أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1862.jpg?v=1766065339&w=220&q=100&f=webp

أسامه القاسم

سِفرُ سعيد

في طريق السفر... مضيتُ أُطاول السماء بطرفي، أتأمَّلُها تأمُّلَ من يقرأ في كتابٍ مسطور، وأسائلُ نفسي: أيُّ سحر هذا الذي لو جُمِعَ لهذا الموقف لَفَضَّلَ ألا يكون؟ حتى إذا كان القلب في غفلته، هَزَّني رنين الهاتف هَزَّ الوَجْدِ، فإذا هو صديقي معاوية.


ومعاوية، يا إخوتي، رجلُ الصحافة، وقَّافٌ عند الكلمة، لكنه اليوم لم يقف. قال: ذكرتُك حين رأيتُ سعيدًا السريحيَّ في شاشة. فما كان من قلبي إلا أن تَقَلْقَلَ قَلَقَلَةَ مَنْ عَلِمَ قبل أن يُعلَم، وأحسَّ إعصارًا من الدمع يَحْصُر الأضلع، ويَزحَم النَّفَس. وإذ به ينعاه!


فقلت: وَيْلك يا معاوية! أهكذا يكون الصديقُ لصديقه؟ بلا مُقدِّمات، بلا تَلْمِيحٍ يُؤْذِنُ، بلا رحمة؟ سعيدٌ إلى رحمة الله.


كان سعيدٌ في بَدْء الأمر أستاذًا لأبي، في تلك الجامعة التي حَرَمَتْ أبا إقبالٍ شهادةَ الدكتوراه! وابأَسَا لتلك المرحلة! وأيُّ قَسوةٍ تَرُوقُ من القَدَر حين يَتبدَّد حُلُمُ العُمر بين يديك، لأنك اخترتَ أن تكون صادحًا بالحق، حارسًا لكلمتك!


ومن عَجائب الصُدَف، أن آخِرَ لقاءٍ عُقِد مع سعيد كان في رمضانَ الماضي، في شأن معركةٍ أدبيةٍ ما يزال غُبارها يَتَرَاجَى. ويا للقدر! لقد كنتُ أنا آخِرَ من جالسه على طاولة الحوار.


قدِمْتُ إلى منزله في جدَّة، تلك المدينة التي كانت أولَ أوراق تعبيره. استقبلني، وقدَّم إليَّ «الإسبريسو» بيدَيه، ثم ناولني السيجارة، إيذانًا ببدء حوارٍ طويلٍ يَسْبَح فيه في ملكوت الأدب، وفَلَك النقد. وأيُّ جمال يَغْمُر المرء حين يَراه على تلك السجية! كنا نَقِف بين الفَينة والفَينة، فيَشرب سيجارةً يَنْفُث فيها همَّه، ويُوصِّل عبر الكاميرا فَنَّه.


ثم مَشَيْنا في حديقة منزله الرائعة. وخُيِّل إليَّ أن سببًا من أسباب بَراعة نقده إنما هو نَقَاءُ حوّاء حديقته.


ودَّعْتُه بوداعِ الوامِق، وقبَّلْتُ رأسَه مرتين: مرةً لأنه أستاذُ والدي، ومرةً لأنه سعيد.


خرجتُ من الدار وقد وعدتُه بالعودة، لأرى مكتبتَه، فإنَّ لي شوقًا لا يَخْبُو إلى رؤية مكتبات الأدباء.


واليوم! وبعد أن رحل، لم يبقَ لي من تلك المواعيد غير أملِ اللقاءِ في أَحلام السماء وجنَّة الفردوس.


ويْلَ المسيرَة الأدبية! وويلًا للألم الذي يَنْهَش جسد الثقافة! فإنه حين رحل، تَساقَط رُكْنٌ ثقافيٌّ كان قد أَشْرَفَ على الانهدام، فَجاء سعيد فأعاده بناءً من جديد. لكنه نسيَ — ويا حسرةَ المفارق — أن يوصيَنا كيف نَبني من بعده! وما كان أقسى الوداعَ حين يكون بلا عودة.


برحيل سعيد السريحي، تَفْقِد الساحة الثقافية العربية صوتًا نقديًّا أصيلًا لم يَعْرِف المَداهنة، ومشروعًا فكريًّا ظلَّ وفيًّا لرهانه على العقل والاختلاف. لقد أمضى حياته خارج الأقواس، فكان جديرًا بأن يُكتَب اسمه في ذاكرة الثقافة العربية بحبر لا يَبْهَت، وبقلم لا يَنْكَسِر.


لقد كانت «حياة خارج الأقواس» دليلًا شاهدًا على حياةٍ مُتْرَعَةٍ بالفن والجمال، والألم والحسرة. لكنه، بكرمه الساحر، كان يستطيع أن يُحيل الصلصال تحفةً، والدمعة مِحْبَرة، والضَّحكة الخامِرة تاريخًا يُرْوى.


ويْكأنَّ الحسنَ التِّهامي كان يرى رحيل سعيد حين قال:


حُكْمُ المَنِيَّةِ في البَرِيَّةِ جاري


ما هَذِهِ الدُّنيا بِدارِ قَرارِ


بَيْنا يُرَى الإِنْسانُ فِيهَا مُخْبِراً


حَتَّى يُرَى خَبَراً مِنَ الأَخْبارِ

منذ 4 ساعات

حاتم علي.. الحكاية التي لم تُكتب نهايتها!

لطالما كان الحزنُ فاتحةَ التاريخ حين يكتبه الفقدُ بأحرفٍ من نور.

فقبل خمسة أعوام، تهادت مآتمُ الفن والدراما العربية على فقيدها الكبير، الذي كان الرَّائدَ والموجِّهَ وصانعَ الوجه الجديد لشاشاتنا، في التاريخ وفي الواقع المعاش.

وكأن جنازة حاتم علي أعادت شريطَ أسىً قديم، ففقدت الشام، في غضون عشرين عامًا، نزار قباني شاعرَها، ثم حاتم علي ناظرَ صورتها وروحها.

لم يكن حاتم علي ساحرَ المشاهد فحسب، بل كان قاضيَ الحكاية وحَكَمَها، يغلق باب المنافسة على منافذها. فانطلقت رحلته الإعجازية من «الزير سالم»، فأعاد إحياء أسطورة عربية تخلَّدت في السير الشعبية، حاملةً بين سطور الحرب شعرَ القبيلة وفراسةَ المحارب؛ وكأنه بذلك أعاد المشاهد العربي خمسةً وعشرين قرنًا إلى الوراء، إلى بيداء الصحارى وصفير الريح في خيام الأبطال.

وظنَّ كثيرون أن الرجل قد اكتفى، ولكنه أحسَّ جوعَ النفوس إلى مرآةٍ تعكس وجوهها، فكان «الفصول الأربعة» السِفرَ الأمين الذي دوَّن به حالة الأسرة الشامية بكل ما تحمله من صراعاتٍ خفية ووشائجَ اجتماعيةٍ متينة، وكأنه يقول للمشاهد: هذه حكايتكم الأبدية، فأعيدوا قراءتها.

وحين ثملت الشاشة من فيض إبداعه، لم يقف عند حَدِّه، بل مضى قُدُمًا ليخطَّ «التغريبة الفلسطينية» بألم اللاجئ وشمعة الذاكرة، ثم أتبعها بثلاثية الأندلس التي أعادت للأذهان مجدًا غابرًا، حتى صار كثير ممن يتغنَّون بالأندلس اليوم وليدَ تلك التحفة الفنية.

وأعقب ذلك الكثير والكثير من السحر الدرامي، حتى توجَّ مسيرته بأعظم عملٍ عربيٍّ جسَّد شخصية الصحابي الجليل في «مسلسل عمر»، فكان التوقيع الأخير، العربي الإسلامي الخالص، على رسالته الفنية التي أنقذت الدراما من سَآمة الملل ووهَن التحيز.

إن القيمة الفنية للراحل أكبر من أن تُختزل في سطور، فهي الذاكرة الحية للشارع العربي الذي ما زال يذرف دمعتين: دمعَةَ على فقده المرير، ودمعةً على جوعٍ ينهش القلبَ وهو ينتظر من يلي بإرث هذا العبقري.

لقد جعل حاتم علي الدهشةَ عادةً، والترفَ الفنيَّ مادةً يُقتات عليها الذوقُ الرفيع، فجمع المؤيد والمعارض في صفٍّ واحدٍ إجلالاً لفنّه، لأن الدهشةَ الحق تُسْحِرُ المرءَ أيًّا كان موقفه.

ولكن هذا المبدع العروبي الفذّ لم يأبه قطُّ لعبقريته، بل كان شديدَ الاعتزاز بأصحاب الكلمة الذين صنعوا معه المعجزات، من ممدوح عدوان إلى وليد سيف، عارفًا أن المخرج الحقَّ هو من يعرف الكاتب الحقَّ، ليصلَ معه إلى المشاهد الحقّ. فمن حلقات «الفصول الأربعة» إلى «ذكريات الغفران» و«التغريبة الفلسطينية»، لم يشأ حاتم أن يضع نهايةً مُفرحةً زائفة، بل النهايةَ الأصدقَ تعبيرًا عن واقعٍ يفتقد حاملَ رايته الأبدي.

لم يرحل حاتم علي! إنه لم يرحل من ذاكرة الشاشة، ولا من عقل كل مشاهدٍ تاه في أزقة أعماله، ولا من روح كل متفرجٍ عاشق.

لقد رحل بجسده تاركًا الثقلَ الأكبرَ في ساحةٍ صارت بعدَه أشدَّ ضجيجًا وأقلَّ فنًّا، ساحة استفرغت من الجمال الحي الخالص الذي لا تشوبه سوقيةٌ ولا يلوثه غبارُ حداثةٍ رخيصة.

وها هو تاريخُه الناصع لم يترك لنا إلا البكاء.. بكاءً مُرًّا على الفقد، وبكاءً حارًّا على جوعانٍ ينتظر مَنْ يطعمه من مائدة فنّه المباركة. ولعلَّ هذه هي الرسالة الأخيرة للفن السامي: إن مات الصانع، فعلى الأحياء أن يُحيوا ذكره في ذاكرتهم، فالفنُّ الخالد لا يموت.

رحل حاتم بجسده، لكن صوته البصريَّ وروحه العروبية ظلا شاهدَيْن على تاريخٍ يصعب كتابته، وفنٍّ يعسر استنساخه. رحمة الله تغشاك يا صانع الدهشة، يا مهندس البراعة. حاتم علي؛ لقد كنت المعجزة الفنية القائمة بالفعل، والفنَّ الإعجازي الذي ينتظر التأويل.

00:05 | 1-01-2026

الأرضُ ستبقى عربيّة..

في أواخر صبى الدراسة، وفي غُبَارِ أيامِ الثانوية الأخيرة، انقدحتْ في أعماقي شرارةٌ حالمةٌ كانت تُبشِّر بولادةِ لسانٍ لوذعيٍّ معتوقٍ، وقلبٍ عربيٍّ مفتوق.


وكان ذلك في الزمن الذي انطوى عليه الثالث عشر من نوفمبر عام 2019، في روضةِ المكان وسرادق الحضارة (دار الأوبرا بدُبي).


حضرتُ إلى المسرح العظيم متوشحاً بعبارةٍ خطَّتها يَدُ الحُلم على شالٍ أبيض، ترفُّ عليه كلماتٌ كتبت فيها: «الأرضُ ستبقى عربيةً».


ولم أكن يومَها أدرك ما يتخفَّى وراء ستار الجملة من غوامض المعاني وأسرار المصير، بل قرأتُها كما يقرأ الفتى السعيد الذي يخطو لأول مرة عالَم الأوبرا، متطلعاً إلى الجمال، غافلاً عن قَدَر الكلمة التي تحملها روحه.


تجّلت حينها كوكبةُ الفن وسيدةُ الألق.. ماجدة الرومي، فكانت يا لسعدي أول حفلةٍ غنائيةٍ تجرأتُ على اقتحام عالمها الفسيح.


وإذ بها تُطلق صوتها فتُبحر في بحور الجمال، وتغوص في أعماق الألحان، تتغنى وكأنما الأرضُ كلها تُصغي إليها، وكأنما الوجود يَحمِلُ أنفاسها إلى كل أذنٍ واعية


«الأرض ستبقى عربيةً»


تهتف بها روحها قبل حنجرتها، فتُدوِّي الكلمةُ في أعماقي كالنبوءة التي تنتظر تحققها الأيام.


وتلك اللحظة الفريدة، على جمالها الآسر، كانت في أعماق نفسي مأساةً تُرسم بظلالها.. فكيف لفتى عروبيٍّ ينبض قلبه بالعربية، ويهتف لسانه بالعربية، يشعر كأنما تُغتال اللغةُ بين جنبيه، وتُباع في سوق النفوس الرخيصة!


فيا لحسرةِ القلب حين يرى لغة الضادّ تُصَفِّق لها الأيدي، ثم تُنبذ في ميدان الحياة! ويا لأسفِ الروح على استخفاف عقولٍ مظلمةٍ، تتهافت على اللسان الأعجمي البائس كالمسعور على وهْم الحضارة!


وقبحاً لتلك الألسنة المبتورة التي تتنكّر لأصلها، وتفرّ من نبعها، لتلهث وراء سرابٍ لا ماء فيه ولا ظلَّ!


وتُصبح شمسُ اليوم شاهدةً على اعترافٍ أمميٍّ يُقرُّ بجمالية اللغة العربية، حين وافق الثامن عشر من ديسمبر أن يُدَوِّي في سجلات الأمم اعتماد العربية لغةً رسميةً «عالمية» -وهي لسان أربعمائة مليون نسمة، بل هي أمُّ اللغات وأصلُ البيان.


ولسنا نرجو من هذا الاعتراف مَوضعَ تباهٍ زائف، بل نرجو إيماناً صادقاً بجلالة هذه اللغة، وعظمة هذا الميراث.


فإن اعترفت أممٌ أخرى -وهي والله أدنى من أمة العروبة والإسلام لساناً وسليقةً وفهماً- بعلوِّ مكانة العربية، فلماذا نُدخل ألسنةً غريبةً واهيةً في معين العربية المجيد؟! ولماذا نُذيِبُ جليد قلوبنا على نار لغاتٍ لا تضيء ولا تدفئ؟!


حاشا للعربية أن تحتاج إلى شهادةٍ من أحد، ولكنّ العالمَ أيقن أخيراً أنه كان أعمى، ففتح عينيه على نورٍ كان منذ الأزل ساطعاً.


اللغةُ هي الوجودُ المصوَّرُ لأمةٍ في حروفها، والروحُ الناطقةُ بأفكارها ومعانيها، فكلُ لفظٍ شاهدٌ على خُصوصيةِ قومه وتميُّزهم.


وهي قوميةُ الفكر التي تجمعُ شملَ الأمة في طريقةِ النظر إلى الوجود، ودقة نسيجها تدلُّ على رِقَّةِ الملكات، وعمق مفرداتها يرتَسمُ كعمقِ الروح، وكثرةُ اشتقاقاتها برهانُ حريةٍ لا تُقَيَّد، وطموحٍ لا يُحَدّ.


لقد اشتملت العربية على أسمى الأوصاف وأعظم الألفاظ، بل كانت رائدة العلوم ودليلة المعارف! ولكل علم تعريف يمسك بكُنْه المصطلح.. والتعريف اللغوي هو اللَبِنَةُ الأولى والمنبع الأصيل.


فمن صَدَّ عن لغته حملات الأعاجم اللغوية والفكرية، يصعب انتزاعه من مقوّمات وجوده، أو انتسافه من جذور تاريخه، وهو في الوقت ذاته لا ينخذل ولا يتضعضع، بل يظل كالجبل الأشم، والصرح الوطيد.


حظيت العربيةُ بتاريخٍ شعريٍّ وكتابيٍّ يعدّ الأغنى بين لغات الأرض قاطبةً على مرّ العصور والأزمان، وكانت لسان العرب وسلاحهم الذي يرافق حدَّة السيف وبراعة الفارس في ميدان المعركة والحضارة.


وكثيرةٌ هي القصائد التي نُظمت في حبّ العربية والدفاع عنها، ولا يسعني إلا أن أعرّج على ذكر إحدى قصائد حاضرنا المجيد، التي كانت أول قصيدة حفظتها وألقيتها في محافل الأدب ومجامع البيان، والتي أعدُّها دستوري الأدبيّ وميثاقي اللغويّ، وهي قصيدة شاعر النيل الخالد حافظ إبراهيم، التي تهتف بالعربية وتنافح عنها.


وقد خططت هذه الكلمات في مقهىً اسمه «عربي»، وتفاصيله كلها عروبية تُذكّر بالأصالة والتراث، وأنا أحمل بين يديّ كتاب الرافعي الأبقى «وحي القلم» ليوحي إليّ من سحره البياني وروعة بيانه ما يعينني على البلاغة والتعبير.


والسلام على لغة الضادّ، تبقى شاهدةً على عظمة أمّةٍ، وناطقةً بمجد تراث.

23:57 | 18-12-2025