أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1758.jpg?v=1762959881&w=220&q=100&f=webp

منيف الحربي

كاتب متخصص بالطيران

رأس مالنا.. كوادرنا

رأس مالنا الحقيقي ليس النفط ولا المباني، ولا الأساطيل الممتدة على مدارج المطارات.. إنه الانسان.

إعداد الكوادر الوطنية المؤهلة في القطاعات كافة هو أساس الأمان للمستقبل؛ لأن الأوطان لا تنهض إلا بسواعد أبنائها، ولا تتقدّم إلا حين يتحوّل الطموح الفردي إلى مشروع جماعي، وحين يصبح التمكين سياسة لا شعاراً.

قطاع الطيران واحد من أهم محركات النمو عبر التاريخ الحديث، لم يكن وسيلة نقل، كان أداة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية والاجتماعية للدول، فهو يختصر المسافات ويختصر الزمن التنموي كذلك، ومن يتتبع تاريخ الطيران السعودي يدرك أن «الخطوط السعودية» أدّت دوراً تأسيسياً للمساهمة في بناء مفهوم الدولة الحديثة المترابطة.

إدارة وتشغيل شبكة نقل داخلي واسعة في بلد مترامي الأطراف كانت فعلاً تنموياً بامتياز، وتوطين الوظائف في قطاع صناعي تقني شكّل خطوة مبكرة في زمن لم يكن الحديث فيه عن «المحتوى المحلي» موجوداً كما هو اليوم.

اللافت في هذه المسيرة هو البدايات المبكرة لفكرة الاستثمار في الإنسان، حيث ابتُعثت أول دفعة لدراسة صيانة الهياكل والمحركات لمدة 15 شهراً في ولاية كاليفورنيا عام 1384هـ، أي قبل أكثر من ستة عقود، كانت قراءة واعية لمستقبل الصناعة، وكان واضحاً أن مفهوم الطيران لدى «السعودية» هو المعرفة بالتفاصيل التي تحيط بالصناعة ككل، وتحقّق السلامة والاستدامة.

قبل ذلك بسنوات، في عام 1378هـ، كان هناك توجّه للتدريب المتخصص في مجال الطيران، في وقتٍ كانت فيه المنطقة بأكملها لا تزال ناشئة، وسبقه أول برنامج تدريب في مجال التسويق والمبيعات عام 1964م، والتحق به أكثر من أربعين طالباً، في إشارة مبكرة إلى أن الطيران قيادة وعمليات وصيانة وإدارة علاقات وسوق وصورة ذهنية في آنٍ واحد.

يروي الأستاذ حمزة الدباغ، رحمه الله، في كتابه المميّز «من الجمل إلى الطائرة» أنه عندما عُهد إليه إنشاء إدارة عامة للتدريب في أوائل الستينيات الميلادية، قام بجولة على مؤسسات النقل الجوي في أوروبا وأمريكا، في بحث جاد عن أفضل الممارسات لتنمية القوى العاملة، اطلع والوفد الذي رافقه على أرقى مراكز التدريب، وتعرّفوا على نظريات وأساليب، ثم بُني على ذلك برنامج ابتعاث للطيارين والفنيين وموظفي المبيعات والتسويق، وغيرهم من التخصصات المرتبطة بقطاع الطيران، هذه الخطوة تكشف وعياً مبكراً بأن بناء المؤسسة يبدأ من بناء العقل الذي يديرها، وأن الاستقلال الحقيقي في أي صناعة يمر عبر المعرفة قبل المنشآت.

مطلع هذا الأسبوع، سعدتُ بحضور حفل تخرّج أكبر دفعة متدربين في تاريخ الخطوط الجوية العربية السعودية، التي تجاوز عددها 1,000 خريج وخريجة من بنات وشباب الوطن في تخصصات متعددة؛ من مساعدي طيارين ومضيفين وفنيي صيانة وطهاة جويين وغيرهم. بدا المشهد امتداداً طبيعياً لتلك البذور الأولى.

لم تكن مناسبة احتفالية بقدر ما كانت لحظة إنسانية مكثّفة، عائلات ترى أبناءها وبناتها يخرجون إلى درجات المسؤولية، وقطاع يشهد دخول دماء جديدة تحمل طموح جيل مختلف.

حضور وزير النقل وعدد كبير من منسوبي القطاع أضفى على المناسبة بعداً وطنياً، غير أن القيمة الأعمق تجلّت في تلك اللحظات بين الآباء والأمهات وأبنائهم، حيث اختلطت الدموع بالفخر.

الحديث عن هذه المسيرة ليس خطاب تمجيد، فأي مؤسسة وطنية مهما كان تاريخها، تبقى في حاجة إلى النقد والتطوير، لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الاستثمار المبكر في التدريب والابتعاث وبناء إدارات متخصصة كان ركيزة أساسية في تشكيل قطاع طيران وطني قادر على التكيّف مع التغيّرات الكبرى، والتحدّي اليوم يتمثّل في تحديث البرامج باستمرار، وربطها بالتقنيات الجديدة ومتطلبات الاستدامة، وفهم التحولات في أنماط السفر والاقتصاد العالمي، حتى تظل الكفاءة الوطنية قادرة على المنافسة في بيئة تتغير بوتيرة غير مسبوقة.

في النهاية، القصة ليست قصة شركة، إنما قصة فكرة أن رأس المال الحقيقي هو الإنسان؛ لذلك حين نقرأ تاريخ أي قطاع وطني، نبحث عن اللحظات التي اختار فيها أن يستثمر في العقول قبل الآلات، تلك اللحظات هي التي تصنع الفارق على المدى الطويل.

الطائرات يمكن أن تُشترى، والمباني يمكن أن تُشيّد، لكن الكفاءة تحتاج وقتاً وصبراً، وإيماناً عميقاً بأن المستقبل يُبنى في قاعات التدريب كما يُبنى في ساحات العمل.

منذ يومين

السعودية.. وتنمية الطيران العربي

في بداية السبعينيات من القرن الماضي، كان السفر الجوّي شبه محصور على النخبة، فالأسعار المرتفعة، والخدمات الراقية لا يقدر على تكاليفها سوى شريحة محدودة.

من هنا ظهر نموذج «الطيران الاقتصادي» فكرةً؛ لكسر الاحتكار وإعادة تعريف خدمات النقل الجوي.

البداية الفعلية للطيران الاقتصادي كانت في الولايات المتحدة مع Southwest Airlines حيث انطلقت برؤية بسيطة، لكنها وثبة كبيرة، أسطول موحّد مع دورات تشغيل سريعة وبيع مباشر دون وسطاء، وإلغاء كل ما ليس ضرورياً للرحلة نفسها، لم تهدف لمنافسة شركات الطيران التقليدية، لكنّها سعت لتوسيع قاعدة المسافرين وتعدّد الخيارات أمامهم.

هذا النموذج انتقل لاحقاً إلى أوروبا مع شركتي Ryanair و easyJet، حيث أعادتا تشكيل حركة السفر داخل القارة العجوز، وربط المطارات الثانوية مما خلق نشاطاً اقتصادياً جديداً في المدن المحلية.

أما في آسيا، فقد أحدثت AirAsia نقلة مماثلة، مستفيدة من الكثافة السكانية وارتفاع الطلب على السفر منخفض التكلفة، لتربط جنوب شرق القارة بشبكة جوية لم تكن موجودة سابقاً.

تجاوز الطيران الاقتصادي مسألة السعر ليصبح مع الوقت أداة تنموية مهمة، وأثبتت التجارب أن كل مسار جوي جديد «منخفض التكلفة» يخلق «طلباً سياحياً عالياً» ويحرّك التجارة، ويعيد توزيع التنمية؛ لذا تبنّت دول كثيرة هذا النموذج خياراً تشغيلياً مؤثراً في سياساتها الاقتصادية.

عربياً، جاء النموذج متأخراً نسبياً، لكنه عندما جاء غيّر قواعد اللعبة، فشركات مثل Air Arabia أسّست لمرحلة جديدة من الربط الإقليمي، قبل أن تتشكّل التجربة السعودية بصورة أكثر عمقاً مع طيران ناس ثم أديل.

دخلت «طيران ناس» سوق الطيران الاقتصادي باكراً، وتطوّرت باستمرار، لتنتقل من ناقل منخفض التكلفة إلى لاعب استراتيجي ضمن منظومة الطيران المدني السعودي، مستفيدة من بيئة تنظيمية مرنة ورؤية وطنية واضحة.

من هنا، يمكن قراءة خطوة تأسيس طيران «ناس سوريا» التي أعلن عنها مطلع الأسبوع، وتوقيع مذكرة التفاهم لتطوير وتشغيل مطار حلب الدولي، لا تمدداً تجارياً تقليدياً، بل نموذجٌ مختلفٌ في الحضور.

تتعامل المملكة العربية السعودية (عبر مؤسساتها وشركاتها) مع الطيران على أنه رافعة تنموية وعنصر استقرار ومنصة اقتصادية؛ لذلك يعكس الدخول في شراكات وتطوير البنى التحتية انتقالاً راقياً في صناعة الفرص ودعم الأشقاء.

هنا تتجلى مكانة المملكة على خارطة الطيران العربي، فهي لا تسعى إلى الهيمنة التشغيلية بقدر ما تسعى إلى تمكين المنظومات واستدامة الأثر.

إن الاستثمار في مطار حلب، وإطلاق ناقل اقتصادي، يعني إعادة سوريا تدريجياً إلى شبكة الربط الجوي الإقليمي، وخلق بيئة جاذبة للاستثمار والسياحة، وتحريك الاقتصاد.

الطيران الاقتصادي، في هذا السياق، يصبح أداة تخفف تكاليف السفر وتوسّع قاعدة المستفيدين، وتعيد رسم العلاقات بين المدن والدول، والسعودية بخبرتها التنظيمية والتشغيلية، تقدّم نموذجاً مختلفاً للدور الإقليمي الحقيقي.. دور الشريك الذي يبني والمستثمر الذي يضيف.

إن ما أُعلن ليس مجرد شراكة جديدة أو مشروع تطوير مطار، إنه انعكاس أعمق لرؤية السعودية للطيران، من ناقل للركاب إلى ناقل للتنمية، والتنمية هي عنوان التواجد السعودي أينما حل.

00:02 | 11-02-2026

«هوشات» الطيارين.. الصمت أخطر من الخطأ

قبل أيام، روى رئيس المركز الوطني لسلامة النقل الكابتن طيّ الشمري، قصة طائرة هوت أثناء الهبوط من ارتفاع يقارب 10 أمتار قبل ملامسة الأرض، وعند التحقيق اكتشف أن الخلل لم يكن في المحركات، ولا الأنظمة ولا الطقس، كان السبب أبسط وأكثر خطورة، عبارات قاسية ولوماً متكرراً، وضغطاً نفسيّاً متصاعداً من القائد إلى مساعده الذي كان يتولى القيادة تلك اللحظة.

في توقيت مقارب، تناقلت وسائل التواصل خبراً عن إيقاف أحد طيّاري شركة EVA Air التايوانية بعد حادثة وقعت في قمرة القيادة أثناء التحرك للإقلاع، حيث فقد القائد أعصابه، واعتدى على مساعده مرات عدة، بينما الطائرة تسير إلى المدرج في رحلة من لوس أنجلوس إلى تايبيه.

تفاصيل الحادثة تكشف هشاشة الأسباب؛ فقد وجّه مساعد الطيار (ماليزي) تحذيراً لزميله الطيّار (تايواني)، بأن سرعة التحرك تجاوزت الحد المسموح «30 عقدة» وعندما لم يستجب القائد، استخدم المساعد الفرامل لتقليل السرعة، حينها تفجّر غضب القبطان ووجّه أربع لكمات لمساعده، في وقت ومكان يُفترض أنهما الأكثر انضباطاً وهدوءاً في العالم.

الرحلة أقلعت رغم ما حدث، وواجهت انتقادات واسعة في أوساط سلامة الطيران، إذ رأى كثيرون أن خللاً بهذا الحجم كان يجب أن يوقف الرحلة؛ لأن الطائرة التي تقلع بنفسيات مشوّشة لا تقل خطورة عن طائرة تقلع بخلل تقني.

الشركة فتحت تحقيقاً داخلياً، وأكّدت أن السرعة المسجلة ضمن بيانات الطائرة لم تتجاوز الحدود، فيما بدأت سلطات الطيران التايوانية تحقيقاً مستقلاً لتحديد ما إذا كان في التصرفات خرقاً للسلامة.

«الهوشات» بين الطيارين ليست خيالية، ولا حكراً على ثقافة أو شركة بعينها، هي تحدث أحياناً محلياً وإقليمياً ودولياً، لكن الفارق يكمن في كيفية إدارتها، وفي قدرة المنظومة على إيقاف السلوك الخاطئ قبل أن يتحوّل إلى خطر تشغيلي.

من أجل هذه الحالات وُجد مفهوم CRM، اختصار لـ

Crew Resource Management

وهو ليس برنامجاً تدريبياً ولا دورة علاقات، هو ضوابط عامة وضعها «علماء سلوك وعوامل بشرية» في سبعينات القرن الماضي عبر وكالة الفضاء الأمريكية، بعد أن طُلب منهم تفسير حوادث كانت الطائرات فيها سليمة تقنياً لكن نتائجها كارثية، مثل حادثة تنريفة عام 1977 التي اصطدمت فيها طائرتا B747 على الأرض وراح ضحيتها 583 شخصاً في لحظة واحدة.

المفهوم تطوّر في الثمانينات ليصبح جزءاً من التدريب الرسمي للطيارين، وفي التسعينات لم يعد محصوراً على الكابينة وشمل الإنسان ضمن الطاقم كله.

لسنوات طويلة، كانت قمرة القيادة تُدار بوصفها ساحة سلطة أكثر من كونها مساحة إدارة.. الكابتن في المقدّمة، القرار عنده، والكلمة النهائية له، بينما يتحرك الآخرون داخل هذا الإطار المشحون بالهيبة المهنية، هذا النموذج خدم الطيران في زمنه، لكنه مع تعقّد العمليات وكثافة الحركة كشف ثغراتٍ خطيرةً، لا في الطيران كتقنية إنما في الطيران كمنظومة بشرية.

الـ CRM لا يعني «تنظيم العلاقة بين الطيارين» كما يُختصر أحياناً، إنه إعادة تعريف القيادة بوصفها نظاماً تشغيليّاً متكاملاً، تُدار فيه الموارد البشرية والعقلية والزمنية بدقة لا تقل عن دقة قياس الوقود والارتفاع والسرعة.

الدراسات التي قادت لهذا المفهوم لم تستنتج أن الطيارين لا يعرفون، بل استنتجت ما هو أخطر، كانوا يعرفون، لكنهم لم يتكلموا في الوقت المناسب، أو ترددوا خوفاً من الإحراج، أو سكتوا احتراماً للسلطة، وهي لحظة يتحوّل فيها الصمت من «ذهب» إلى «حطام».

الـ CRM لا ينتزع القرار من القائد، ولا يُضعف هيبته، لكنه يمنع تحوّل السلطة إلى تخويف، ويمنح القائد فريقاً يفكّر معه ليجعل التواصل عنصر أمان إضافياً، فالجملة غير الواضحة خطر، والتلميح في موقف حرج خطأ مهني، والسكوت ليس احتراماً، بل تقصير.

أسوأ ما يمكن أن يحدث في الطيران أن تكون كل الأنظمة تعمل، بينما الصورة الذهنية معطّلة، حينها لا تسقط الطائرة بسبب عطل، إنما بسبب قرار لم يُناقش أو اعتراض لم يُنطق؛ لذلك يدرّب الـ CRM العقل على التيقظ المستمر وإدارة عبء العمل، فالطيار المرهق مهما بلغت خبرته، يقل تقديره للموقف، كما يركّز على إدارة الخطأ، باكتشافه مبكراً واحتوائه قبل أن يتضخّم.

اليوم، امتد الـ CRM إلى المراقبة الجوية وأطقم الضيافة والصيانة وثقافة الشركات نفسها، كل منظومة تحتفي بالسؤال وتحمي الملاحظة، وتقبل التحدي المهني، هي منظومة تقلّ فيها الحوادث حتى لو زادت فيها الحركة.

الـ CRM لا يهدف لجعل الجميع متساوين، لكنّه يسعى لضمان وصول المعلومة الصحيحة في اللحظة الصحيحة، مهما كان قائلها، فالإنسان يخطئ لكن المنظومة التي لا تسمح بالاعتراض هي التي تصنع الكارثة، بينما الفريق المُدار جيداً يكتشف الخطأ قبل أن يصبح عنوان تحقيق.

الإشكالية ما زالت في التطبيق، فلو كان الـ CRM يُطبّق كما كُتِب لما احتجنا إلى مناقشة هذه القصص أصلاً.

00:05 | 4-02-2026

الطيران المدني السعودي.. قصة دولة

تأسّس الطيران المدني السعودي قبل أن تتأسّس حوالى 80% من الدول العربية، واليوم تُطلّ ذكرى مرور 80 عاماً على هذا القطاع الحيوي كوقفة تأمل واستحضار لمسيرة حافلة بالتحوّلات.

بدأ الطيران المدني السعودي عام 1945م بطائرة يتيمة وإمكانات شحيحة، وحالياً تجوب أساطيل السعودية أصقاع الأرض مع بنية تحتية تُصنّف ضمن الأفضل عالمياً، وكفاءات محلية في مجالات الطيران كافة.

تحكي العقود الثمانية قصة كفاح وطني ورؤية ثاقبة بدأت حينما تلقى الملك عبدالعزيز، طيب الله ثراه، طائرة داكوتا، هدية من الرئيس الأمريكي روزفلت، لتنطلق من تلك اللحظة أول خطوات الربط الجوي بين مدن المملكة الشاسعة.

كان الطيران ضرورة إستراتيجية فرضها اتساع مساحة المملكة، مما دفع القيادة إلى تنظيم هذا القطاع بشكل سريع، فجاء تأسيس «مصلحة الطيران المدني» لتشرف على تنظيم الأجواء وتطوير المطارات، ومع مرور الوقت تحوّلت المصلحة إلى «مديرية» عام 1963م، ثم صارت «رئاسة» عام 1970م، قبل أن تأخذ مسماها الأخير «الهيئة العامة للطيران المدني» عام 2004م، وجاء فصلها عن وزارة الدفاع عام 2011م ليكون القرار، الذي منحها المزيد من الاستقلالية، ومكّنها من أخذ دورها، كاملاً في تطوير صناعة النقل الجوي، وصياغة التشريعات، وتطبيق المعايير الدولية.

الطيران المدني السعودي لم يتخذ نموذجاً واحداً يعتمد عليه، بل أخذ من جغرافية الوطن وتنوّع أقاليمه ميزات وظّفها برؤيته الخاصة، فكان مطار الظهران محطة دولية تربط الشرق بالغرب قبل 60 عاماً، وكان مطار جدة البوابة الجوية للحرم ومحطة عالمية لها ميزتها الخاصة، وأخذ مطار الملك خالد الدولي بالرياض مركزه الحيوي من ثقل العاصمة.

هذه المشاريع عكست الطموح السعودي في تحويل الموقع الجغرافي المتميز للمملكة إلى نقطة التقاء عالمية بين القارات الثلاث، حيث يعيش قطاع الطيران المدني اليوم أزهى عصوره وفق رؤية المملكة 2030، التي حوّلته من قطاع خدمي إلى محرك اقتصادي يستهدف المساهمة بمليارات الريالات في الناتج المحلي.

إن الإستراتيجية الوطنية للطيران، التي أطلقتها المملكة، تستهدف الوصول إلى 200 مليون مسافر، وربط أكثر من 250 وجهة عالمية، ومضاعفة الطاقة الاستيعابية للشحن الجوي، وهي أرقام طموحة تُبنى على الأرض من خلال مشاريع عملاقة، لعل أبرزها حالياً مطار الملك سلمان الدولي، الذي صُمّم ليكون مدينة طيران متكاملة تعزّز مكانة الرياض مركزاً عالميّاً للنقل والتجارة والسياحة.

الثمانون عاماً شهدت تطوّراً هائلاً تم على مراحل، وكان له دور اجتماعي واقتصادي مهم؛ لذلك نشهد حالياً الانطلاقة الضخمة نحو المستقبل، والمتمثلة في تشريعات وتخطيط «التنقل الجوي» والشوط الذي قطعته هيئة الطيران المدني في هذا الاتجاه.

أيضاً يواكب الطيران المدني السعودي العصر من خلال التزامه بقضايا البيئة والاستدامة، وتبني مبادرات لتقليل الانبعاثات الكربونية في المطارات واستخدام الوقود المستدام، تماشياً مع مبادرة السعودية الخضراء، إضافة إلى الاستثمار المكثف في الكادر البشري، حيث أصبحت مراكز التدريب والأكاديميات السعودية تخرج كوادر مؤهلة تضمن استدامة القطاع.

اليوم، ونحن نحتفي بهذا العطاء الممتد، ندرك أن الرحلة التي بدأت بطائرة واحدة قد أثمرت منظومة متكاملة تنقل المسافرين مثلما تنقل طموحات وطن يسابق الزمن ليحلّق في صدارة دول العالم.

إن الاحتفال بالثمانين عاماً هو بداية أخرى لمستقبل أكثر إشراقاً وازدهاراً، وهو احتفاء بالهوية الوطنية ورسالة للعالم بأن المملكة التي كانت محطة في طرق القوافل القديمة أصبحت اليوم الممر الجوي الإستراتيجي الأكثر أهمية في قلب العالم الحديث، سماءً تستند إلى إرث تاريخي عظيم ورؤية رائدة لا تعرف المستحيل.

23:58 | 27-01-2026

أخلاقيات الإنترنت فوق السحاب

كانت الرحلات الجوية شكلاً من أشكال «العزلة الاختيارية» التي يفرضها الواقع.. عزلة يدخلها المسافر حين يغلق هاتفه أو يضعه على «وضع الطيران» ويستسلم لإيقاع أزيز المحركات وحفيف الهواء.

كان الانفصال عن العالم جزءاً من تجربة السفر، فسحة زمنية خارج الشبكة، بلا إشعارات ولا مكالمات.

هذا المشهد بدأ يتغيّر مع انتشار الإنترنت عالي السرعة على متن الطائرات، تحوّلت كابينة الركاب من مساحة (أوفلاين) إجبارية، إلى بيئة متصلة بالعالم على مدار اللحظة.

هذا التحوّل، على الرغم من كونه قفزة في رفاهية السفر، إلا أنه يفتح الباب لتحديات أخلاقية وسلوكية جديدة، فكيف يمارس الراكب حقه في الاتصال دون أن يصادر حق الآخرين بالهدوء؟

الطائرة ليست مقهى ولا حديقة ولا حتى مساحة عمل، هي بيئة مغلقة، ضيّقة نسبياً، يتشاركها غرباء من كل المستويات لساعات عدة، ويُجبرون بحكم الواقع على القرب المكاني والسمعي والبصري، هنا يفقد البصر حدوده العادية ويتعرّض السمع لإزعاج قسري.

توفر الإنترنت المجاني ربما يخلق نوعاً من «السيولة السلوكية»؛ لأن المسافر صار متاحاً للمكالمات والبث المباشر والردود الفورية، وكأن الطائرة امتداد لغرفته الخاصة.

المشكلة ليست في التقنية ذاتها، بل في نسيان السياق الذي تُستخدم فيه، وتتجلى الإشكالية في المكالمات الصوتية والمرئية والبث المباشر.

تخيّل رحلة ليلية طويلة، وأضواء المقصورة خافتة، والركاب يحاولون النوم، فيما أحدهم يجري بثاً مباشراً ليحكي تفاصيل وجبته بصوت مرتفع، هذا «تلوث ضوئي وسمعي» مستفز، ما يجعل خفض السطوع وتفعيل الوضع الليلي سلوكاً واجباً لمراعاة الجار الذي يحاول أن يغفو على بُعد سنتيمترات، ليس من حق أحد أن يجعلك خلفية فلوق أو قصة، ولا أن يوضع طاقم الطائرة في محتوى لا علاقة لهم به.

التحدي يمتد ليشمل «الأمان الرقمي»، فالمسافر الذي يحوّل مقعده لمكتب عمل مفتوح، يعرّض بيانات شركته لنظر المتطفلين، كما أن إجراء اجتماعات العمل عبر «التطبيقات» ينتهك خصوصية الهدوء وخصوصية المعلومات.

أيضاً، لا يقلّ الإزعاج السمعي في الألعاب الإلكترونية الجماعية عن المكالمات، فحماس الأطفال أو الشباب أثناء اللعب قد يكون عادياً في المنزل، لكنه داخل الطائرة سيكون فوضى، مما يجعل استخدام سماعات الرأس التزاماً أخلاقياً، كما أن وضع الأجهزة على الصامت هو أبسط قواعد الذوق؛ لأن صوت التنبيهات في مقصورةٍ هادئة صداع غير مبرر.

الإنترنت فوق السحاب نعمة حقيقية تكسر عزلة السفر، لكنها دون «إتيكيت رقمي» قد تتحوّل إلى مصدر احتكاك يفسد التجربة ويقتل لحظات التأمل التي كانت تمنحها الرحلات سابقاً، والمسؤولية هنا تقع على المسافر وشركات الطيران، فالشركات مطالبة بصياغة ميثاق سلوك واضح يبدأ بتنبيهات قبل الإقلاع، وقد يصل مستقبلاً إلى تخصيص «مناطق صامتة» تمنع فيها الضوضاء الرقمية تماماً.

أن نكون «متصلين بالعالم» أمر رائع، لكن الأهم أن نظل «متصلين بإحساسنا بالآخرين» وبحقهم في السكينة، حتى ونحن نحلّق فوق الغيوم.

00:00 | 21-01-2026

مليون حركة جوية.. سماء السعودية لا تنام

في الدقائق الأولى من العام الجديد، بينما كان العالم مشغولاً بالعدّ التنازلي وطقوس الاحتفالات، كانت هناك طائرات تعبر المحيطات، وأخرى تهبط في اليوم السابق عكس اتجاه الزمن، وثالثة تنتظر إذن الإقلاع لتسابق الشمس في الشروق.

لم تتوقف العمليات لتعلن بداية عام، ولم تُغلق شاشات الرادار، ولم يتغيّر شيء في عالم الطيران سوى أرقام التاريخ؛ لأن الطيران لا يبدأ من الصفر.

مطلع العام، أعلنت شركة الملاحة الجوية السعودية أنها أدارت مليون حركة جوية في عام 2025م، وهو رقم ضخم في قواميس الطيران العالمية، إذا ما قيس بضوابط السلامة وصرامة الإجراءات والمعايير الدولية.

مليون حركة جوية، ليس إنجازاً تشغيلياً فقط، إنه قبل ذلك علامة فارقة تؤكد أن سماء الوطن دخلت مرحلة مختلفة.

«مليون حركة جوية» تعني مليون قرار دقيق، ومليون لحظة تركيز، ومليون مرة كان فيها الإنسان حاضر الذهن خلف الأجهزة وأمام المستقبل.

هذا الرقم لا يُورد إحصائيةً بقدر ما يُروى حكايةً مليئةً بالتفاصيل، حكاية أجواء شهد العالم أنها ليست هامشية على الخرائط، وأنها أصبحت ممراً رئيسياً في شبكة جوية معقدة.

في كثير من الصناعات، يُنظر إلى العام الجديد على أنه صفحة بيضاء، أما الطيران فلا يقلب الصفحة، هو يدخل العام محمّلاً بما قبله، ويخرج منه بأثقال جديدة.

السماء لا تمحو السجلات.. بل تراكمها، وكل عام يضيف طبقة جديدة من الضغوط والتحديات.

وعلى امتداد المشهد العالمي الحالي، تشير التقديرات إلى تسجيل أكثر من 100 ألف رحلة جوية يومياً، أي ما يتجاوز 36 مليون رحلة سنوياً، تنقل قرابة 6 مليارات من البشر، واللافت أن جزءاً متزايداً من هذا الزخم بات يعبر منطقتنا، ومعه تتغير أدوار الدول ومواقعها على خرائط النقل الجوي.

إدارة هذا الحجم من الحركة الجوية تضع السعودية في قلب التحوّل الدولي، نقطةَ ضبطٍ وتنظيمٍ وثقةٍ.

في الطيران، تمر المناسبات بخفة؛ هناك استشعار للزمن، لكن لا وقت للاحتفال؛ لأن الدقة هي اللغة الوحيدة، والاستمرارية هي العنوان الحقيقي.

إدارة مليون حركة جوية ليست ازدحاماً فقط، إنها فوق ذلك طرق جوية صُممت بفاعلية، وتدريب مستمر يجعل هامش الخطأ أضيق، وعناية لحظية بالمؤثرات صغيرها وكبيرها، ومتابعة لا تتوقف.

السماء ليست واسعة كما في المخيلة العامة؛ لأنها في الواقع مجال محسوب بالدقائق، ونقاط تقاطع هائلة، وفواصل تُقاس بالأميال.

هذا الرقم الكبير يمهّد لما بعده، فطموحات السعوديين تنطلق دائماً إلى الأمام وتتجه إلى الأعلى، ومن يدير مليون حركة، يستعد ذهنياً وتشغيلياً لإدارة مليونين وما هو أكثر.

الطموح مشروع، والأرقام ضرورية للقياس، لكن جوهر الطيران لا يتغير؛ فالسلامة لا تقبل القسمة، والثقة لا تُبنى بالسرعة، تُبنى بالاتساق، لذلك كل رحلة تصل بسلام هي نتيجة عمل، وكل بوابة تُفتح لقدوم الغائبين هي محصلة جهد، وكل إقلاع محمّل بالآمال هو مؤشر عطاء.

عاماً بعد عام يتغيّر إيقاع الأجواء السعودية، تزداد الكثافة والمسؤوليات، ويتحوّل المجال الجوي إلى اختبار يومي للجاهزية والمرونة والانضباط، تقوده منظومة الملاحة الجوية السعودية بوصفها العقل المنظّم لهذا الفضاء.

في الدقيقة الأولى من العام كانت الطائرات تعبر السماء؛ لتذكرنا بأن ما يتغيّر ليس الوقت فقط، إنما القرب من تحقيق طموحات وطن لا يتوقف عن التقدم.

00:05 | 14-01-2026

السعودية.. وأمن أجواء اليمن..

منذ بدايات تشكّله، كان الطيران المدني في اليمن أحد أهم وسائل ربط الجغرافيا الوعرة في جنوب الجزيرة العربية بالعالم الخارجي، ومع اتساع رقعة البلاد وتعدّد مدنها وتباعدها، أصبح الطيران ضرورة تنموية واجتماعية، وعنصراً أساسيّاً في حركة الأفراد والاقتصاد والتواصل الإنساني.

لاحقاً، تطوّر القطاع تدريجياً عبر مطارات رئيسية وناقل وطني ومجال جوي اندمج في شبكة الطرق الجوية الإقليمية، وأدّى دوره ضمن المعايير الدولية المعروفة، وإن ظلَّ بإمكانات محدودة وموارد شحيحة.

خلال عقود ما قبل الحرب الداخلية، كان التقدّم بطيئاً لكنه مستمر، غير أن التحوّل الجذري جاء مع اندلاع الصراع، حيث تراجع القطاع بشكل كامل، فأُغلقت مطارات، وتضررت بنى تحتية، وتقلص الأسطول، وتحوّل المجال الجوي إلى ملف سيادي شديد الحساسية.

شكّل إغلاق مطار صنعاء الدولي نقطة فاصلة، فهو المطار الأكبر، والشريان الإنساني لملايين اليمنيين، ونافذة البلد على العالم.

في هذا السياق المربك، برزت أهمية إدارة المجال الجوي قضيةً تتجاوز الداخل اليمني؛ لأن أجواء اليمن تعبرها مسارات جوية دولية تربط الجزيرة العربية بجنوب أفريقيا والبحر الأحمر، وأي خلل في إدارتها يمتد أثره إقليمياً؛ لذلك جاء الدور السعودي، الذي اتسم بالمنهجية المهنية والبعد الاستراتيجي.

منذ سنوات، يُدار المجال الجوي اليمني بدعم وإشراف فني من المملكة العربية السعودية، انطلاقاً من مسؤولية سلامة الملاحة الجوية الإقليمية، هذا الدور لم يكن خياراً قدر ما كان قراراً تم اتخاذه لمنع الفوضى، وتأمين الأجواء، والحيلولة دون الفراغ التشغيلي.

الدعم السعودي تجاوز توفير البنية التحتية وتعزيز الأدوات إلى عمقٍ أكثر استدامة، حيث امتد إلى الاستثمار في الإنسان اليمني لمصلحة بلده، ففي عام 2017م، جرى تدريب مجموعة من المراقبين الجويين اليمنيين في أكاديمية الطيران المدني بجدة على حساب المملكة، في خطوة هدفت للحفاظ على استمرارية عمل أحد أكثر التخصصات حساسية في صناعة الطيران، وفي عام 2019م، تم أيضاً تدريب أكثر من 76 مراقباً جوياً يمنياً ضمن برامج متقدّمة، وفق رؤية طويلة المدى ترى أن استعادة اليمن لدوره تبدأ من الإنسان.

شكّل تأهيل الكفاءات اليمنية ركيزة أساسية للحفاظ على القدرة التشغيلية، تمهيداً ليوم تستعيد فيه اليمن إدارة مجالها الجوي بكوادرها الوطنية.

أما الخطوط الجوية اليمنية، فواقعها يعكس حال القطاع بأكمله؛ ناقل وطني بأسطول تقلّص إلى 6 طائرات فقط، يعمل في بيئة شديدة الصعوبة، ويؤدي دوراً يفوق قدراته التجارية.

أنشئت (اليمنية) عام 1949م لكن انطلاقتها الحقيقية كانت في 1962م وفي مطلع الألفية وصل عدد موظفيها إلى أكثر من 4,200 موظف وأسطولها إلى 22 طائرة.

حالياً، أهمية الشركة لا تُقاس باتساع شبكة وجهاتها، بقدر رمزيتها السيادية، وبقائها شاهداً على حضور اسم اليمن في خرائط الطيران.

تاريخ الطيران المدني اليمني يؤكد أن هذا القطاع قادر على النهوض متى ما توفرت له بيئة مستقرة ودعم حقيقي، وقد كان الدور السعودي ولا يزال، في السماء وعلى الأرض، عامل توازن أساسيّاً، نابع من حرص ثابت على اليمن دولة ومؤسسات وشعباً.

الطيران لا يحتمل الفوضى، وإدارته بعقلانية هي الخطوة الأولى لاستعادة الإيقاع الطبيعي لبلدٍ أنهكته الأرض، لكنه ما زال يملك أفقاً مفتوحاً على أحلام الاستقرار والنهوض.

إن الدعم السعودي لليمن في المجالات كافة التزام أخلاقي يضع الإنسان اليمني في صدارة الحلول، ويحفظ له حقه في إدارة بلاده أرضاً وسماءً، وما جرى خلال السنوات القليلة الماضية هو إدارة أزمة بعقلية دولة كبرى، كانت ولا تزال صمام أمان لليمن وللمنطقة بأسرها.

00:00 | 7-01-2026

الكابتن.. علوّ بلا تعالٍ

عندما يجلس في المقدّمة ويطلّ من علوّ، فهو يتهيّأ لعلوّ أكبر.

المقعد الأمامي في قمرة القيادة ميزة بصرية، نعم، لكنه قبل ذلك حالة ذهنية؛ انتقال هادئ من الأرض إلى السماء، من التفاصيل الصغيرة إلى الصورة الكبرى.

تمتد أمامه لوحة العدادات كخريطةٍ مصغّرة للعالم، أرقامٌ وألوان وإشارات، هناك تبدأ رحلة الكابتن.. قبل الإقلاع.

هو رجل اعتاد أن يكون وحيداً في أكثر اللحظات ازدحاماً، حارساً للوقت، ومسؤولاً عن زمنٍ معلّق بين نقطتين.

يعرف أن أمامه مهام دقيقة، وخلفه ثقة ممتدة، أودعها مئات البشر في يد شخص واحد لا يعرفونه، لكنهم يسلّمونه أحلامهم ومواعيدهم بكل طمأنينة.

الكابتن الذي نراه بالزي المميّز، وربطة العنق الأنيقة، وأشرطة الكتف، هو في حقيقته شخص اختار «قيود» النظام؛ لأنها تُحرّره من المفاجآت، واختار التحليق لأنه يحب «الانطلاق».

في اللحظات الأولى للرحلة، وحين تُغلق الأبواب، تُفتح الذاكرة على مراحل طويلة من التدريب، من الأخطاء التي صُحّحت، ومن القرارات التي لا مجال فيها للاجتهاد.

يتطلّع الكابتن إلى السماء بمسؤولية، وينظر إلى الغيم الذي نتغنّى به على أنه معادلاتٌ تحتاج لحلول.

هو يعرف أن الطيران ثقة، لكنه أيضاً شكٌّ دائم، شكّ صحي لا يسمح للأمور أن تمرّ دون سؤال.

حين تبدأ الطائرة بالتخفف على المدرج، يشعر بثقل القرار، فالثواني التي تسبق الإقلاع تختصر فلسفة القيادة كلها؛ إمّا المضيّ بكل يقين، أو التوقّف بلا تردّد.. لا مكان هنا لمنطقة رمادية.

في الجو، يندمج القبطان مع فضاءٍ أوسع من الطائرة، ينفصل عن الأرض، لكنه لا يبتعد عنها في وعيه.

المدن تحته تتحوّل إلى قطع من الكريستال اللامع، والبحار مساحات صامتة تشي بالسفن على شكل نقاط صغيرة، ومع ذلك يبقى منتبهاً للتفاصيل، السرعة، الارتفاع، الاتجاه، وصوتٌ بعيد يذكّره بأن الطريق، مهما بدا فارغاً، فهو مليء بالاحتمالات.

الكابتن الجيّد لا يتكبّر؛ لأن الطيران، في مفهومه، ممارسة يومية للتواضع.

حين تقترب مرحلة الهبوط، تعود الأرض إلى المشهد، الوصول إلى المطار جزء من امتحانٍ مستمر؛ سرعة الرياح، مدى الرؤية، حالة المدرج، عناصر تعيد الكابتن إلى درسٍ مكرّر، القيادة أن تُنهي الرحلة كما يجب.

بعد أن تتوقّف الطائرة ويبدأ الركّاب في المغادرة، يخرجون وهم يعرفون أن رحلتهم انتهت، أمّا الكابتن، فيدرك أن فصلاً من رحلته المستمرة سيبدأ من جديد، بثقةٍ جديدة.

يغادر القمرة دون أن يلتفت إليه أحد، لكنه في قرارة نفسه يعرف أن هذا أعلى درجات الحضور.

الكابتن ليس بطلاً بالمعنى الرومانسي، ولا فيلسوفاً بالمعنى العلمي، لكنه يجمع بين الاثنين؛ رجل تعلّم أن العلوّ لا يعني التعالي، وأن السيطرة لا تُلغي التسليم، وأن أقوى القرارات أحياناً هي تلك التي لم تُتخذ.

في عالمٍ يركض بسرعة الضوء، يقف الكابتن شاهداً على قيمة الهدوء والانضباط، وعلى أن بعض المهن تُمارَس بالعقل، وبقلبٍ يعرف أن العطاء فضاء، وأن الحدود تُحترم.

حين يجلس في المقدّمة ويطلّ من علوّ على التفاصيل، لا يكون قد ارتفع بعد...

لكنه، مرةً أخرى، يتهيّأ للعلوّ.

00:02 | 31-12-2025

إدارة التجربة الإنسانية في أزمات المطارات..!

الأزمات في المطارات لا تبدأ فجأة، ولا تنتهي بإعادة فتح البوابات وإقلاع الرحلات، هي غالباً تكون نتيجة عوامل متداخلة، مثل الطقس، التشغيل، كثافة الحركة، البنية التحتية، وسلسلة قرارات دقيقة يكفي أن يختل أحدها حتى يظهر الأثر للجميع.

ما حدث في مطار الملك خالد الدولي قبل أيام أعاد إلى الواجهة سؤالاً مهمّاً حول إدارة الأزمات في المطارات الكبرى؟ وهل المشكلة تكمن في الحدث ذاته، أم في طريقة التعامل معه والتواصل مع الناس؟

بدايةً، لا يمكن فصل حجم ما جرى عن طبيعة المطار نفسه، فهو بوابة العاصمة، ويعمل بطاقة عالية، ويمثّل نقطة محورية في شبكة الطيران الإقليمي والدولي؛ لذلك أي اضطراب مهما كان محدوداً سيتضخم أثره تلقائياً، تأخير رحلة واحدة في مطار كبير يقود لتأخيرات تمتد إلى ثلاث قارات، لكن الواقعية تقول إن إدارة الأزمات لا تُقاس فقط بسرعة إعادة التشغيل، بل بجودة القرار في اللحظة الأولى، التوقيت هنا جوهري، فهو الفارق بين احتواء الموقف وتضخيمه.

في مثل هذه الحالة، لا يكفي أن تعمل الفرق الميدانية بأقصى طاقة بل لا بد من الشفافية، والشفافية لا تعني كشف كل التفاصيل، يكفي تقديم صورة صادقة تحترم عقل العميل ووقته.

المسافر لا يطلب معجزات، ولا ينتظر كمالاً مطلقاً، يريد فقط أن يفهم ما يحدث وكم سيستغرق؟ وما الخيارات المتاحة؟ فحين يغيب التواصل، تتفاقم الأزمة.

ما حدث كشف الحاجة إلى أدوات أكثر مرونة، وخطط بديلة أوضح، وسيناريوهات جاهزة، ونماذج تشغيل تسمح بتخفيف التكدّس، حتى لو تطلّب الأمر قرارات صعبة ومؤلمة على المدى القصير، لكنها أقل تكلفة على المدى المتوسط.

وما يُحسب لمطار الملك خالد أن الخدمة لم تتوقف، كانت الحركة مستمرة رغم الضغط، والفرق تعمل في ظروف معقدة، هذه ليست مجاملة، بل حقيقة يجب أن تُقال إنصافاً لمن يعملون بعيداً عن الأضواء، لكن في المقابل، المسافر لا يرى التعقيد، هو يرى النتيجة فقط.

الأزمات في وجهها الآخر ليست دليلاً على الضعف، بل على حجم العمل، والمطارات التي لا تمر بأزمات غالباً هي مطارات لا تعمل عند حدود طاقتها، الفارق الحقيقي هو ما بعد الأزمة، هل تتحوّل إلى درس، بحيث تُراجع الإجراءات وتُصنع ذاكرة مؤسسية تمنع تكرار المشهد؟

الحدث يجب أن يُقرأ من هذه الزاوية، لا كتقصير يدان، ولا كملف يُغلق، بل كمرآة تعكس ما نملك من إمكانات، وما نحتاج من تحسين.

الفرق بين من يتجاوز الأزمة ومن يتعلم منها، أن الأول يراها طارئة، بينما الثاني يتعامل معها كجزء من طبيعة العمل، خاصةً والطيران صناعة تقوم على التفاصيل، وأي تفصيل صغير لا يُدار جيداً يظهر فوراً بحجم أكبر، لذلك تحتاج المطارات الانتقال من عقلية «إدارة الحدث» إلى فكر «إدارة الاحتمال» كما أن «إدارة التجربة الإنسانية» أثناء الأزمة لا تقل أهمية عن إدارة المشكلة ذاتها؛ كلمة واحدة قد تغيّر مزاج آلاف الأشخاص خلال دقائق.

لقد ارتفعت توقعات الناس في هذا الزمن، وأصبحت «إدارة الاحتمالات» جزءاً أساسياً من جودة الخدمة، هذه هي المعادلة الجديدة، ومن يفهمها يحوّل أصعب اللحظات إلى نقاط قوة؛ لأن القيمة الحقيقية للحدث ليست في القدرة على تجاوزه، بل في توثيقه وتحليله، وتحويله إلى معرفة تشغيلية تحمي المستقبل.

00:02 | 24-12-2025

حين يمتحن المطر الطيران..!

هذا الأسبوع، تعيش السعودية حالة مطرية منعشة تملأ القلوب بالبهجة، لكنها في الوقت ذاته تضع قطاع الطيران في حالة انتباه، فالمطر مهما بدا رقيقاً من نوافذ البيوت، يظل عنصراً مؤثراً في معادلات الطيران، تاريخاً وحاضراً، تخطيطاً وتشغيلاً، وسلامةً قبل كل شيء.

حين تهطل السماء، لا يتغيّر المشهد على الأرض وحدها، بل تتبدّل لغة الجو بأكملها، ويعيد الطيران ترتيب علاقاته القديمة مع الغيم والمطر.

منذ البدايات الأولى لاستخدامات الطيران المدني، كان المطر خصماً عنيداً، طائرات البريد التي كانت تجوب أجواء الأمريكتين وأوروبا في بدايات القرن العشرين (وشكّلت مادة خصبة للروايات الأدبية)، لم تكن تمتلك رفاهية المجازفة؛ هياكل هشّة، وأجنحة صغيرة، ومحركات محدودة القدرة، وملاحة بدائية تعتمد على النظر والمعالم الأرضية. في تلك الفترة، كان المطر يعني ببساطة: «لا طيران».

لم يكن الخطر في قطرات الماء ذاتها، بل في ما تحمله معها من سحب منخفضة، ورياح متقلبة، وانعدام للرؤية. كانت الرحلات تؤجَّل، والبريد ينتظر، والظروف تفرض كلمتها بلا نقاش.

مع تطوّر صناعة الطيران تغيّر كل شيء، وبقي المطر حاضراً لكن بصيغة مختلفة. الهياكل المعدنية، ثم المركّبة، وأنظمة الملاحة المتقدمة، والرادارات الجوية، وأنظمة إزالة الجليد، كلها أعادت تعريف العلاقة مع الطقس. لم يعد المطر مانعاً، لكنه ظل مؤثراً لا يُستهان به.

في الطائرات الحديثة، المطر محسوب في كلّ شيء؛ فالبدن مصمم لتحمّل الأمطار الغزيرة، والزجاج الأمامي للقمرة مزوّد بأنظمة تسخين تمنع تشكّل الجليد وتضمن رؤية جيدة، والمحركات مجهّزة لاستيعاب دخول كميات ضخمة من الهواء المحمّل بالماء دون أن تتأثر، كما خضعت أنظمة القياس والسرعة لاختبارات قاسية لضمان دقتها حتى في أسوأ الأحوال.

المطر في الطيران واجهة لعناصر أخرى أكثر حساسية، كالعواصف الرعدية، والرياح الهابطة، والقصّ الهوائي، وانخفاض مستوى الاحتكاك على المدارج، وهنا تنتقل القصة من السماء إلى الأرض.. من الطائرة إلى المطار.

على الأرض، تعكس تصاميم المطارات أيضاً هذه العلاقة الدقيقة مع الطقس، أنظمة تصريف المياه في المدارج ليست تفاصيل ثانوية، بل عنصراً أساسياً في سلامة السفر؛ فأي تجمع للمياه قد يؤدي إلى الانزلاق، حيث تفقد الطائرة تماسك عجلاتها على سطح المدرج عند الهبوط أو الإقلاع، لذلك تُصمَّم المدارج بميول دقيقة، ومواد سطحية مدروسة، وأنظمة صرف قادرة على التعامل مع كميات كبيرة من السيول خلال وقت قصير.

كما أن أنظمة الإضاءة الملاحية، وأجهزة الهبوط الآلي، ورادارات الطقس، أصبحت العمود الفقري للتشغيل الآمن في الأجواء الماطرة.

الحالات المطرية تظهر آثارها المباشرة على حركة الطيران وجداول الرحلات، سواء من ناحية التأخير، أو تحويل المسارات، أو الانتظار في الجو، أو حتى إلغاء الرحلات، وهي قرارات مزعجة للمسافر، لكنها في الحقيقة انعكاس لثقافة سلامة صارمة، ترى أن «ساعات الانتظار» أهون من «لحظة مخاطرة».

المطر ليس عدوَّ الطيران، بل أحد اختباراته الدائمة، فهو امتحان لقدرة الإنسان على فهم الطبيعة، والتكيّف معها، واحترام حدودها. وكما تعلّم الإنسان كيف يشق طريقه بين السحب، تعلّم أيضاً أن يتوقف حين يجب التوقف، وأن ينتظر حين يكون الانتظار حكمة.

إنّ ذاكرة الطيران تحتفظ بسجلّ ثقيل من المآسي والحوادث التي شكّلت منعطفات قاسية في تاريخ الصناعة، وأعادت صياغة معايير السلامة، ودفعت إلى مراقبة حدود التشغيل، وطريقة قراءة الأجواء قبل دخولها.

لم تكن تلك الحوادث بسبب المطر، بل نتيجة سوء تقدير، أو تجاوز لحدود الطقس الآمن؛ لذلك أصبح التعامل مع الطقس علماً يُدرّس، ويُختبر، ويُعاد اختباره. فالطيارون اليوم يخضعون لتدريبات دقيقة ومكثفة على محاكيات متقدمة، تُعيد خلق أسوأ السيناريوهات الجوية من أمطار غزيرة، وعواصف رعدية، وانخفاض حاد في الرؤية، يتعلمون من خلالها كيف يتخذون القرار الصحيح تحت الضغط، ومتى يُكملون، ومتى يكون التراجع هو الخيار الأكثر احترافية.

في كل مرة يهطل المطر، يعيد الطيران درسه الأول، السماء ليست طريقاً مفروشة بالورود، بل فضاء يُدار بالعلم والانضباط، والالتزام الصارم بالسلامة، وقبل كل شيء بالتوكل على الله سبحانه، والأخذ بالأسباب.

00:05 | 17-12-2025