أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1878.jpg?v=1769095455&w=220&q=100&f=webp

عدنان بن عبدالعزيز الأحمدي

أبحاث الرفوف.. جناية التصنيف ووهم الأثر

في حادثة لا تزال عالقة في ذهني منذ قرابة اثني عشر عاماً، خلال دراستي لمرحلة الدكتوراه، كنا نتلقى محاضراتنا من مختصين مختلفين في كل محاضرة؛ وهو تنوع يضفي طابعاً جاذباً ومثرياً. وهنا وقفة تأمل عابرة تبرز إيجابيات هذا التنوع كبديل لنمط المحاضر الأوحد طوال الفصل الدراسي.


ذات يوم، كان المحاضر جراحاً مخضرماً مختصاً في جراحة الدماغ وعمليات الصرع. وبسبب ازدحام جدول عملياته، أُقيمت المحاضرة في السادسة والنصف صباحا!


وأثناء شرحه العميق عن تشخيص الصرع بالصور الطبية، تطرق عرضاً لـ«البحث العلمي» ومفهوم الجودة والأثر الحقيقي، طارحاً تساؤلاً جوهرياً عن سيل الأبحاث المنشورة التي أغلبها بلا أثر. وضرب مثالاً بمهندس الأشعة المقطعية «جودفري هاونسفيلد»، الذي لم ينشر سوى أوراق قليلة؛ إحداها تشرح فيزياء الجهاز المُبتكر، والأخرى تطبيقه السريري.


بعض المواقف والكلمات لا تُنسى، فلو سُئلت اليوم عن المحتوى الطبي لتلك المحاضرة قد لا تسعفني الذاكرة، لكن تلك اللفتة الصباحية العابرة العارضة لا تزال تقفز إلى مخيلتي وأنا أتأمل تساؤله مع واقعنا متسائلاً: في أي الفريقين نصطف؟ كثرة الأبحاث مع قلة جدواها الواقعي، أم قلتها مع عظيم أثرها؟


هنا تبرز مفارقة لافتة تعاني منها بعض بيئاتنا الأكاديمية والبحثية؛ وفرة هائلة في الإنتاج المنشور، يقابلها عجز مقلق في الأثر الملموس. الإشكال ليس في ندرة العقول المتميزة أو غياب التمويل، بل في الانحراف الصامت لبوصلة البحث؛ حيث تحولت «مؤشرات الأداء» من أداة لقياس جودة البحث إلى غاية بحد ذاتها. فكثير من المؤسسات التعليمية والراصدة للجودة تقيّم الأبحاث العلمية بمؤشرين: عدد المنشورات وعدد الاستشهادات، بينما يغيب الأهم: الأثر الفعلي لها. وفي أروقة هذه المنشآت، يتكرر مشهد مألوف: احتفال صاخب بنشر ورقة علمية، أو تفاخر بدخول تصنيف عالمي، أو تكديس ورقي لبراءات الاختراع.


ظاهرياً، نحن أمام حراك مبهر؛ لكن حين نبحث عن أثر هذه المخرجات في مصانعنا ومستشفياتنا واقتصادنا، نصطدم بفراغ يطرح سؤالاً يستحق المواجهة وقد نخشى إجابته: هل الكتابة لـ«نترقى» أم لـ«نرتقي»؟


ولعل جذر المشكلة يكمن في اللوائح المنظمة للبحث، ويمكن تلخيص أبرز الفجوات فيما يلي:


• ارتهان مقياس نجاح المشاريع البحثية بالنشر في مجلات مصنفة فقط، مع غياب شبه تام للدعم المبني على خروج هذه الأبحاث بـ«منتج» بأثر ملموس. ومثال ذلك الأهمية في الإنجاز تُعطى لمكان النشر أكثر من محتواه.


• سعي محموم لدفع تكاليف باهظة لتسجيل براءات اختراع لحصد نقاط التصنيفات العالمية، لتنتهي كشهادات معلقة على الجدران دون تحول إنتاجي أو تسويق تجاري. مع الإحاطة بأن تسجيل البراءة ورقياً قد يكون أسهل من نشر ورقة علمية محكمة - ويمكن الاستشهاد بذلك عبر الرجوع بالتاريخ قليلاً لنجد أن بعض الجامعات، ارتفعت بها نسب براءات الاختراع بشكل مفاجئ في إحدى السنوات، وانطفأت هذه الثورة لاحقاً، غالباً بسبب الشح المادي.


• ميل بعض الجهات الداعمة للبحث لرفض الأفكار الخارجة عن الإطار الاعتيادي التي تكسر القوالب، وتفضيل الأبحاث التراكمية «الآمنة» لضمان تدفق النشر بلا مجازفة.


• ارتباط المواد المنظمة للترقيات والتميز بالكم والتصنيف أكثر من الأثر. فمثلاً في نقاط الترقيات الأكاديمية، وهذه واقعة عشتها، النشر كباحث منفرد في مجلة ذات تصنيف متدنٍ جداً يقاس بعلو مقارنة ببحث مع مجموعة علماء مختصين متقدمين في التخصص ومن دول مختلفة وفي مجلة ذات تصنيف عالٍ جداً، وهنا علة أخرى عابرة فبذلك يتم الحث أيضاً على البعد عن العمل التعاوني المشترك!


• الاعتماد المبالغ فيه لدى البعض على مقاييس تعتمد معظم خوارزمياتها على حجم الاستشهادات، كقائمة ستانفورد لأفضل 2% من العلماء «قائمة لا علاقة لها بمسماها»، وغيرها من القوائم التي لا تعكس بالضرورة الأثر المجتمعي أو الابتكار الاقتصادي الفعلي للباحث.


• محدودية تنوع التخصصات في الهيئات واللجان المعنية بالتوجهات البحثية المدعومة، مما يجعل هذه التوجهات تدور في فلك اختصاصات مشرعيها.


نظرة تاريخية ووقفة على بعض الأحداث البحثية:


• ركز المخترع «هاونسفيلد» على بناء «المنتج – جهاز الأشعة المقطعية»، ولم ينشر ورقته التأسيسية إلا عام 1973 بعد إثبات نجاح جهازه سريرياً، لينال لاحقاً جائزة نوبل في الطب.


• رُفضت الورقة البحثية الأولى للعالم «بول لاوتربور» عن ابتكاره المتعلق بالتصوير بالرنين المغناطيسي عام 1973 من مجلة «نيتشر» بحجة ضعف جودة الصور، قبل أن تتراجع وتنشر الورقة التي غيّرت وجه الطب وجلبت له نوبل.


• رُفضت ورقة «بيتر هيغز» التي تنبأت ببوزون هيغز من مجلة رسائل في الفيزياء بحجة أنها «لا صلة واضحة لها بالفيزياء»، قبل أن تُثبت صحتها بعد 48 عاماً في مصادم سيرن، وينال عنها نوبل في الفيزياء عام 2013. والمفارقة أن هيغز نفسه صرّح عشية تسلمه الجائزة بأنه لن يحصل على وظيفة أكاديمية في النظام الحالي لأنه لن يُعتبر «منتجاً بما يكفي»، فقد نشر أقل من عشر أوراق بعد عمله الرائد.


• تشير بعض الدراسات إلى أن تكلفة تسجيل براءات الاختراع في عدد من الجامعات تفوق عوائدها المالية، إذ كشفت دراسة حديثة أن جامعة أمريكية واحدة خسرت أكثر من تسعة ملايين دولار سنوياً على الملكية الفكرية بعائد سلبي بلغ نحو -98% — براءات وُلدت للتصنيف لا للتصنيع.


• أثبتت بعض الدراسات الأكاديمية أن ضغط النشر المستمر له تكاليف حقيقية على الابتكار، وأوصت بعدم ربط الأمان الوظيفي بمقاييس الإنتاجية الكمية وحدها.


• تؤكد دراسة ببليومترية «علم قياس الإنتاج الفكري» أن أكثر من 80% من حائزي نوبل بين عامي 2010 و2019 لم يكونوا ضمن قوائم «الباحثين الأكثر استشهاداً»، مما يعني أن هذه المقاييس لا تكشف بالضرورة عن العقول الأكثر تأثيراً.


بكل تأكيد، هذا الطرح لا يقلل من أهمية «النشر النظري أو الروتيني المعتاد»، فهو مطلوب ومهم كقاعدة للمعرفة. غير أن الإشكالية تكمن في الخلل الاستراتيجي بالتركيز بين مسارين: الأول «مسار النشر الروتيني» الذي يستحوذ على الغالبية العظمى من اهتمام الباحثين والمنشآت وتكون معدلاته مرتفعة، والثاني «مسار النشر التطبيقي» ذو الأثر الملموس الذي لا يزال يشهد شحاً واضحاً. وهنا لا نلغي أهمية الأول، ولا نوقع اللائمة على الباحث، فهو لكي يتقدم يجب أن يلتزم ويجاري الأنظمة القائمة، وطالما تتاح للبعض طرق مختلفة للوصول، البعض منها قصير وسريع بغض النظر عن تأثيره، سيتم اتخاذه. والنشر بحد ذاته ليس المعضلة، وتنوعه مطلب، لكن هي نسبة وتناسب، كم من تلك الأبحاث وقع لها أثر ملموس وهل يتوافق ذلك مع التسهيلات الداعمة لها؟ وأين الفجوة؟


جُلّ هذه الفجوات تقع على عاتق المؤسسات والبيئة المرسومة بها عبر حوكمة لوائح وتوجهات بحثية مقننة صقلت ثقافة بحثية محدودة. المؤسسة الحية هي التي تتحول من «مصنع للورق» إلى «منصة لحل المشكلات». وتجاوز هذا الهدر يتطلب تحولات واضحة في فكر المؤسسات الناظمة والهيئات ذات العلاقة واللوائح المتعلقة بها حتى تؤثر إيجاباً في الفكر البحثي وإنتاجيته وثقافته، ومن أبرزها:


• ربط التمويل البحثي بالاحتياج التنموي ذي الأثر الملموس، بحيث يكون الاستثمار موجهاً لـ«الجدارات التطبيقية» وليس لمجرد الوصف النظري.


• تطوير معايير اللوائح والأنظمة لتمنح وزناً إضافياً جوهرياً للابتكار التقني ذي الأثر الاقتصادي، بدلاً من الارتهان الحصري لأرقام النشر، والانتقال تدريجياً نحو تقييم يعتمد على «دراسات حالة الأثر للأبحاث».


• تفعيل الشراكة الحقيقية مع القطاع الخاص لضمان تحول براءات الاختراع إلى قيمة مضافة، مع اشتراط خطة تسويق تجارية لها.


• تفعيل منصة وطنية لجميع المنشآت التعليمية العليا والبحثية تهدف إلى قياس مؤشرات الاستثمار المعرفي من الأبحاث وتسليط الضوء على مبادرات بها مؤشرات أداء تسهّل المتابعة وتعزز التميز وتناقش المقصّر.


• لفتة مجلس الشورى الاستثنائية والشفافة مؤخراً تجاه بعض الجامعات والبحث العلمي تسجل بتميز، ونحن بحاجة لهذه المتابعة بشكل مستمر من الجهات العليا ذات العلاقة، إذ تؤكد مخرجاتها وجود فجوة صريحة بحاجة إلى حوكمة إطارية رقابية وإشرافية على الجامعات ومخرجاتها.


• تمكين الباحثين من سهولة الوصول إلى المقومات اللازمة لتفعيل الأبحاث التطبيقية ذات القيم الملموسة وتمكين مشاركة المعامل البحثية مركزياً ما بين القطاعات المختلفة.


• تسليط الضوء على الأبحاث الطبية السريرية، وهذه بحد ذاتها بحاجة إلى دعم فعال وتفعيل بشكل مكثف وأكبر.


في المؤسسات الناضجة، لا يتم السؤال عن عدد الأوراق المنشورة، بل عن المشكلات التي تم حلها والأثر الذي تركته. تحرير بعض العقول الأكاديمية من هوس التصنيف الشكلي هو الخطوة الأولى لبناء استثمار معرفي حقيقي وملموس، حتى لا تصبح ابتكاراتنا/أبحاثنا مجرد ورق... وتلك هي جناية أبحاث الرفوف.

منذ 18 ساعة

عقول مع وقف التنفيذ.. جناية القالب الوظيفي

تعاني بعض المؤسسات اليوم من مفارقة لافتة؛ وفرة في الكفاءات مقابل عجز في استثمارها. فالإشكال لم يعد في استقطاب العقول المؤهلة، بل في كيفية توظيفها وتمكينها داخل القوالب التنظيمية السائدة. هذا الخلل يتسلل بصمت ليُضعف القيمة المضافة ويقيد فرص التطوير.

داخل هذه المنظومات، تبرز فئة من الموظفين تمتلك قدرات ومهارات تتجاوز توصيفها الوظيفي وحدود صلاحياتها. يمكن توصيفهم –من باب المجاز– بـ «الهكر الوظيفي»، ليس بمعنى الاختراق، بل بالقدرة على تجاوز التعقيد، واختصار المسارات، وضمان حسن الإنجاز بأعلى كفاءة ممكنة. هؤلاء يمثلون طاقة كامنة، لكنهم غالباً ما يعملون في الظل دون تمكين حقيقي.

المشكلة هنا ليست في ندرة الكفاءات، بل في نموذج إداري صُمم أساساً لضبط الأداء لا لتعظيم القيمة. فعندما تُدار المؤسسات بعقلية الحفاظ على النظام أكثر من بناء الأثر، تتحول الكفاءة من أصل تنافسي إلى عبء تنظيمي صامت.

ويمكن تلخيص هذا الهدر البشري في ثلاث فجوات:

• ضيق «القالب» الوظيفي: إسناد مهام رتيبة لعقليات إستراتيجية؛ فيتحول الموظف قسراً من «مبتكر» للحلول إلى «مُنفذ» لتعليمات.

• أزمة القيادة: غياب القادة «المُمكّنين» لصالح «إداريين» يبحثون عن طرق لتقليص أعداد الموظفين والتخلص منهم كأعباء، بدلاً من التفكير خارج الصندوق لاستثمار هذه الكتل البشرية العظيمة كأصول تخدم الجهة.

• عطب «رادارات» التمكين: الاعتماد المستمر على تقييمات ورقية تقليدية لا تكشف الكفاءات الكامنة، ولا تزن المهارات التي لا تظهر في «سيرة ذاتية» جامدة.

الخطر الحقيقي يكمن في تحوّل هذه الفئة تدريجياً إلى مرحلة «الاستقالة الصامتة»، يحضر الموظف بجسده، بينما عقله المتقد غادر منذ زمن. وقد يتفاقم الوضع ليصل إلى «بطالة مقنعة بالكفاءة»؛ راتب يُصرف، وحضور شكلي، لكن القيمة المضافة «مُعطّلة»، والأدهى هو تآكل الولاء وتنامي الشعور بالاغتراب عن الكيان والبحث عن تغييره.

وهذا ليس مجرد انطباع، بل واقع تؤكده لغة الأرقام في أحدث الدراسات (2023-2025):

• عالمياً (Gallup & McKinsey) تراجع الارتباط الوظيفي فاقم ظاهرة «الاستقالة الصامتة» لتطال شريحة تقدر بنحو 40% من القوى العاملة؛ مما يرفع التكاليف التشغيلية الخفية ويقتل التنافسية.

• إدارياً (Gartner) حذرت الدراسة من أن سوء استثمار المواهب وعدم جاهزيتها يهوي بأداء الموظفين والإنتاجية العامة بنسبة تصل إلى 26%

• إقليمياً (Gallup) يقع نحو 61% من الموظفين في دائرة «الانفصال الشعوري»؛ مما يضعف روح المبادرة، ويستوجب التحول العاجل من «الشهادات الورقية» إلى «الجدارات التطبيقية» وفق مستهدفات (برنامج تنمية القدرات البشرية).

• تنظيمياً (Deloitte) تؤكد الدراسات أن المؤسسات التي تتحرر من «القوالب الوظيفية الجامدة» لصالح «منظومة المهارات المرنة» ترتبط بانخفاض قد يصل إلى @ في معدلات تدوير الكفاءات المتميّزة، مما يرفع القدرة التنافسية والأداء المالي.

حقائق للتفكر من عمق الواقع:

• كفاءات بمؤهلات عليا مُهَنَّدة وبمهارات ناعمة جوهرية، محاصرة في إدخال بيانات يدوية.

• إنفاق متزايد على استشارات خارجية، بينما الحل يقبع في مكاتب مجاورة.

• ترقية «المطيع» غالباً ما تكون أسرع وأسهل من ترقية «المبتكر» الذي قد يزعج السائد.

• تكلفة «إعادة اكتشاف» وتمكين موظف حالي أقل بكثير وأجدى نفعاً من استقطاب موظف جديد قد لا يملك ولاءً ولا ذاكرة مؤسسية.

المؤسسة الحية هي التي تتحول من «صندوق مغلق» إلى «منصة تمكين». والتجارب المؤسسية تشير إلى أن تجاوز هذا الهدر يتطلب تحولات قيادية وتنظيمية واضحة، من أبرزها:

• استقطاب قادة محترفين يكون «التمكين والتغيير» جزءاً أصيلاً من أهدافهم الإستراتيجية، بعيداً عن الشخصنة، والقرارات الانفعالية، والنرجسية الإدارية.

• التحوّل من العمل المبني على «المسمى الوظيفي الجامد» إلى العمل المرن المبني على «المشاريع والمهارات».

• خلق مساحات آمنة (منصات فعالة) لطرح الأفكار التطويرية والنقدية، واعتبارها استثماراً يُحسب للمبادر بها لا تجاوزاً منه، وبظني هذه لوحدها لو تم تفعيلها بكل إدارة بشكل احترافي وفعال، لكان لها التأثير الأعظم.

• محاسبة المسؤول الذي يكدس العقول في إدارته دون تمكين، واعتبار استغلال الكفاءات الداخلية مؤشر أداء ومعياراً جوهرياً للنجاح.

في المؤسسات الناضجة، لا يُسأل القائد عن عدد موظفيه، بل عن عدد العقول التي فعّلها، وعدد الأفكار التي خرجت من إدارته، وعدد الكفاءات التي كادت أن تخسرها المؤسسة لولا تدخله.

واليقين الذي يجب أن نؤمن به: أن في كل مؤسسة من يستطيع النهوض بها إلى خطى إستراتيجية ورؤى مستقبلية استثنائية، لكنهم فقط.. بحاجة للتمكين، حتى لا تصبح هذه الفئة عقولاً مع وقف التنفيذ وتلك هي جناية القالب الوظيفي.

00:17 | 22-02-2026

حين يسبق السوق الجامعة

ليست المشكلة في أن الجامعات لا تُخرِّج، بل في أنها تُخرِّج كثيراً، لكن بملامح قد لا يلتقطها سوق العمل بسهولة. وبين الطرفين تتسع فجوة صامتة، لا تُعلن كأزمة، لكنها تُنتج آثارها بهدوء مقلق.

ويمكن تبسيط هذه الفجوة في ثلاثة محاور رئيسة:

• انفصال المخرجات عن الاحتياج: فراغ – وقد يكون كبيراً – في الربط بين مخرجات الجامعات واحتياجات سوق العمل الفعلية.

• جمود البرامج الأكاديمية: وفرة برامج غير متواكبة مع متغيّرات السوق، يقابلها تعقيد غير مبرر في تحسينها أو إيقافها.

• غياب المظلة الناظمة: عدم وجود هيئة أو منظومة حوكمة مؤسسية تجمع الجامعات وسوق العمل ضمن إطار تنسيقي مؤسسي واحد وفعّال.

أحد أعمق تجليات هذه الفجوة يتمثل في «جمود» الاستجابة وبطء الآليات المؤسسية أمام تسارع متطلبات سوق العمل. فبينما يتحرك السوق بوتيرة عالية، وتولد تخصصات وتندثر أخرى خلال مدد قصيرة، لا تزال بعض جامعاتنا – لا سيما الحكومية – حبيسة إجراءات بيروقراطية ثقيلة. ويُعزى ذلك جزئياً إلى تداخل الجهات المشرِّعة والرقابية داخل المؤسسة وأحياناً خارجها، ما يخلق مسارات طويلة ومعقدة للاستحداث والتحسين. فأصبح استحداث برنامج «موائم» يستغرق سنوات من اللجان والمراجعات والاعتمادات.

هذا البطء الإجرائي لا يؤخر الحل فحسب، بل يُفاقم المشكلة؛ إذ يُبقي برامج تجاوزها الزمن فاعلة في تكديس خريجيها. والمفارقة المؤلمة أن البرنامج الذي يُعتمد بوصفه مواكباً لحاجة السوق، قد يصل إلى مرحلة التنفيذ وقد أصبح – كلياً أو جزئياً – مؤرخاً للماضي؛ لأن السوق سبق الحاجة إليه وتجاوزها قبل أن يجف حبر اعتماده.

وربما الأدق وصف هذه الحالة بأنها فراغ مُمأسس (تأسيس الشيء: يعني وضعه على أسس سليمة وقواعد محددة)؛ إذ لا توجد علاقة حقيقية أحياناً بين الجامعات وسوق العمل، فلكلٍّ منهما مظلات بحوكمة منفصلة وتشريعات مستقلة.

حقائق للتفكر من واقع التجربة:

• قد يتطلب استحداث برنامج أكاديمي إعداد ما لا يقل عن 23 نموذجاً، والمرور عبر 5 لجان داخلية، ثم 3 لجان مؤسسية، إضافة إلى تحكيم محلي وخارجي، يعقبه مرور إضافي على 3 لجان أخرى، ثم العرض على 3 جهات خارجية، ليصل مجموع المراجعين للبرنامج الواحد إلى أكثر من 56 عضواً.

• حصول البرنامج على الاعتماد البرامجي لا يعني بالضرورة مواءمته الفعلية لاحتياجات سوق العمل.

• إغلاق برنامج متكدس غالباً أكثر تعقيداً من استحداث برنامج جديد.

• تتوفر لدى جهات وطنية تقارير متميزة، إلا أن توظيفها في القرارات لا يزال في الغالب غير مباشر وغير مُلزِم.

• أغلب قرارات التحسين والاستحداث تأتي بمبادرات فردية.

الجامعة بطبيعتها مؤسسة معرفية، وسوق العمل بطبيعته مؤسسة إنتاجية. الأولى تنطلق من المحتوى، والثانية من الناتج.. ومن هنا تبدأ الفجوة. ولردم جزء من أثرها، تتعالى معها صرخة حلول تصحيحية، من أبرزها:

• التنوير الصحيح بمصطلحات مثل «مواءمة سوق العمل» و«دراسة الجدوى». فهي حاضرة شكلياً في اللوائح والخطط الاستراتيجية، لكن البعض لا يدركون معناها التنفيذي والقياسي، بل الأدهى قلة – أو انعدام – معايير تحوكم طرائق بناءها وتحليلها داخل المؤسسة التعليمية بصورة ممكنة للمقارنة والمتابعة.

• الربط المباشر: إنشاء هيئة أو منظومة ذات مظلة وطنية فعالة، تجسر فجوة الفراغ وتربط الجامعات مباشرة بالقطاعين العام والخاص، ولربما يكون جزءاً من ذلك بالاستفادة المباشرة (وليس الاختيارية) من البيانات والتقارير المتخصصة من المرصد الوطني للعمل.

• رشاقة الحوكمة: منح الجامعات مرونة حقيقية في تحسين أو استحداث أو إغلاق برامجها، مع تقليص تداخل الصلاحيات الذي يستهلك الوقت ويقتل المبادرة، مع الإقرار بأن جزءاً كبيراً من هذا التحسين وارد من داخل الجامعة نفسها، لكنه يحتاج قيادة فعالة ومتابعة جهة رقابية ذات صلاحية.

• تفعيل وجود جامعات ذات هوية تخصصية متمايزة (صحية وتقنية وغيرها)، بما يعزز العمق الأكاديمي ويحسّن مواءمة المخرجات مع احتياجات سوق العمل.

• تفعيل التدريب التعاوني الحقيقي: نقله من كونه بنداً شكلياً إلى منصة تعليمية ذات مهام واضحة، قابلة للقياس، والتقييم المشترك بين الجامعة وجهات التدريب – ولعل هذا المقال لم يتطرق كثيراً لهذا الجانب لكنه مهم بجانب صقل المهارات الناعمة والجوهرية.

• مراجعة «تاريخ الصلاحية»: إجراء مراجعات دورية شجاعة للبرامج الأكاديمية، وسرعة إغلاق ما لم يعد يقدم قيمة مضافة للمصلحة الوطنية.

• عواقب مؤشرات التكدس: وضع حدود دنيا واضحة لمؤشرات أداء تقيس نسب التكدس، مع وجود جهة مستقلة تتابعها وتملك صلاحية التعامل مع نتائجها.

• المعالجة السريعة للبرامج المتكدسة: من خلال استحداث برامج دراسات عليا ترفع إنتاجية التخصص، وتأهيل الأكاديميين والخريجين بهذه البرامج بمخرجات تعلم بينية ذات صفات متعددة في تخصصات نادرة أو معممة. والتفكير خارج القالب التقليدي باستحداث برامج ذات مخرجات مرنة تغطي فجوات متعددة بدلاً من التخصصات الدقيقة الضيقة.

ومن باب الإنصاف، فإن الجهات المشرِّعة – وفي مقدمتها مجلس شؤون الجامعات – تعمل على تطوير هذه المنظومة، وقد تكون كثير من هذه المسارات التحسينية قد وصلت بالفعل إلى مراحل متقدمة من التنفيذ؛ إلا أن التنوير بها وطرحها للنقاش يظل ضرورة لتعظيم الأثر وتسريع المخرجات والإيمان بوجود الشراكة القيادية الواعية. وفي هذا السياق، تبرز أدوار جهات وطنية مهمة مثل المرصد الوطني للعمل بما يقدمه من بيانات وتقارير متخصصة عالية القيمة، والهيئة السعودية للتخصصات الصحية وهيئة تقويم التعليم والتدريب بما تمتلكانه من معايير مهنية وأطر تنظيمية مؤثرة، إلا أن الاستفادة من هذه المخرجات لا تزال في كثير من الأحيان غير مباشرة وغير مُلزِمة على مستوى القرارات الأكاديمية في الجامعات ولا يوجد ربط مؤسسي بينها. كما أن هذه التحديات تشمل أطرافاً عدة من بينها القطاع الخاص والطالب الدارس.

سوق العمل ليس زبوناً ينتظر بضاعة، والجامعة ليست مصنعاً يقذف منتجاته خارج أسواره. كلاهما في قارب وطني واحد؛ إما أن يجدفا معاً نحو الناتج الحقيقي، أو يظل المحتوى والناتج ضحايا صامتة لهذا الخلل المزمن.. حينها يسبق السوق الجامعة.

00:02 | 23-01-2026