بعد التخرّج محدودة، والوظائف أكثر محدودية، حتى صارت الهيئة نفسها تتحدث عن أكثر من ستة آلاف طبيبٍ يبحثون عن عمل. نحن لا نُخرّج أطباء بقدر ما نراكم خريجين على رصيف الانتظار. والأخطر من تكدّسهم هو أثر هذا الكمّ على الكيف؛ فحين تتدافع الأعداد على عددٍ ثابتٍ من المدرّبين والأَسِرّة والحالات، يصبح نصيب المتدرّب الواحد من الخبرة كِسرةً لا تكفي لصناعة طبيبٍ واثق. لقد وسّعنا المدخلات دون أن نوسّع المخرجات الحقيقية، فأنتجنا أزمةً مؤجّلة اسمها بطالة الأطباء، وأزمةً أعمق اسمها طبيبٌ نصف مدرَّب.


ثم تأتي الملاحظة التي قد يغضب منها كثيرون، لكنّ كتمانها خيانةٌ للمهنة. لقد انتقلنا في تدريبنا من القسوة إلى التساهل . كان التدريب قديمًا قاسيًا، يُرهق المتدرّب ويُهينه أحيانًا، وكان ذلك خطأً يستحق التصحيح. لكننا في تصحيحه ذهبنا إلى النقيض، حتى صرنا نُحيط المتدرّب بسياجٍ من الحماية المبالغ فيها: ساعاتٌ مُقنّنة لا تُمسّ، وتقييماتٌ يخشى المدرّب أن يكتب فيها الحقيقة خوفًا من شكوى، ورسوبٌ صار شبه مستحيل مهما كان الأداء متواضعًا. والنتيجة ظاهرةٌ أسمّيها بلا تردّد «دلع المتدرّب»؛ متدرّبٌ تعلّم أن حقوقه مكفولة وأن مسؤولياته قابلة للتفاوض، فيتكاسل عن الحضور، ويتهرّب من المناوبة الثقيلة، ويرى في كل مطلبٍ تعليميٍّ ظلمًا يستوجب الشكوى. لقد أردنا أن نحمي المتدرّب من القسوة، فحميناه من التعلّم نفسه. والطبيب الذي لم يُمتحَن في تدريبه لن يصمد حين يقف وحده أمام مريضٍ على حافة الموت في الثالثة فجرًا، حين لا تنفعه لائحة حقوقٍ ولا نموذج شكوى.


إنني لا أدعو إلى عودة القسوة، ولا إلى سحق المتدرّب، فذلك مرفوضٌ جملةً وتفصيلًا. لكنني أدعو إلى توازنٍ ضاع منّا: حمايةٌ من الإهانة، نعم؛ لكن لا حمايةٌ من المسؤولية. رحمةٌ بالإنسان، نعم؛ لكن لا تساهل في صناعة الطبيب. فالرفق في التدريب لا يعني تخريج طبيبٍ هشّ، والرحمة الحقيقية بالمتدرّب أن نصنع منه طبيبًا يثق بنفسه ويثق به الناس.


وفي الختام، أعيد المسألة إلى جوهرها بسؤالٍ واحد أطرحه على كل من يضع المناهج، ويفتح الكليات، ويوقّع شهادات التخرّج: لمن نُدرّب هذا الطبيب؟ إننا لا نُدرّبه لملء جدولٍ وظيفي، ولا لتزيين إحصائيةٍ في تقرير. نحن نُدرّبه ليكون الطبيب الذي سيعالج أبي وأمي، وأخي وأختي، وسيعالجني أنا حين يدركني المرض. هذا هو المعيار الوحيد الصادق: حين أرى خرّيجنا، هل أطمئنّ أن أضع بين يديه أعزّ من أملك؟ فإن كان الجواب نعم، فقد نجح تدريبنا مهما قلّت الأعداد. وإن كان الجواب ترددًا أو خوفًا، فلا تنفعنا حينها أربعون كلية، ولا آلاف الشهادات، ولا كل الأرقام التي نتباهى بها. فالطب لا يُقاس بكم تخرّج، بل بمن نأتمنه على حياتنا.

00:00 | 26-06-2026

الموت الدماغي.. حين يصبح الدماغ هو الفيصل بين الحياة والموت

طوال آلاف السنين، عرف الناس الموت بمعيار واحد بسيط: توقف القلب والتنفس. لكن في خمسينيات القرن الماضي، غيّر اختراع جهاز التنفس الصناعي هذه المعادلة، إذ أصبح بإمكان الأطباء إبقاء القلب نابضاً والرئتين تتنفسان حتى بعد أن يتوقف الدماغ تماماً عن العمل. وهنا برز سؤال جديد: هل هذا الإنسان حي أم ميت؟ في عام 1968، أصدرت لجنة من جامعة هارفارد تقريراً تاريخياً قدّمت فيه تعريفاً جديداً للموت يعتمد على فقدان وظائف الدماغ، بدلاً من الاكتفاء بمعيار توقف القلب والرئتين. كانت تلك نقطة تحوّل كبرى دفعت إليها عوامل متشابكة، من تطور أجهزة الإنعاش، إلى أول عملية زرع قلب أجراها الجرّاح كريستيان برنارد عام 1967، إلى الحاجة الإنسانية الملحّة لإجابة واضحة عن مصير المرضى الذين لن يستيقظوا أبداً.


والموت الدماغي يعني التوقف الكامل وغير الرجعي لكل وظائف الدماغ، بما في ذلك جذع الدماغ المسؤول عن التنفس التلقائي وردود الفعل الأساسية. ويحدث عادةً بعد إصابات شديدة كنزيف داخلي كبير، أو حادث، أو نقص حاد في الأكسجين. ولتشخيصه، يجري الأطباء فحوصات دقيقة ومتكررة، أهمها «اختبار توقف التنفس»، حيث يُفصل الجهاز مؤقتاً للتحقق من غياب أي محاولة للتنفس، إلى جانب اختبار ردود فعل جذع الدماغ، وأحياناً تخطيط الدماغ الكهربائي أو فحص تدفق الدم إلى الدماغ. وكل ذلك يتم وفق بروتوكول صارم يوقّع عليه طبيبان استشاريان مستقلان.


وعلى المستوى الشرعي والقانوني في المملكة، كان السبق الشرعي بصدور فتوى هيئة كبار العلماء رقم (99) بتاريخ 6/11/1402هـ الموافق 1982م، التي أجازت زراعة الأعضاء من المتوفين، فكانت هذه الفتوى هي البوابة التي فُتح بها برنامج التبرع بالأعضاء من المتوفين دماغياً في المملكة. وعلى أساسها، أُجريت في عام 1985م أول عملية زراعة كلى محلية من متبرع متوفى دماغياً في مستشفى القوات المسلحة بالرياض، حيث زُرعت كليتا المتبرع في فتاتين سعوديتين شابتين، أجرى إحدى العمليتين الدكتور كتاب العتيبي استشاري المسالك البولية في المستشفى آنذاك، والأخرى الدكتور رينيه تشانغ، لتكون بذلك انطلاقة حقيقية لبرنامج زراعة الأعضاء من المتوفين دماغياً في المملكة وفي العالم العربي. ثم جاء قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي في عمّان عام 1986م ليعزّز هذا التوجّه بإقراره بأغلبية الأصوات أن الميت دماغياً تنطبق عليه أحكام الموت.


غير أن هيئة كبار العلماء عادت لاحقاً وأصدرت عام 1417هـ فتوى تحفّظت فيها على الحكم بموت الإنسان شرعاً بمجرد تقرير الأطباء بموته دماغياً، ما أوجد تردداً واسعاً لدى الأسر السعودية. ومع ذلك، صدر «نظام التبرع بالأعضاء البشرية» الذي ينظّم العملية برمّتها تحت إشراف المركز السعودي لزراعة الأعضاء، الجهة الرئيسية المشرفة على برامج التبرع والزراعة في المملكة.


وأخلاقياً، يطرح الموت الدماغي معادلة دقيقة بين احترام كرامة المتوفى، ورحمة الأسرة المكلومة، وإنقاذ حياة مرضى آخرين قد يموتون لو لم يحصلوا على عضو متبرَّع به. أما اقتصادياً، فإبقاء مريض متوفى دماغياً على الأجهزة يكلّف آلاف الريالات يومياً في سرير عناية مركزة، بينما يحتاجه مريض آخر قابل للشفاء. وزراعة كلية واحدة توفّر على المنظومة الصحية مئات آلاف الريالات سنوياً مقارنة بتكلفة الغسيل الكلوي مدى الحياة، فضلاً عن إنقاذ إنسان من معاناة مستمرة.


وتظهر مأساة الفجوة بين الحاجة والواقع في الأرقام: سنوياً تحدث في المملكة ما يقارب 600 إلى 800 حالة وفاة دماغية، يُبلَّغ المركز السعودي عن نحو 400 منها فقط، ولا يُستفاد إلا من 60 إلى 100 حالة في التبرع، أي أن نحو 70% من الأسر يرفضن التبرع بأعضاء فقيدهن. ومع ذلك، أصبح بإمكان أي شخص اليوم تسجيل رغبته في التبرع عبر تطبيق «توكلنا»، ومشاركة هذا القرار مع أسرته ليُسهّل عليها الأمر إذا قُدّر.


وفي هذا السياق، أستأذن القارئ في وقفة إنسانية شخصية. والدي - أطال الله في عمره ومتّعه بالصحة والعافية - يكرّر علينا منذ سنوات وصيةً يحملها في قلبه قبل لسانه، وهي أن يُتبرَّع بأعضائه بعد وفاته إن قُدّر أن تكون صالحة لمن يحتاجها. لم يقلها مرّةً عابرة، بل يعيدها كلما جلسنا حوله، وكأنها أمانة يريد أن يطمئن على وصولها. وفي تكرارها بعمق إدراك لمعنى عظيم: أن يترك الإنسان خلفه حياةً تنبض في صدر آخر، وعينَ تبصر النور من جديد، وكليةً تُخرج إنساناً من معاناة الغسيل إلى رحاب الحياة. إنه ذلك النوع من الفهم الذي يسبق عصره، ويختصر معنى الإنسانية في وصيةٍ واحدة.


وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة لا لبس فيها: الميت دماغياً لا يعود إلى الحياة. منذ أكثر من أربعين عاماً ومنذ أن وُضعت معايير التشخيص الدقيقة، لم يُسجَّل في العالم كله ولا في المملكة حالة واحدة استيقظ فيها إنسان شُخّص بالموت الدماغي وفق البروتوكول الصحيح. تلك القصص التي تنتشر عبر وسائل التواصل عن «مرضى عادوا من الموت» هي في حقيقتها قصص لمرضى كانوا في غيبوبة عميقة أو حالة سُبات، لا في موت دماغي مكتمل. الفرق جوهري وقاطع: الغيبوبة قد يصحو منها الإنسان، أما الموت الدماغي فهو نهاية الطريق.


ولأن الأمر كذلك، فإن قرار التبرع بأعضاء من أُعلن موته دماغياً ليس تنازلاً عن أمل، بل هو منح أمل لآخرين. هو أن تتحوّل كلية فقيدك إلى حياة جديدة لأبٍ ينتظر منذ سنوات، وأن يصبح كبده نجاة لطفل، وأن يبصر قلبه ضوء الفجر في صدر إنسان آخر. إنها صدقة جارية، وأجر يتجدد، وإحياء لنفس بشرية كاملة، قال تعالى: «ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً». فإذا قُدّر لأحدنا أن يواجه هذا الموقف يوماً، فليتذكر أن الموت قد وقع فعلاً، وأن الإنسانية تبدأ من اللحظة التي نقول فيها: نعم، نتبرع.

00:00 | 5-06-2026

حين يصبح الإنعاش عبئاً: دعوة لحوار وطني حول أهداف الرعاية

في ردهات العناية المركزة، حيث تُختزل الحياة أحياناً في أجراس جهاز صاخبة ودقات قلب متعبة، تتكرر مشاهد تدفعنا نحن الأطباء إلى التأمل في جدوى ما نفعله، لا من الناحية الطبية فحسب، بل من الناحية الإنسانية والأخلاقية. ولعل أكثر هذه المشاهد إلحاحاً على الضمير تلك المتعلقة بالإنعاش القلبي الرئوي.


يعرف الإنعاش القلبي الرئوي (CPR) بأنه مجموعة من الإجراءات الطارئة التي تُجرى حين يتوقف القلب أو التنفس، وتشمل الضغط على الصدر، والتنفس الاصطناعي، والصدمات الكهربائية، وحقن أدوية الإنعاش. لا تخلو هذه الإجراءات من شدة وقساوة في التعامل مع جسد المحتضر بشكل عام. تعود جذور هذه العملية إلى خمسينات القرن الماضي، حين طوّر الدكتور بيتر سفار والدكتور جيمس إلام تقنية التنفس فماً لفم، ثم أعقب الدكتور كواينهوفن عام 1960 ليُثبت فاعلية الضغط الخارجي على الصدر. ومنذ ذلك الحين، أصبح الإنعاش ممارسة عالمية أنقذت ملايين الأرواح.


لكن ما صُمّم لإنقاذ شاب سقط فجأة بسكتة قلبية قد لا يحمل المعنى ذاته حين يُقام على شيخ مسن هزيل، أو مُحتضرٍ يصارع مرضاً عضالاً في نهايته. الدراسات العالمية تكشف أن نسبة نجاح الإنعاش لدى كبار السن ومرضى السرطان المتقدم ضئيلة جداً، وأن الناجين منهم غالباً ما يخرجون بكسور في الأضلاع أو تلف دماغي، ومعاناة فوق عللهم دون تحسّن ملموس في نوعية الحياة. إننا في كثير من الأحيان لا نُطيل الحياة، بل نُطيل المعاناة حتى الموت.


حين كنتُ طبيباً في سنة الامتياز، استدعتني ممرضة على عَجَل لمعاينة مريض يلفظ أنفاسه الأخيرة. دخلتُ الغرفة، وأطرقت عند السرير، لأُفاجأ بصدمة لا أنساها: كان المريض صديقي منذ أيام المدرسة! لقد نخر السرطان جسده حتى غيّر ملامحه، فلم أعرفه حتى دقّقتُ في وجهه الشاحب. كان قرار «عدم الإنعاش» قد اتُّخذ من قبل لجنة من الفريق المعالج، لكن أحداً لم يُخبره، ولم يُخبر أهله. كان القرار في مضمونه صحيحاً لكن آلية تطبيقه لم تكن كذلك. وقف الأهل في تلك اللحظة يتساءلون: لماذا لا تفعلون شيئاً؟ وقعَ اللوم عليَّ وحدي، فيما كان القرار إجماعياً وخجولاً. خرجتُ من تلك الغرفة أحمل أسئلة لم تفارقني: لماذا لم يُناقَش المريض نفسه؟ ألم يكن من حقه أن يعرف مآله؟ أن يودّع أحبّته؟ أن يُوصي؟ أن يختار كيف يُمضي ساعاته الأخيرة؟ لماذا نحرم المريض من أهم قرار في حياته، بحجة «الشفقة» أو «الخوف من الصدمة»؟


أقترح بإلحاح تشكيل حوار وطني حول أهداف الرعاية (Goals of Care Discussion)، فإن ما نحتاجه اليوم في منظومتنا الصحية ليس مزيداً من الأجهزة، بل مزيد من أبواب الحوار. أرى أن يتضمن هذا الحوار الشامل ما يلي:


- تدريب الأطباء على مهارات التواصل الصعب ومناقشة نهاية الحياة.


- توثيق إلزامي لأهداف الرعاية مع الأخذ برأي المريض وتطلعاته عند تشخيص أي مرض مزمن أو مهدد للحياة، يُراجَع دورياً.


- وثيقة وطنية للتوجيهات المسبقة (Advance Directives) معتمدة شرعاً ونظاماً، تحفظ حق المريض في تقرير مصيره الطبي.


- إشراك علماء الشريعة في صياغة هذه الأُطر، إذ إن الفقه الإسلامي أصّل لمبدأ عدم الإضرار، ولمبدأ احترام إرادة المكلّف.


- حملات توعية مجتمعية تُطبّع الحديث عن الموت الكريم، بوصفه امتداداً طبيعياً للحديث عن الحياة الكريمة.


هذا المقترح ينسجم تماماً مع رؤية المملكة 2030 في بناء منظومة صحية ترتكز على الإنسان، لا على الإجراء.


أيها المريض العزيز، صحتك تخصك أنت بالأساس، وجسدك أمانة بين يديك قبل أن تكون بين يدي الطبيب. لا تخشَ أن تسأل طبيبك عن تشخيصك ومآلاته. تساءل عن الخيارات، وعن نسب النجاح، وعن جودة الحياة المتوقعة وليس عن مدّتها فحسب. أفصح عن رغبتك لأهلك، ودوّنها إن أمكن. قُل ما الذي يعنيه لك «العيش الكريم»، وما الذي لا تقبله. إن صمتك قد يُحمِّل أحبّتك قرارات يعجزون عن اتخاذها بعد فقدانك للمقدرة، وقد يضعهم في مواجهة لوم لا يستحقونه. أما حديثك الصريح معهم فهو راحة للبال، وطمأنينة تمنحها لنفسك ولهم.


الموت قدر محتوم على ابن آدم، لكن الطريقة التي نُلاقيه بها يمكن أن تكون اختياراً واعياً بدلاً عن مفاجأة مؤلمة تُفرض في لحظة عجز.

00:14 | 1-05-2026